مدى جواز التحكيم في المسائل المتعلقة بالميراث وفقاً للقانون اليمني
يُلجأ في البيئة اليمنية بكثرة إلى النزاعات العائلية ومسائل التركات عبر التحيكم القبلي أو الأسري، كبديل سريع عن المحاكم الرسمية. ومع ذلك، يضع القانون خطاً فاصلاً وصارماً بين ما يجوز إسناده إلى المحكمين وما يقع تحت الولاية الحصرية للقضاء القضائي. فالميراث ليس كتلة واحدة، بل ينقسم إلى شقين: شق يتعلق بالصفة البحتة، وشق يتعلق بالمصالح المالية.
في هذا المقال، سنستعرض مدى جواز التحكيم في المسائل المتعلقة بالميراث، مع تبيان القيود القانونية والشرعية الحاكمة لها في اليمن. [1]
1. حظر التحكيم في مسائل الأحوال الشخصية البحتة
حظر المشرع اليمني في قانون التحكيم بشكل قاطع اللجوء إلى التحكيم في مسائل الأحوال الشخصية. ويقصد بهذه المسائل جملة الصفات التي تحدد مركز الشخص من أسرته ومن دولته، والتي يرتب عليها القانون أثراً معيناً، وتنقسم إلى: [1]
- الحالة السياسية: وهي التي تحدد مركز الشخص من دولته كالجنسية والموطن.
- الحالة المدنية: وهي التي تحدد مركز الشخص من أسرته (مثل أن يكون الإنسان ذكراً أو أنثى، ولداً شرعياً أو غير شرعي، أعزب أو متزوجاً، وارثاً أو غير وارث).
ويكاد يجمع الفقه والقضاء على وجوب التمييز بين ما يدخل في الأحوال الشخصية البحتة، وما يدخل في المصالح المالية (الآثار المالية المترتبة عليها)؛ فالمسائل البحتة تحكمها الشريعة الإسلامية بقواعد قطعية تتعلق بالنظام العام، فلا تخضع للتعامل أو التنازل، ولا يجوز فيها الصلح أو التحكيم كالبنوة، والزواج، والطلاق، والولاية، وثبوت الوراثة. أما الآثار المالية المترتبة عليها، فإنها تخضع للتنازل ويجوز فيها التحكيم كالتعويض عن فسخ الخطبة، وتحديد مقدار النفقة، وقسمة التركات. [1]
2. المسائل العقيمة عن التحكيم: الفكرة الدقيقة للميراث
لكي ينضبط عمل المحكمين والوجهاء في قضايا الميراث باليمن، يلزم التمييز بين المسائل التي تدخل في فكرة الميراث بالمعنى الدقيق، والمسائل الإجرائية والمالية التابعة لها:
المسائل غير القابلة للتحكيم (الأحوال الشخصية البحتة):
هي المسائل الجوهرية التي تبنى عليها التركة ولا يملك أطراف النزاع حرية التصرف فيها، وبالتالي يبطل تحكيمها بطلاناً مطلقاً بموجب المادة (54) من قانون التحكيم اليمني، وتشمل: [1]
- تحقيق أسباب الميراث وشروطه الشرعية.
- الفصل في موانع الإرث (كالقتل العمد، أو اختلاف الدين).
- تحديد وتعيين أنصبة الورثة الشرعية (الفرض والعصبة).
- ثبوت صفة الوارث: الخصومة التي تدور حول ما إذا كان الشخص يُعتبر وارثاً شرعياً للميت أو غير وارث (كدعاوى إنكار نسب أحد الأبناء أو الورثة)، لا تكون قابلة للتحكيم مطلقاً وينفرد بها القضاء الوجوبي.
3. المسائل القابلة للتحكيم: الجوانب المالية للتركة
على النقيض من ثبوت صفة الإرث، فإن المسائل التي لا تدخل في فكرة الميراث بالمعنى الدقيق يغلب عليها الطابع المالي المحض، وهي مسائل موضوعية يجوز للأطراف إسنادها برضاهم إلى المحكمين للفصل فيها، وتتضمن:
- حصر أموال التركة وعقاراتها ومنقولاتها وتثمينها.
- فرز وتسديد الديون والالتزامات المالية المترتبة على التركة قبل القسمة.
- تنظيم حالة الشيوع: إدارة أموال التركة الشائعة، وتحديد حق كل شريك في التصرف في حصته المفرزة.
- انقضاء حالة الشيوع: الخصومة التي تتعلق بكيفية تقسيم التركة وتوزيع السهام بين الورثة وتحديد نصيب كل عاقد عيناً، تُعتبر خصومة مالية قابلة للتحكيم والصلح برضا الأطراف.
الخلاصة والأثر القانوني لبطلان التحكيم
يترتب على هذا التمييز أثر إجرائي بالغ الأهمية أمام محاكم الاستئناف اليمنية؛ فإذا تجاوز المحكمون حدودهم وتصدوا في أحكامهم للفصل في "ثبوت صفة الوارث من عدمه" أو تعديل الأنصبة الفريضة، فإن حكم التحكيم يقع باطلاً ومنعدماً في هذا الشق لمخالفته النظام العام والشريعة الإسلامية، عملاً بالمادة (54) تحكيم. بينما يظل الشق المتعلق بآلية الفرز والقسمة المالية صحيحاً ونافذاً متى ما بني على بصائر مستوفية للشروط. [1.