بيان المحكمة المختصة بالفصل في دعوى أو دفع انعدام حكم التحكيم في القانون اليمني
يُعد التحكيم وسيلة موازية للقضاء الرسمي لحسم النزاعات العقارية والتجارية في الجمهورية اليمنية. ومع ذلك، فإن المشرع اليمني لم يترك أحكام التحكيم بمنأى عن الرقابة القضائية، بل أحاطها بضمانات صارمة لحماية الحقوق من الانعدام أو البطلان.
ويثور التساؤل القانوني دائمًا في أروقة المحاكم حول: ما هي المحكمة المختصة بنظر دعوى أو دفع انعدام حكم التحكيم؟ وما هي الأوعية الإجرائية التي يرد عليها هذا الانعدام؟
في هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل الرؤية القضائية والتشريعية لهذا الاختصاص، والفرضيات الفقهية المنظمة له وفقاً للمبادئ المستقرة الصادرة عن المحكمة العليا اليمنية.
الطبيعة القانونية لرقابة محكمة الاستئناف
ينعقد الاختصاص الولائي والنوعي بالفصل في دعوى أو دفع انعدام حكم التحكيم الذي يجري تنفيذه لمحكمة الاستئناف حصرياً.
إن المشرع اليمني في قانون التحكيم أسند الرقابة اللاحقة على حكم التحكيم لمحكمة الاستئناف؛ والتي تمارس من خلالها رقابة شكلية وموضوعية على حكم التحكيم للتحقق من صدوره موافقاً للنظام العام ومستوفياً للشروط التي تطلبها القانون، وذلك من خلال مسارين:
- نظر دعوى بطلان حكم التحكيم.
- النظر في منح الأمر بتنفيذ حكم التحكيم (إكسائه صيغة التنفيذ).
بناءً على هذه المنظومة الإجرائية، فإن دعوى الانعدام أو الدفع به لا ترد مباشرة على حكم التحكيم المجرد، وإنما ترد على الوعاء القضائي الذي استوعبه، وهو إما:
- الأمر الصادر من المحكمة بتنفيذ حكم التحكيم.
- حكم محكمة الاستئناف الصادر في دعوى البطلان والذي قضى بتأييد حكم التحكيم.
الفرضيات الإجرائية لورود دعوى الانعدام أمام القضاء
لحسم الاختصاص بدقة أمام دوائر الاستئناف، يجب التفرقة بين فرضين إجرائيين استقر عليهما الفقه الإجرائي والقضاء اليمني:
الفرض الأول: ورود الانعدام على "الأمر بتنفيذ حكم التحكيم"
يتحقق هذا الفرض إذا لم ترفع أمام محكمة الاستئناف دعوى بطلان في حكم التحكيم المنعدم، وقامت محكمة الاستئناف بإصدار أمر بتنفيذه مباشرة.
- التكييف القانوني: في هذا الفرض، ترد دعوى الانعدام أو الدفع به على الأمر الصادر بتنفيذ حكم التحكيم؛ لأن هذا الأمر القضائي هو الذي يرتقي بأحكام التحكيم التبرعية إلى مصافِ الأحكام القضائية الرسمية الملزمة.
- تطبيقات المحكمة العليا اليمنية: تطبيقاً لذلك، قضت المحكمة العليا اليمنية بانعدام الأمر القضائي الصادر على عريضة من رئيس الشعبة منفرداً بتنفيذ حكم التحكيم (لمخالفته قواعد التشكيل الجماعي للمحكمة).
- امتداد أثر الانعدام بالتبعية: انعدام أمر التنفيذ قد يرجع إلى انتفاء أحد الأسباب الموضوعية أو الشكلية، ومنها ورود الأمر على غير محل قانوني (كأن يرد على حكم تحكيم منعدم أصلاً). وفي هذه الحالة، وإن كانت دعوى الانعدام تستهدف "الأمر بالتنفيذ" مباشرة، إلا أن تقرير انعدامه لوروده على حكم تحكيم منعدم يمتد أثره بالضرورة إلى حكم التحكيم ذاته؛ إعمالاً للقاعدة الفقهية والقانونية المستقرة: (ما بُني على منعدم فهو منعدم).
الفرض الثاني: ورود الانعدام على "حكم تأييد التحكيم الاستئنافي"
يتحقق هذا الفرض إذا رُفعت أمام محكمة الاستئناف دعوى بطلان في حكم التحكيم المنعدم، وقضت المحكمة في موضوعها برفض البطلان وتأييد حكم التحكيم.
- التكييف القانوني: في هذا الفرض، ترد دعوى الانعدام أو الدفع به مباشرة على حكم محكمة الاستئناف الصادر في دعوى البطلان والذي قضى بتأييد حكم التحكيم.
- تأصيل الفقه الإجرائي: يتطابق هذا الفرض مع قاعدة ورود دعوى الانعدام على حكم محكمة الطعن المؤيد للحكم الابتدائي المنعدم؛ لأن الانعدام—كما استقر عليه الفقه الإجرائي الحديث—يرد على العمل القانوني الأخير المؤيد للعمل المنعدم السابق له، حيث يندمج الحكمين ويصبح الحكم الاستئنافي المظهر الخارجي الوحيد للحق، ومحو الحكم الأخير بالانعدام يزيل بالتبعية العمل السابق الذي تأيد به.