التأصيل القانوني للدفع بعدم سماع الدعوى إذا تقدَّم ما يكذِّبها محضاً
المقرر في الفقرة (1) من المادة (14) من قانون الإثبات أن الدعوى لا تُسمع -بسبب موضوعها- وذلك في أربع حالات، منها الحالة الأولى الواردة في الفقرة (1) من المادة (14) من قانون الإثبات اليمني التي تنص: «لا تُسمع الدعوى في الأحوال الآتية: 1- إذا تقدَّم ما يكذِّبها محضاً».
وقد اعتبر القانون اليمني الدفع بعدم سماع الدعوى إذا تقدَّم ما يكذِّبها محضاً من الدفوع المتعلقة بالنظام العام، وفقاً للفقرة (4) من المادة (186) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني النافذ، التي تنص صراحةً بما لفظه: «تُعتبر من النظام العام الدفوع التالية: 4- الدفع بعدم سماع الدعوى لتقدُّم ما يكذِّبها محضاً».
والدفوع المتعلقة بالنظام العام لها طبيعتها القانونية الخاصة التي لا يكفي المقام هنا لسردها.
الأصل التاريخي للدفع بعدم سماع الدعوى إذا تقدَّم ما يكذِّبها محضاً
إنَّ الأصل التاريخي لنص الفقرة (1) من المادة (14) من قانون الإثبات اليمني هو ما أورده فقهاء الشريعة الإسلامية، ونذكر منهم الآتي:
- ما جاء في كتاب "التاج المذهب"، المجلد الرابع، ما نصُّه: «فصل - في بيان الدعاوى التي لا تُسمع من مدعيها أي لا تُقبل، وهي (أربع)، الأولى: لا تُسمع دعوى في الوديعة وكل عين غير مُضمَّنة كالعارية المستأجرة غير المضمَّنة إذا تقدَّم من المدعي ما يكذِّبها محضاً. مثال ذلك: أن يدعي رجل وديعةً له أو نحوها، فيقول الوديع: ما أودعني شيئاً، فيقيم المدعي البيِّنة على أنه أودعه، فيدعي في مجلس الإنكار أو بعده بتاريخ متقدِّم أنه قد ردَّها». وبناءً على هذا الأصل التاريخي قام المشرع اليمني بنقل سياق الفقرة (1) من المادة (14) إلى قانون الإثبات حرفياً من هذا الكتاب. (المرجع: "التاج المذهب لأحكام المذهب شرح متن الأزهار في فقه الأئمة الأطهار" - المجلد الرابع، الطبعة الأولى 1366هـ / 1947م، صـ12.
- ما أورده الإمام المجتهد محمد بن علي الشوكاني في كتابه "السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار"، ما نصُّه: «لا تُسمع الدعوى إذا تقدَّم ما يكذِّبها محضاً، ومثال ذلك: أن يدعي رجل على رجل وديعةً، فيقول الوديع: ما أودعني شيئاً، فيقيم المدعي البيِّنة على أنه أودعه، فيدعي بعد ذلك أنه قد ردَّها، فإن هذه الدعوى لا تُسمع ولو أقام البيِّنة عليها، لأن قوله من قبل "ما أودعني شيئاً" يكذِّب دعواه وشهوده. أما إذا تقدَّم الدعوى ما يكذِّبها في الظاهر وليس بمحض التكذيب فإنه لا يبطلها». (المرجع: "السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار"، طبعة 1415هـ، ص 136، الهامش).
والتكذيب على نوعين
التكذيب المحض:
هو الجحود المطلق، أي الإنكار مع العلم، فهذا النوع من التكذيب لا تُسمع معه الدعوى في الوديعة وفي كل عين غير مُضمَّنة المشمولة بمصطلح "يد الأمانة" في الفقه الإسلامي، والذي لا يُضمَّن إلا إذا فرَّط أو تعدَّى، والذي يقابله في الفقه القانوني مصطلح "الالتزام ببذل عناية" كما في العين المودعة، والعارية، والمستأجرة، والمقبوضة على سوم الشراء، وزمن الخيار، والمشترك غير المضمَّن، وما في يد الأجير الخاص، والمضارب، والوصي والوكيل؛ إذا تقدَّم منهم ما يكذِّب الدعوى محضاً فلا تُسمع دعواهم.
ومثال ذلك: أن يدعي رجل وديعةً له أو نحو ذلك، فيقول الوديع: ما أودعتني شيئاً، فيقيم المدعي البيِّنة على أنه أودعه، فيدعي في مجلس الإنكار أو بعده أنه قد ردَّها، فإن هذه الدعوى لا تُسمع ولو أقام البيِّنة في مجلس الحكم ولو طلب اليمين؛ لأن جحوده للوديعة من قبل يكذِّب محضاً دعوى الرد وشهوده، لأنه لا يُتصوَّر أن يردَّ ما لم يُودع لديه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو غير مُلجأ إلى الجحود، لأنه لو أجاب على الدعوى أنه ردَّ الوديعة أو العارية وكل عين ليست مُضمَّنة؛ قُبل قوله بيمينه لأن يده إنما هي أمانة لا يد ضمان.
وبالتالي، يقتضي لتفسير وتطبيق نص الفقرة (1) من المادة (14) من قانون الإثبات الشرعي على الواقع التالي:
- العودة إلى الكتب الشارحة لمتن الأزهار، ومنها: "التاج المذهب" للعنسي، الذي اعتمده المشرع -أيضاً- في صياغة استثناءات هذا النص، خاصة ما ورد في ص 15 من الجزء الرابع.
- وذلك لمعرفة المعنى القانوني للكذب الذي يُعتدُّ به كأساس لعدم سماع الدعوى، حيث ينبغي علينا الرجوع إلى المراجع التي حدَّدها القانون لتفسير النصوص القانونية وفقاً للمادة (18) من القانون المدني التي قضت بقولها: «المرجع في تفسير نصوص القوانين وتطبيقها هو الفقه الإسلامي والمذكرات الإيضاحية والكتب الشارحة الصادرة من الهيئة التشريعية المختصة».
- معرفة أن نطاق تطبيق الفقرة (1) من المادة (14) من قانون الإثبات الشرعي دعاوى محدَّدة بالذات، وهي المتعلقة بالوديعة وكل عين غير مضمونة؛ وأن المخاطب بهذه الفقرة هو المدعى عليه وليس المدعي.
- أن تفسير الفقرة (1) من المادة (14) من قانون الإثبات الشرعي عند التطبيق على النحو المتقدِّم يكفل عدم التعارض مع ما ورد في المواد (179-199) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني النافذ.
التكذيب غير المحض:
هو الجحود النسبي القائم على نفي العلم لا على الإنكار الصريح، حيث يُعتبر تكذيباً في الظاهر وليس تكذيباً محضاً، فقد ورد أن مثل هذا التكذيب لا يبطل دعوى الرد.
ومثال ذلك: أن يدعي رجل على غيره ديناً، فيقول المدعى عليه: "ما له عليَّ دين أو حق ولا أعرف ما يقوله"، أو "ما لك عليَّ شيء قط ولا أعرفك"، ولو كان المدعي أباه أو ابنه، فيأتي المدعي بالبيِّنة على ما ادعاه، فيقول المدعى عليه: "إني قد أوفيتك مالك، أو قد أبرأتني منه"، فإنها تُسمع دعواه وتُقبل بينته، ولا يكون ذلك تكذيباً لشهوده لأنه قال: "ما له عليَّ شيء" حال الدعوى، لأنه بعد التوفير لا يكون ثابتاً، وإذا طلب يمين المدعى عليه بعد قوله "ما له عليَّ شيء" حلف له، ولا يلزمه أن يحلف أنه ما تدين منه ما ادعى به.
والذي يظهر أن المدعي فرعياً لم يُقرَّ بفرع الثبوت، وإنما نفى عن نفسه العلم، ولذلك قُبلت دعواه، ونحن إذا أخذنا بقاعدة "الأصل في الكلام الحقيقة" كان التخريج سليماً، وإن أخذنا بقاعدة "العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني"، فنفي العلم في معنى الإقرار بفرع الثبوت، وما يتطرق إليه الاحتمال فمرجعه تقدير القاضي.
ويتفرع عن ذلك: لو أراد ردَّ سلعة بالعيب على إنسان وادعى أنه اشتراها منه فقال: "ما بعتُ منك"، فلما أقام البيِّنة بذلك، أقام البائع البيِّنة بعد دعواه أنه قد رضي بالعيب فإنها تُقبل منه؛ لأن معنى إنكاره "ما بعتُ منك شيئاً" يلزمني قبول ردِّه لأنك قد رضيت بالعيب، وفيها نظر الحاكم.
كذلك: لو ادعى رجل على غيره ثمن ثوب قبضه ووكَّله ببيعه، فأنكر ذلك، فلما أقام المدعي البيِّنة على أنه قبض الثوب بالوكالة، ادعى الوكيل أنه قد وفَّر الثمن للموكل، فإن بينته تُقبل حيث يكون ضميناً بأن يكون أجيراً مشتركاً إذ لو لم يكن كذلك كان كالوديع.
كذلك: لو ادعى عيناً مغصوبة عند رجل ولم يُقم البيِّنة، ثم حلف له ذلك المدعى عليه، ثم إن المدعي ادعى تلك العين على آخر في ذلك المجلس: فإنها تُسمع منه لأنه محتمل أن يكونا معاً غاصبين.
كذلك: لو قال الحاكم للمدعي "ما تدعي على فلان؟" فقال: "ما أدعي عليه شيئاً قط، سوى كذا"، فإنها تُسمع دعواه هنا، لأن كلامه جملة واحدة ولا يُحكم عليه إلا بعد تمامها، فهذه الصور كلها هي التي احترزنا عنها بقولنا "محضاً".
ويظهر من هذه الفروع: أثر العرف والعادة في قبول الدعوى بعد التكذيب غير المحض، وهو ما يدل على أن الاجتهاد المبني على أصول شرعية هو الأصل فيما يسمى بالمنهج المختلط في الإثبات.
ونقتبس للدلالة على ذلك ما جاء في كتب الفقه الإسلامي والقانوني، نوردها على النحو الآتي:
- جاء في المجلد الرابع من "درر الحكام شرح مجلة الأحكام" في الكتاب الرابع تحت عنوان "الدعوى" المادة (1615) ما نصُّه: «التناقض هو سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه، أي سبق كلام منه موجب لبطلان دعواه». وعرَّف التناقض لغة وشرعاً بقوله: التناقض لغةً بمعنى التدافع، وشرعاً هو سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه. (المرجع: "درر الحكام شرح مجلة الأحكام"، تأليف علي حيدر، تعريب المحامي فهمي الحسني، المجلد الرابع، الطبعة الأولى 1411هـ / 1991م، ص 176).
- ما جاء في الفصل الرابع من نفس المجلد تحت عنوان "في بيان التناقض" شرح المادة (1636) ما نصُّه: «إنه يُشترط في صحة الدعوى عدم وقوع التناقض فيها، فذلك لا تُسمع الدعوى التي يقع تناقض فيها، لأن كذب المدعي يظهر في الدعوى التي يقع فيها التناقض. مثلاً: إذا ادعى قائلاً: إن هذا المال ملكي، وأثبت المدعى عليه بأن المدعي قد طلبه شراء ذلك المال منه؛ يظهر كذب المدعي في دعواه». وقد ذكر في هذا الفصل أنواعاً للتناقض التي تكون صادرة من المدعي.
- ويقول الأستاذ الدكتور عبد المطلب عبد الرزاق حمدان في كتابه "الدعوى وإثباتها في الفقه" ما نصُّه: «الشرط الثامن: عدم التناقض في الدعوى، وهو أن لا يسبق منه ما يناقض دعواه لاستحالة وجود الشيء مع ما يناقضه وينافيه، حتى لو أقرَّ بعين في يده لرجل، فأمر القاضي بدفعها إليه ثم ادعى أنه كان اشتراها منه قبل ذلك؛ لا تُسمع دعواه، لأن إقراره بالملك لغيره في الحال يمنع الشراء من قبل ذلك، لأن الشراء يوجب الملك للمشتري فكان مناقضاً للإقرار، والإقرار يناقضه فلا يصح». (المرجع: "الدعوى وإثباتها في الفقه الإسلامي"، د. عبد المطلب حمدان، صفحة 17، طبعة 2007م).
- ما أورده الدكتور شعبان الكومي أحمد في مؤلفه "الدعوى بالمجهول" ص 83 بقوله: «يُشترط في صيغة الدعوى عدَّة شروط ومنها: عدم التناقض بينها وبين أمر سبق صدوره من المدعي. والمقصود بالتناقض في الدعوى أن يسبق من المدعي كلام منافٍ للكلام الذي يقوله في دعواه، كأن يقرَّ أمام القاضي بعين في يده لغيره، فيأمر القاضي بتسليمها لمن أقرَّ له بها، وبعد ذلك يدعي المُقرُّ أنه اشترى هذه العين من المُقرِّ له بتاريخ سابق على وقت الإقرار؛ فبذلك يكون متناقضاً، إذ بإقراره الأول يكون معترفاً بملكية غيره في تاريخ إقراره، وبدعواه الثانية يكون مدعياً أنه هو المالك في ذلك التاريخ، وما هذا إلا التناقض. فإذا وُجد مثل هذا التناقض فإنه يمنع من قبول الدعوى لأنه يُعدُّ دليلاً على كذب المدعي في دعواه، إذ إنه يستحيل الجمع في الصدق بين الشيء ونقيضه».
الخلاصة:
من خلال تلك النصوص القانونية وما يفسِّرها من المراجع والشروح الفقهية والقانونية -والتي هي المرجع في تفسير النص القانوني الوارد في المادة (186/4) مرافعات، وكذا نص المادة (14/1) إثبات وفق المادة (2) من القانون المدني اليمني- يتضح الآتي:
- أن إعمال الدفع بعدم سماع الدعوى إذا تقدَّم ما يكذِّبها محضاً على الواقع وانطباق هذا الوصف القانوني والشرعي عليه، يقتضي حتماً أن يكون هذا الكذب من قبيل "الكذب المحض" وفي دعاوى حدَّد طبيعتها فقهاء الشريعة الإسلامية وفقاً لما أسلفنا.
- لا ينطبق التكييف القانوني والشرعي الوارد في الفقرة (1) من المادة (14) من قانون الإثبات الشرعي والمادة (186/4) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني النافذ على "الكذب غير المحض" إذا لم يكن ذلك التكاذب والتناقض في الدعاوى التي حدَّدها فقهاء الشريعة الإسلامية، كون "الدفع بعدم سماع الدعوى إذا تقدَّم ما يكذِّبها محضاً" ورد حصراً في القانون اليمني ويعود أصله التاريخي لفقهاء الشريعة الإسلامية.
- أن التكذيب غير المحض "التناقض" قد يكون سبباً لبطلان صحيفة الدعوى، وقد يكون دليلاً على عدم صحة دعوى المدعي، ولا يكون إلا من خصم في مركز المدعي. والله أعلم.
إعداد: المحامي عبدالرقيب القاضي