الإكراه كعيب من عيوب الرضا في التعاقد وفقاً للقانون المدني اليمني
يقوم الالتزام العقدي في الشريعة الإسلامية وفي القوانين الحديثة على مبدأ "سلطان الإرادة" والحرية الكاملة في اختيار إبرام التصرفات القانونية من عدمه، لقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم). فإذا انعدم هذا الرضا أو شابته شائبة تفسد الاختيار، تتدخل القوانين لحماية المتعاقد وضمان عدم إلزامه بتصرف أُجبر عليه.
وفي طليعة هذه العيوب يبرز "الإكراه"؛ وهو أداة ضغط مادية أو معنوية تسلب الشخص إرادته الحرة. في هذا المقال، نفند التكييف القانوني للإكراه في القانون المدني اليمني، شروطه، وأنواعه، والأثر القضائي المترتب عليه.
1. المفهوم القانوني للإكراه وأنواعه في التشريع اليمني
عرّف المشرع اليمني الإكراه بأنه: "رهبة يبعثها المتعاقد أو غيره في نفس المتعاقد الآخر تحمله على إبرام عقد لم تكن إرادته متجهة إليه". وقسمه القانون المدني إلى نوعين بحسب جسامة الوسيلة المستخدمة:
- أولاً: الإكراه الملجئ (المادة 168 مدني): وهو الإكراه الجسيم الذي يقع بتهديد خطر محدق بالنفس، أو بعضو من أعضاء الجسد، أو بإتلاف كامل للمال. هذا النوع يعدم الاختيار ويفسد الرضا تماماً.
- ثانياً: الإكراه غير الملجئ (المادة 169 مدني): وهو الإكراه الأخف وطأة، ويقع بالتهديد بضرب غير قاضٍ على النفس، أو الحبس المؤقت، أو إلحاق أذى يسير بالمال. هذا النوع يفسد الرضا ولكنه لا يعدم الاختيار بالكامل.
الشروط القانونية الإلزامية لتحقق الإكراه المبطل للعقد
لكي تقضي محكمة الموضوع بإبطال العقد أو وقفه بناءً على دفع بالإكراه، يجب أن يثبت المحامي توفر أربعة شروط مجتمعة نصت عليها المواد (170، 171) مدني:
- استخدام وسيلة تهديد غير مشروعة: أن يكون الضغط الممارس غير قانوني (كالتهديد بالقتل، أو الاختطاف، أو التشهير). أما التهديد بإجراء قانوني مشروع (كالتهديد برفع دعوى قضائية بحق مالي ثابت) فلا يُعد إكراهاً.
- أن تكون الرهبة هي الدافع للتعاقد: أي لولا هذا التهديد والخوف لامتنع الشخص تماماً عن التوقيع على العقد أو البصيرة.
- خطر محدق وجسيم: أن يستشعر المتعاقد أن الخطر سيقع به فوراً أو خلال وقت قصير جداً في حال رفضه التوقيع.
- قدرة المكرِه على تنفيذ تهديده: تؤخذ بعين الاعتبار شخصية المتعاقد المكرَه (سنه، جنسه، حالته الصحية، ومدى قدرة الطرف الآخر على بسط شوكته وتنفيذ وعيده).
3. الأثر القانوني للإكراه: مصير العقد الموقوف
خلافاً لبعض القوانين التي تقرر البطلان الفوري، يتبنى القانون المدني اليمني نزعة حكيمة تجعل العقد "موقوفاً" وليس باطلاً بطلاناً مطلقاً:
- حق الإجازة أو الإبطال (المادة 172 مدني): العقد الصادر تحت تأثير الإكراه لا ينتج آثاراً في مواجهة المكرَه، ويكون له وحده حق طلب "إبطال العقد" أمام القضاء واسترداد أصوله وعقاراته.
- الإجازة بعد زوال الإكراه: إذا زال سبب الخوف والتهديد، وقام المتعاقد المكرَه بإجازة العقد صراحة (كتابة) أو ضمناً (كقبول الثمن طواعية بعد زوال الخطر)، فإن العقد ينقلب صحيحاً ونافذاً بأثر رجعي من تاريخ إبرامه.
- إكراه الغير: حسم القانون اليمني مسألة الإكراه الصادر من شخص أجنبي عن العقد؛ فإذا تبين أن المكرِه شخص ثالث، ولم يكن المتعاقد الآخر المستفيد يعلم بهذا الإكراه، جاز للمكره طلب الإبطال بشرط تعويض المتعاقد الآخر حسن النية عما لحقه من ضرر.
خلاصة واستنتاج عملي
يُمثل دفع "الإكراه" في الدعاوى العقارية والمدنية باليمن أحد أقوى الدفوع الموضوعية التي تتطلب من المحامي مهارة عالية في إثبات "عنصر الرهبة والشوكة" بكافة طرق الإثبات الشرعية وقواعدها. إن حماية الإرادة من التدخل الخارجي القسري هي صمام الأمان المانع من نهب أموال المواطنين تحت وطأة الخوف، لتبقى التصرفات القانونية صرحاً مبنياً على طمأنينة الرضا الكامل وسيادة القانون.