recent
جديد المشاركات

مسوغات بيع الوقف واطرافه

يُعد الوقف في الشريعة الإسلامية صدقة جارية تخرج من ملك العبد إلى ملك الله تعالى ليبقى أثرها وبرها. ونظراً لأهمية هذه المؤسسة، فقد أولى الفقهاء والقانون اليمني اهتماماً بالغاً بضبط أحكام الوقف، خاصة فيما يتعلق بآليات نقله، استبداله، وضوابط إدارته.

أولاً: جواز نقل الوقف من مصرف إلى آخر

شرط الواقف كنص الشارع يجب تنفيذه ما دام شرطاً صحيحاً. ولكن، إذا اندثر الوقف (كمسجد أو ولاية مبرة) أو استغنت عنه الجهة الموقوف لها، فهل يجوز نقله؟

 الرأي الراجح

يجوز نقل الوقف إلى مصرف آخر مماثل؛ لأن الغاية من الوقف هي القربة وتحقيق المصلحة والصدقة الدائمة. فإذا اندثر المسجد أو انتقل السكان إلى محلة أخرى وبنوا مسجداً جديداً، جاز نقل الوقف تحقيقاً لمقاصد الواقف.

 رأي الرد إلى الورثة: 

يرى البعض أن الوقف يعود إلى ورثة الواقف مع بقائه "وقفاً" لا "ملكاً". وفي هذا السياق، يُوضح د. غالب القرشي في كتابه الأوقاف والوصايا (ص 54): أن هذا القول مقبول إذا كان يعني "الولاية والإشراف"، أما إن قصد إبطال الوقف، فلا يجوز؛ لأن الوقف خرج من ملك الواقف إلى ملك الله، وينبغي استمراره لاستمرار الأجر.

ثانياً: ناظر الوقف (المتولي) ومهماته

ناظر الوقف هو المتولي له، سواء عينه الواقف أو الحاكم.
تعيين الناظر: يحق للواقف تحديد الناظر. وإن لم يحدد، فللموقوف عليه حق التعيين، وإلا فالدولة (التي تنفرد بالولاية في الوقف العام).
 مهام الناظر:  حفظ الوقف، حمايته، تنميته، وصرفه في حدود شروط الواقفين. لا يجوز للناظر التفريط أو اعتبار أموال الوقف جزءاً من ماله الخاص، ولا تجوز المداهنة في صرفه.

ثالثاً: بيع الوقف، استبداله، ونقل المصرف (موقف القانون اليمني)

لقد نظم القانون اليمني تصرفات الوقف بدقة، معتمداً على المصلحة الشرعية:

 1. نقل المصرف: 

تنص المادة (27) على أنه لا يجوز لمتولي الوقف نقل المصرف إلا بإشراف الحاكم الشرعي وتقديم مسوغ كافٍ.

 2. تعطل المصرف:

أكدت المادة (29) أن زوال المصرف أو شرطه لا يبطل الوقف. بينما تفصل المادة (30) آلية التصرف في "الوقف المنقطع المصرف" عبر إشراف الجهات المختصة.

 3. التوسعة:

تجيز المادة (41) والمادة (43) فصل مواد المسجد ونقلها لمحل آخر أو توسعة المسجد عند الحاجة، وذلك بإذن الحاكم والجهة المختصة.

 4. استثمار الفائض:

نصت المادة (61) على جواز شراء "مستغل" بفائض الغلة، ويُعتبر ملكاً للوقف وتصرف غلته في مصارفه.

رابعاً: معايير المصلحة في استبدال الوقف

التصرف بالوقف مناط بالمصلحة. وقد أوضحت المادة (57) أن أي تصرف يقع عليه غبن فاحش للوقف فهو باطل. ويشير د. غالب القرشي (ص 88) إلى أن المتولي الحريص قد يضطر لقبول أدنى المصلحة إذا كان الوقف معرضاً للنهب، وذلك لحفظ أصل الوقف من الضياع.

شروط الاستبدال عند الفقهاء:

يوضح د. محمد أحمد سراج في كتاب أحكام الوصايا والأوقاف (ص 73) أن الاستبدال (بيع الموقوف وشراء بديل له) يشترط فيه:
  ألا يكون البيع بغبن فاحش.
 ألا يكون البيع فيه محاباة من البائع للمشتري.
 قيام مصلحة حقيقية تستدعي هذا البيع والاستبدال.

خامساً: أقوال العلماء في الاستبدال

يؤكد الإمام الشوكاني في السيل الجرار (ج 3، ص 222) أن الاستبدال بالشئ إلى ما هو أصلح منه باعتبار الغرض المقصود من الوقف "حسن سائغ شرعاً وعقلاً"، لأنه جلب للمصلحة ودفع للمفسدة.
وفي كشف اللثام، يذكر الإمام السفاريني اتفاق الأئمة على أن الوقف إذا تم لا يعود لملك الواقف، ولكنهم اختلفوا في جواز بيعه عند تعطل منافعه. وقد أجمعوا على أنه إذا تعطلت منافذ الوقف بحيث لا يرجى منه نفع، جاز استبداله بمثله، بل إن نقل آلات المسجد القديم لمسجد آخر عند الحاجة "أولى من بيعها".
خلاصة:
إن الوقف أمانة شرعية وقانونية، وأي تصرف فيه من نقل أو استبدال يجب أن يكون تحت مظلة "المصلحة المحققة" وإشراف الولاية العامة (الدولة)، بما يضمن ديمومة الصدقة الجارية وتحقيق مقاصد الواقفين.
المراجع المعتمدة:
 الأوقاف والوصايا - د. غالب القرشي.
 أحكام الوصايا والأوقاف - د. محمد أحمد سراج.
 السيل الجرار  - الإمام محمد بن علي الشوكاني.
 كشف اللثام شرح عمدة الأحكام  - الإمام شمس الدين محمد السفاريني.
 قانون الوقف اليمني.

author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent