recent
جديد المشاركات

الضوابط القانونية لتعيين الحارس القضائي في القانون اليمني

تمهيد:

​بالرجوع إلى نصوص قانون المرافعات اليمني وكذا القانون المدني اليمني وغيرهما من القوانين ذات العلاقة فسوف نحاول في هذه الدراسة بيان الضوابط القانونية لتعيين الحارس القضائي، مع الإشارة الموجزة قبل ذلك لبيان طبيعة الحراسة القضائية، وتعريفها، و دعوى الحراسة القضائية، وشروطها وحالات الحراسة القضائية وذلك كما يلي:

أولاً: طبيعة الحراسة القضائية:

​تعتبر الحراسة القضائية إجراء الغرض منه المحافظة على الأشياء المتنازع عليها حتى ينتهي النزاع القائم بشأنها بحيث يأمر القاضي بناءً على طلب من صاحب المصلحة وضع ذلك المال تحت يد أمينة يتولى حفظه وإدارته ليرده مع غلته المقبوضة لمن يثبت له الحق فيه مع عدم المساس بأصل الحق، ولما كان فرض الحراسة من قبل القضاة يُشكل قيداً مؤقتاً على حرية التملك والتصرف فإنها تعتبر إجراءً استثنائياً ينبغي ألا يُفرض إلا عند الضرورة، وبقدر تلك الضرورة، ومن ثم ينبغي ألا يلجأ إليها إلا إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة والفعالة للمحافظة على حقوق ومصالح ذوي الشأن، كونها سلاحاً ذا حدين يجب إتقان استعماله وإلا أعطت نتائج عكسية على مصالح الأطراف بل وعلى الصالح العام.

ثانياً: تعريف الحراسة القضائية:

​تناول القانون المدني الأحكام الخاصة بالحراسة في فصل خاص تحت عنوان (التعديل [الحراسة])، وعرفها بأنها: (التعديل هو تسليم المتنازع عليه إلى شخص ثالث بقرار من الحاكم أو برضا الطرفين المتنازعين للمحافظة عليه وإدارته ورده مع غلته المقبوضة إلى من يثبت له الحق فيه). م(955) مدني.

​كما عرفت الحراسة القضائية المادة (392) من قانون المرافعات اليمني بأنها: (إجراء تحفظي يأمر به القاضي المختص في الأحوال المنصوص عليها في هذا القانون).

​وعرف فقهاء القانون الحراسة القضائية بأنها: (إجراء تحفظي مؤقت يأمر به القاضي بناءً على طلب صاحب المصلحة بوضع عقار أو منقول أو مجموع من المال يقوم في شأنه نزاع أو يكون الحق فيه غير ثابت تحت يد أمين يتولى حفظه وإدارته ليرده مع غلته المقبوضة إلى من يثبت له الحق فيه).

ثالثاً: المحكمة المختصة بفرض الحراسة القضائية:

​يختص بفرض الحراسة القضائية ما يلي:

  1. ​قاضي الأمور المستعجلة إذا رفعت بدعوى أصلية.
  2. ​المحكمة الابتدائية إذا طلبت تبعاً لدعوى منظورة أمامها.
  3. ​قاضي التنفيذ على الأموال المحجوزة.
  4. ​المحكمة الاستئنافية يجوز طلب الأمر بالحراسة القضائية منها استثناءً تبعاً لموضوع النزاع المرفوع الاستئناف عنه أمامها. م (393) مرافعات.

رابعاً: واجبات المحكمة عند تعيين الحارس القضائي:

​يجب على المحكمة عند تعيين الحارس القضائي ما يلي:

  1. ​أن تحدد للحارس القضائي مهامه واختصاصه ونطاق سلطته بناء على طلب ذي الصفة والمصلحة.
  2. ​تحديد أجرة الحارس القضائي بما يتفق عليه الخصوم، وفي حالة اختلافهم بما تقدره المحكمة. ويكون أجر الحارس ونفقات الحراسة قبل انتهاء سبب الحراسة على نفقة الخصوم إن كان موضوع المال مشتركاً، أما إذا لم يكن موضوع المال مشتركاً فيكون أجر الحارس ونفقات الحراسة على نفقة طالب الحراسة. أما بعد انتهاء الحراسة فيكون أجر الحارس ونفقات الحراسة على من آلت إليه ملكية المال موضوع الحراسة ويرجع بها على المحكوم عليه حسب القواعد العامة. م (397) مرافعات.
  3. ​القيام بتحرير محضر جرد للأموال بصورة تفصيلية التي تُسلم للحارس القضائي موضوع الحراسة. وتبقى ملكية المال لصاحبه أو من سيحكم له عند فصل النزاع، ولا تنقل الملكية إلى الحارس.
  4. ​إلزام الحارس القضائي بإمساك دفاتر موقع عليها من المحكمة لضمان انتظامها.
  5. ​فتح سجلات خاصة يبين فيها: رقم القضية، ونوعها، وموضوعها، والمدعي أو طالب التنفيذ، والمدعى عليه أو المنفذ ضده، وتاريخ صدور قرار الحراسة القضائية، والقاضي مصدر القرار، واسم الحارس القضائي، وصفته، وتاريخ مباشرته للمهمة، والأموال التي تسلمها الحارس موضوع الحراسة، وملحقاتها، وغلولها (ريعها) ونحوه.
  6. ​الإشراف الدوري على الحارس القضائي، وإلزامه بإحضار كشوفات حساب دورية خلال الفترة التي يحددها له القاضي المختص، يبين فيها ما تسلمه وما أنفقه وما جاء من غلول، ويعزز ذلك بالمستندات المؤيدة لها، تُرفق بملف القضية، وتُسلم صورة منها لذوي الشأن.
  7. ​تنبيه الحارس القضائي إلى أهمية المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأن قيامه بأي إتلاف أو اختلاس أو إخفاء للأموال محل الحراسة أو الأشياء المحجوزة أو الامتناع عن تسليمها موجب للمسؤولية الجزائية والمدنية. م (397) مرافعات.

خامساً: كيفية تعيين الحارس القضائي:

​يتم تعيين الحارس القضائي بإجماع ذوي الشأن إن أمكن، وإن اختلفوا تولى القاضي تعيينه مراعياً في ذلك المصلحة. م (957) مدني.

سادساً: شروط اختيار الحارس القضائي:

​يشترط في الحارس القضائي ما يلي:

  1. ​أن يكون أميناً.
  2. ​أن يكون قادراً على الحراسة وإدارة ما عُهد إليه من مال: وهو ما يعني وجوب أن يكون الحارس خبيراً في المجال الذي يُعين فيه حتى يستطيع القيام بالحراسة وإدارة المال، فإذا كان المجال مثلاً محاسبي فلا بد أن يكون الحارس محاسباً، وإذا كان طبي فلا بد أن يكون الحارس طبيباً مختصاً في ذلك المجال، وإذا كان المجال تجاري فلا بد أن يكون الحارس تاجراً أو له خبرة في المجال التجاري، وإذا كان المال زراعي فلا بد أن يكون الحارس مزارعاً وهكذا. ويجب على القاضي الابتعاد عن تعيين أمين السر الذي يعمل لديه أو أحد موظفي المحكمة أو أحد أقاربه أو أصهاره إلى الدرجة الرابعة خروجاً من الشبهات حتى وإن توافر لدى أحدهم الخبرة في المجال المطلوب تعيين الحراسة عليه.
  3. ​أن لا يقل سن الحارس القضائي عن خمسة وعشرين عاماً.
  4. ​أن يقدم الحارس الضمان التجاري اللازم في حال طلب القاضي منه ذلك.
  5. ​أن يكون الحارس القضائي شخصاً آخر غير المدين أو المحضر أو أقاربهما. م(395، 396، 398) مرافعات.
  • ​ويثور التساؤل في هذا الجانب إذا لم يقبل أحد القيام بالحراسة فما هو الحل؟ وللإجابة على ذلك فإنه إذا لم يقبل أحد بالحراسة القضائية على الأموال والحقوق المنصوص عليها قانوناً، فعلى القاضي المختص اتخاذ التدابير اللازمة للمحافظة عليها على نفقة من تلزمه وفقاً للقانون. م 399 مرافعات.

سابعاً: واجبات الحارس القضائي:

​أوجب المشرع على الحارس القضائي عدة واجبات أهمها:

  1. ​يلتزم الحارس القضائي بالمحافظة على الأموال المعهود بها إليه وإدارتها إدارة حسنة، وأن يبذل في ذلك عناية الرجل المعتاد، وردها مع غلتها إن وجدت إلى من يحدده القاضي. م (395) مرافعات.
  2. ​لا يجوز للحارس القضائي أن يحل محله في أداء مهمته كلها أو بعضها أحد من ذوي الشأن إلا برضى الآخرين. م (959) مدني.
  3. ​لا يجوز للحارس القضائي أن يتصرف في عين الأموال المسلّمة إليه إلا برضى ذوي الشأن جميعاً، أو بأمر من القاضي المختص ما لم تكن الأموال من عروض التجارة التي يخشى تلفها. م (961) مدني و م (395) مرافعات.
  4. ​لا يجوز للحارس القضائي أن يستعمل الأشياء المحجوز عليها استعمالاً شخصياً أو يستغلها لصالحه أو يغيرها.
  5. ​يجب على الحارس التوقيع على محضر الحجز واستلام صورة منه. م (397) مرافعات.
  6. ​يجب أخذ إقرار كتابي على الحارس بقبوله للحراسة أو تحرير عقد بالحراسة.
  7. ​إذا قبل الحارس الحراسة وتسلم المال لزمه أن يمسك دفاتر حساب منتظمة، ويجوز للقاضي أن يلزمه بإمساك دفاتر موقع عليها من المحكمة لضمان انتظامها.
  8. ​التوقيع على محضر الجرد للأموال المحجوزة والاحتفاظ بأصله في ملف القضية لدى المحكمة، وتُسلّم صورة منه للحارس وذوي الشأن.
  9. ​لا يجوز للحارس القضائي على الأموال المحجوزة أن يطلب إعفاءه من الحراسة قبل عشرة أيام على الأقل من إتمام البيع. م (395) مرافعات.
  10. ​يلتزم الحارس بأن يقدم حساباً دورياً بما تسلمه وبما أنفقه معززاً بالمستندات المؤيد له، ويسلم كشف الحساب مع المستندات للمحكمة لإرفاقها في ملف القضية، وتُسلم صور من ذلك لذوي الشأن.
  11. ​إيداع المبالغ النقدية التي دخلت عليه أحد المصارف المعتمدة من الدولة، ويُودع المبالغ باسمه كحارس قضائي.
  12. ​عند انتهاء الحراسة يجب على الحارس القضائي المبادرة برد المال إلى من يحدده القاضي مع غلته (ريعه)، فإذا كان المال أرضاً زراعية مثلاً فإنه يرد الآلات والمعدات التي استلمها تبعاً للأرض، كما يجب أن يرد الثمار التي أنتجها الشيء أو الريع الذي جناه، وإذا كان موضوع الحراسة أسهماً أو سندات واستحقت أرباحاً أو فوائد عليها، فيجب على الحارس ردها مع الأرباح والفوائد، وإذا كان موضوع الحراسة حيواناً له نتاج وجب ردها مع النتاج وهكذا.

ثامناً: شروط قبول دعوى الحراسة القضائية:

​طلب الحراسة القضائية هو دعوى بحد ذاته، ويجب لقبول الدعوى توفر عدة شروط هي:

  1. وجود نزاع بشأن المال المطلوب حراسته: ويقصد بالنزاع ذلك الذي ينصب على المال منقول أو عقار أو حق، ويجب أن يكون جدياً وقائماً على أساس من الصحة.
  2. توافر حالة الاستعجال: فلا يكفي وجود نزاع وحده لفرض الحراسة، وإنما يجب أن يقترن بعنصر الاستعجال الذي يتمثل في ضرورة الحصول على الحماية القانونية من غير تباطيء أو تأخير، وتقوم حالة الاستعجال عادة في حالة وجود خطر داهم يصل إلى مرحلة لا يكفي في درئها إجراءات التقاضي العادية، ويهدد المال المطلوب الحراسة عليه.
  3. عدم تعرض القاضي لأصل الحق: وهذا لا يعني منع القاضي من فحص الموضوع وأصل الحق، ولكنه يجري هذا الفحص بحسب الظاهر ليتوصل إلى الحكم بالإجراء الوقتي المطلوب منه بالدعوى، فهو يتحسس من ظاهر المستندات المقدمة لا ليقضي في موضوعه كما يمس أصل الحق، وإنما لاتخاذ إجراء تحفظي مؤقت يصون به هذا المال تاركاً لذوي الشأن النزاع في الموضوع وأصل الحق.
  4. أن يكون لرافع الدعوى مصلحة في وضع هذا المال تحت الحراسة.
  5. قابلية المال الموضوع للحراسة أن يديره الغير.

​وتقدير توافر شروط الحراسة من عدمه مما تستقل به محكمة الموضوع، فتقدير توفر نزاع وخطر هي من المسائل الواقعية التي يستقل بها قاضي الموضوع.

تاسعاً: الحالات التي يجب فيها الحراسة القضائية:

​نصت المادة (394) من قانون المرافعات اليمني على أبرز حالات الحراسة، فقد جاء فيها على أن الحراسة القضائية تكون فيما يلي:

  1. ​على الأموال المحجوزة للتنفيذ.
  2. ​على أي عقار أو منقول أو حق قام في شأنه نزاع أو كان غير ثابت أثناء نظر الدعوى.
  3. ​على تركة المتوفى قبل قسمتها حتى استيفاء الديون منها.
  4. ​على أموال المدين الذي ثبت بحكم إعساره أو إفلاسه.

​كما نصت المادة (956) من القانون المدني اليمني على الحالات التي يجوز فيها فرض الحراسة القضائية على أموال الوقف، وعليه ومن خلال النصين المشار إليهما سابقاً سوف نوضح تلك الحالات بشيء من التفصيل، وذلك كما يلي:

1. الحراسة على الأموال المحجوزة للتنفيذ:

​الحجز التنفيذي لا يكون إلا بسند تنفيذي قابل لإجراءات التنفيذ الجبري، ولا يمكن مباشرة إجراءاته إلا بعد مقدمات التنفيذ ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. م (418) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني. وعليه: فالحجز التنفيذي إجراء من إجراءات التنفيذ الجبري ولا يكون إلا بسند تنفيذي، سواء كان ذلك السند حكماً قضائياً أو نحوه من السندات التنفيذية التي حددها قانون المرافعات والتنفيذ المدني علي سبيل الحصر في المادة (328). كما أن المشرع قد جعل الحراسة القضائية على الأموال المحجوزة حجزاً تنفيذياً من وسائل التنفيذ الجبري وإن كانت وسيلة غير مباشرة. م (394) مرافعات.

2. الحراسة على أموال التركة:

​يجوز فرض الحراسة القضائية على التركة إذا قام بشأنها نزاع أياً كانت صورته، ويستوي في ذلك قيام النزاع حول أموال عقارية أو نقدية أو غير ذلك من الحقوق والالتزامات المرتبطة بالتركة أو بالمورث، وأبرز الصور التي يجوز فيها فرض الحراسة على التركة:

  • ​إذا طلبها أي من دائني المتوفى قبل قسمة التركة وحتى استيفاء الدين منها، وقياساً على ذلك إذا كان ثمة نزاع بشأنها، أو دعوى الغير أن له وصية من المتوفى.
  • ​فرض الحراسة على تركة المتوفى إذا كان هناك نزاع بين الورثة بشأنها: كاستيلاء بعض الورثة على المتروك ورفضهم إجراء القسمة، أو تسليم بقية الورثة نصيبهم منه، أو في حالة النزاع بشأن بعض الأطراف هم الورثة والباقون ليسوا كذلك، أو حول الأنصبة المقررة لكل وارث أو قدر نصيب بعضهم، أو حول كون بعض عقارات أو منقولات التركة ليست للمورث بل ملكاً خالصاً لمن هي تحت يده من الورثة، أو حول إدارة أموال التركة وكيفية توزيع ريعها أو استئثار بعضهم به دون البعض الآخر.

3. الحراسة على أموال المدين المعسر:

​يجوز فرض الحراسة القضائية على أموال المدين الذي يثبت بحكم إعساره أو إفلاسه. م (394) مرافعات. وهذا النص قد جمع في الحكم بالنسبة للمدين بين التاجر وغير التاجر. ونظم القانون التجاري إفلاس التاجر غلّ يد التاجر المدين عن الإدارة أو التصرف في أمواله بمجرد الحكم بإشهار إفلاسه. مادة (612) تجاري، ومبيناً كيفية حفظ وإدارة وتصفية أمواله عن طريق نظام (التفليسة) التي يتولاها مدير التفليسة إلى غير ذلك من أحكام التفليسة التي تضمن للدائنين حقوقهم. المواد (570 - 640) تجاري. أما بالنسبة للمدين المعسر (غير التاجر): فيجوز لأي من دائنيه أن يستخدم حقه القانوني في طلب الحراسة القضائية على أمواله مطلقاً متى توفرت بالنسبة له شروط هذه الحراسة، ولا يمنع هذا من تدخل غيره من الدائنين في طلب الحراسة الذي تقدّم به، وعندئذٍ تتم القسمة بينهم بالمحاصة قياسياً على التصفية الجماعية بالنسبة للإفلاس التجاري.

4. الحراسة على أموال الوقف:

​جاء النص على الحالات التي تجوز فيها الحراسة القضائية على أموال الوقف في القانون المدني م (956). غير أن إيراد تلك الأحوال ليس على سبيل الحصر، بل إن ثمة حالات أخرى يجوز فيها فرض الحراسة على مال الوقف وفقاً للقواعد العامة للحراسة القضائية التي تقرر جواز فرضها على أي عقار أو منقول متى توافرت شروطها آنفة الذكر، ومن أبرز الأسباب التي يجوز فيها فرض الحراسة على أموال الوقف ما يلي:

  1. ​أن يتنازع المسؤولون عليه في ما بينهم، أو بينهم وبين من يدعي حق الولاية عليه.
  2. ​إذا رفعت دعوى لعزل المتولي (الناظر).
  3. ​إذا كان الوقف شاغراً لا ناظر له وقام نزاع بشأن من يتولاه.
  4. ​إذا كان الوقف مديناً، فتجوز الحراسة عليه لحين تمام الدين.
  5. ​إذا كان أحد المستحقين لغلة الوقف مديناً معسراً فتجوز الحراسة على حصته إن أمكن إفرازها مؤقتاً وإلا فعلى الوقف كله، ويشترط في الحالتين أن تكون الحراسة هي الوسيلة الوحيدة التي تحول دون ضياع حقوق الدائنين بسبب سوء إدارة المتولي أو غشه.

5. الحراسة على العقار المتنازع على ملكيته نزاعاً جدياً:

​تقرر المادة (1117) من القانون المدني أنه: (ليس لمدعي الملك أن ينزع يد الثابت على الشيء بدون رضاه إلا بحكم قضائي، وللمدعي أن يلجأ للقضاء، ويجوز للقاضي إن رأى ذلك للمصلحة أن يُعدل الشيء المتنازع عليه، بأن يأمر بتسليمه لعدل لحفظه لحين الفصل في دعوى الملك بحكم نافذ فيسلم الشيء لمن حُكم له). فقد أجاز هذا النص صراحة لمدعي ملكية العقار الذي يقع في حيازة آخر يدعي ملكيته أيضاً أن يطلب من القاضي وضع ذلك العقار تحت الحراسة، كما أجاز للقاضي أن يقضي بفرض الحراسة (إن رأى ذلك للمصلحة)، أي مصلحة طالب الحراسة. ومصلحة طالب الحراسة لا تتحقق إلا بتوفر شروط الحراسة والمتمثلة في:

  • ​أن يكون النزاع على ملكية العقار جدياً، فإذا لم يكن كذلك فلا يجوز نزع يد الحائز بدون رضاه، إلا بحكم قضائي فاصل في موضوع الملكية.
  • ​أن يكون ثمة استعجال يبرر فرض الحراسة، وذلك بأن يبدي طالب الحراسة من الأسباب المعقولة ما يخشى معه خطراً عاجلاً من بقاء العقار تحت يد حائزه.
  • ​أن يكون العقار المتنازع عليه مما يغل أو يقبل الاستغلال مادياً بالحالة التي هو عليها تحت يد حائزه كأن يكون العقار بناءً مؤجراً أو قابلاً للتأجير هو عليها أو أرضاً مزروعة حال النزاع، أو مهيأة للزراعة في الموسم، فإذا لم يكن العقار المتنازع على ملكيته كذلك، كأن يكون أرضاً فضاء أو هيكل بناء، فلا مصلحة ستعود على مدعي الملك من وضع العقار تحت الحراسة، إذ لا غلة مقبوضة سيستلمها من الحارس إذا حكم له بملكه. كما أنه لا ضرر عليه من بقائه بحيازة المدعى عليه.

6. الحراسة على المال الذي يعرضه المدين مقابل الوفاء بدينه:

​تنص المادة (406) من القانون المدني اليمني على أنه: (إذا كان الشيء المؤدى معيناً بالذات واجباً تسليمه في المكان الذي يوجد فيه، وأنذر المدين الدائن لاستلامه فإن لم يستجب جاز للمدين أن يطلب من القضاء الترخيص له في إيداعه في المكان المناسب الذي يعينه القاضي [العرض والإيداع]. وعليه إذا رفض الدائن عرض المدين، وكان المعروض شيئاً من غير النقود فلا يخلو:

  • ​إما أن يكون مما يمكن نقله كالمجوهرات والعروض يسيرة النقل فيطلب من القاضي الترخيص له في إيداعه في المكان المناسب الذي يعينه القاضي [العرض والإيداع].
  • ​وإما أن يكون مما أُعد للبقاء حيث وجد كالمباني وبعض المنقولات عسيرة النقل كالآلات البناء التي يتم تركيبها في مواقع الإنشاء وآلات تكسير الصخور وإنتاج الحصى (الكسارة)، فمثل هذه الأشياء يجوز للمدين الذي رفض عرضه أن يطلب من القاضي وضعه تحت الحراسة.

7. الحراسة على المنقول المثقل بحق امتياز:

​صرح القانون بأنه: (إذا خشي الدائن لأسباب معقولة تبديد المنقول المثقل بحق امتياز جاز له أن يطلب وضعه تحت الحراسة). م (378) مدني.

8. الحراسة على عقار أو منقول أو حق قام في شأنه نزاع أو كان غير ثابت أثناء نظر الدعوى:

​رغم أن المشرع قد نص على أبرز حالات الحراسة وأكثرها شيوعاً، إلا أنه لم يقتصر على ذلك بل قرر قاعدة عامة بهذا الخصوص مفادها: جواز الحراسة القضائية على (أي عقار أو منقول أو حق قام في شأنه نزاع أو كان غير ثابت أثناء نظر الدعوى). م (394) مرافعات. وهذه قاعدة عامة تدخل تحتها جميع أحوال الحراسة آنفة الذكر إذا توافرت شروطها، وكلما كان هناك نزاع يرى القاضي أن فرض الحراسة ضروري للمحافظة على حقوق ومصالح ذوي الشأن، فالمسألة هنا متعلقة بالسلطة التقديرية للقاضي.

ومن تلك المنازعات:

  • النزاع بين الشركاء بشأن المال الشائع: وذلك حول قدر نصيب أحدهم أو بعضهم أو بشأن إدارة المال، أو بشأن عدم سداد الدين الواقع عليه، أو حول قسمته، ما لم يكن كل من الشركاء على الشيوع عند القسمة، واضعاً يده على نصيبه بطريق المهايأة، فلا تجوز الحراسة في هذه الحالة؛ إذ لا خطر ولا ضرر يستوجب فرض الحراسة في هذه الصورة. هذا ولا يشترط أن تكون الحراسة على جميع المال الشائع بل يجوز فرضها على حصة واحدة أو أكثر من الشركاء على الشيوع، متى ما كان النزاع قائماً بشأن هذه الحصة فقط. ويكون الحارس هنا في علاقته مع باقي الشركاء في نفس الوضع الذي كان فيه مالك هذه الحصة، فله الاتفاق معهم على استغلالها أو بقسمة قسمة انتفاع، فإذا تعذر ذلك جاز طلب الحراسة على كل المال الشائع، ويجب في هذه الحالة اختصام جميع الشركاء.
  • النزاع بين الشركاء: كأن يستأثر بعض الشركاء في أي من شركات الأشخاص بإدارة الشركة أو بأرباحها، أو بشأن استمرارها، ونحو ذلك من صور المنازعات المتعلقة بشركات الأشخاص ما دام ثمة خطر عاجل من بقاء الحال على ما هو عليه. كما يجوز فرض الحراسة أيضاً على شركات المساهمة إلا أن النزاع الذي يقتضي حراسة هذا الصنف من الشركات غالباً ما يكون متعلقاً بمسائل الإدارة. فمثلاً لا يجوز فرض الحراسة على أي من هذه الشركات إذا كان النزاع بين المساهمين بشأن ملكية الأسهم؛ إذ لا خطر على إدارة الشركة من نزاع كهذا؛ فالذي يتولى الإدارة في هذه الشركات مجلس إدارة منتخب.
  • النزاع على الإدارة: بين أعضاء النقابات والجمعيات والمنتديات والأندية ونحوها من الهيئات التي أنشئت لأغراض عامة. فتجوز الحراسة عليها متى ثبت أن الغرض الذي أنشئت لأجله قد صار مُعرضاً للخطر.
  • النزاع بين البائع والمشتري بشأن بطلان البيع: فللبائع طلب فرض الحراسة على المبيع - منقولاً أو عقاراً - إذا كان له من الأسباب ما يخشى معها من بقاء المبيع تحت يد المشتري. كما يجوز للمشتري أيضاً طلب الحراسة القضائية إذا لم يقم البائع بتنفيذ التزامه بتسليم المبيع رغم استلامه كامل الثمن، إذا اقتضت ذلكالضرورة كالمحافظة على حقوقه طيلة النزاع القائم بينه وبين البائع بشأن صفة ونفاذ البيع.
  • النزاع بين الراهن والمرتهن بشأن استعمال أو إدارة المال المرهون: وجواز الحراسة في هذه الحالة يفهم من القاعدة العامة التي نحن بصددها، والتي قررها المقنن في م(2/394) مرافعات.
  • النزاع على عقار أو منقول يخشى على غلته من الضياع أو التلف إذا بقي المال في حيازة واضع اليد: فيجوز لذي المصلحة طلب وضع ذلك العقار أو المنقول تحت الحراسة.
  • النزاع بشأن سلامة إدارة المالك لأمواله: فإذا طلب الحجر على تصرفات شخص بدعوى عجزه عن إدارة أمواله لمرض عقلي أو لسفه ونحو ذلك، فيجوز فرض الحراسة على تلك الأموال إلى أن يتم الفصل في دعوى الحجر، إذا كان ثمة استعجال متمثل في خطر بقاء المال تحت حيازته، وفي فوات استغلال ذلك المال طوال فترة نظر دعوى الحجر. وجواز الحراسة في هذه الحالة يدخل ضمن القاعدة العامة للحراسة المقررة في القانون اليمني. م (2/394) مرافعات.
  • النزاع بشأن الحق المعنوي: لم يقصر المشرع جواز الحراسة على العقار والمنقول بل وعلى (الحق) أيضاً؛ بقوله: (كل عقار أو منقول أو حق قام في شأنه نزاع أو كان غير ثابت أثناء نظر الدعوى). م(2/394) مرافعات. والقول بجواز الحراسة على الحق المعنوي يشترط فيه أن يكون مما يمكن استغلاله مادياً.
  • الاستثناء من جواز فرض الحراسة على أي عقار أو منقول أو حق قام في شأنه نزاع أو كان غير ثابت أثناء نظر الدعوى: أجاز القانون للقضاء فرض الحراسة على أي عقار أو منقول أو حق قام في شأنه نزاع أو كان غير ثابت أثناء الدعوى. م(2/394) مرافعات. وهذا النص كما سبق يمثل قاعدة عامة تدخل تحتها جميع أحوال الحراسة آنفة الذكر وغيرها إذا توافرت شروطها، ومع ذلك فثمة استثناء على هذه القاعدة ينحصر في:
  • الأموال العامة للدولة وما في حكمها من مؤسسات وهيئات عامة تتولى تسيير مرفق من المرافق العامة، التي لا يجيز القانون إدارتها عن طريق الغير (أي بالتزام إدارة المرفق العام)، كمرفق الشرطة من المرافق التي لا يجيز القانون أن يعهد بإدارتها إلى الغير)، وخروج هذا المرفق من حكم النص أعلاه يفهم ضمناً من القانون؛ لأن القائمين عليها موظفون عموميون يؤدون وظيفة عامة، وبالتالي فمن الطبيعي عدم جواز فرض الحراسة عليها. والقول بخلاف ذلك يعني جعل الحارس القضائي موظفاً عاماً يعين بحكم قضائي، وهذا ما لم يقل به أحد، ومع ذلك يجوز وضع المال العام تحت الحراسة إذا كانت ملكية متنازعاً فيها ويدعيها أحد الأفراد وكانت صفته العامة (أي المتنازع عليه) متنازعاً فيها أيضاً، كأن يقوم تنازع جدي بشأن ملكية عقار تشغله الدولة أو إحدى مؤسساتها العامة - لزراعة القمح أو المانجو مثلاً، فهنا يجوز للقاضي أن يفرض الحراسة على تلك المزرعة، إذ أن الحارس هنا سيتولى إدارة المزرعة وهي ليست مرفقاً عاماً لا يقدم خدمة عامة للجمهور.
    • ​أما إذا كان المرفق العام مما يجوز أن يُعهد بتسييره لفرد أو شركة خاصة، فيجوز فرض الحراسة عليه، لأن الحارس هنا لا يحل محل الدولة بل محل ذلك الفرد أو تلك الشركة في إدارة المال المتنازع عليه إلى أن يثبت الحق فيه للدولة أو لمن ينازعها بحكم نافذ.
    • ​أما الأموال الخاصة للدولة فيجوز بالأولى خضوعها للحراسة القضائية إذا توافرت شروطها.

    سابعاً: انتهاء الحراسة القضائية:

    تنتهي الحراسة القضائية بإحدى الأمور التالية:

    • ​إذا اتفق ذوي الشأن جميعاً على إنهاء الحراسة القضائية.
    • ​صدور حكم يقضي بتسليم المال الخاضع للحراسة لأحد الأطراف.
    • ​انقضاء مدة الحراسة القضائية إذا كانت محددة بمدة.

author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent