تُعتبر "الحراسة القضائية" (Judicial Sequestration) من التدابير التحفظية المؤقتة والأشد خطورة التي يلجأ إليها القضاء لحماية الأموال والعقارات المتنازع عليها بين الخصوم (مثل التركات قبل القسمة أو أموال الشركات المتنازع على إدارتها)، وذلك من خطر الهلاك أو التبديد لحين الفصل في أصل الحق. ونظراً لخصوصية هذا النظام، فإن الطبيعة القانونية لنيابة الحارس تختلف تماماً عن العقود العادية كعقد الوكالة.
وفي هذا الصدد، أرست محكمة النقض المصرية مبدأً فقهياً راسخاً في الطعن رقم 6468 لسنة 72 ق (جلسة 15/ 4/ 2014م) فككت فيه مصدر نيابة الحارس ونطاق سلطاته وموجبات انتهائها. وفي هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل الطبيعة القانونية للحراسة القضائية، وحق الحارس في رفع دعوى رد الحيازة، وسندها في القانون المدني والتشريع اليمني.
أولاً: الطبيعة القانونية للحراسة (نيابة قانونية لا عقد وكالة)قانونية لا عقد وكالة)
أكد القضاء المستقر لـ محكمة النقض المصرية على تفريق جوهري وجذري بين الحراسة القضائية وعقد الوكالة؛ حيث تلخص مؤداه في النقاط التالية:
1. مصدر النيابة هو القضاء لا الاتفاق
الحراسة القضائية ليست بعقد وكالة؛ لأن القضاء والجهد القضائي الملزم—لا الاتفاق والتراضي بين ذوي الشأن—هو الذي يفرضها على المال المتنازع عليه لحمايته.
2. الحارس نائب بحكم القانون
بمجرد تعيين الحارس وبصدور الحكم القضائي، يُصبح نائباً بحكم القانون؛ وتثبت له هذه الصفة بقوة الحكم. وتُعد نيابته هذه نيابة قانونية من حيث المصدر الذي يحدد نطاقها وصلاحياتها، حيث ينوب عن صاحب الحق الحقيقي في المال (أياً كان من سيحكم له القضاء بالملكية نهائياً مستقبلاً).
ثانياً: سلطات الحارس القضائي ودعوى رد الحيازة
يمنح القانون والقضاء للحارس القضائي سلطات واسعة ومحددة تنحصر في "حفظ وإدارة" الأموال الموضوعة تحت حراسته، ويلتزم في المقابل بتقديم حساب دوري عن إدارتها وردها لصاحب الشأن عند انتهاء مأموريته.
- رفع دعوى رد الحيازة: انطلاقاً من التزام الحارس بـ "حفظ الأموال"، قضت محكمة النقض بأن دعوى رد الحيازة تُعد من بين أعمال الحفظ الجوهرية التي يجوز للحارس القضائي رفعها ومباشرتها نيابة عن صاحب الحق في المال الخاضع للحراسة إذا تعرضت العين للاعتداء أو السلب من الغير أو من أحد الخصوم.
ثالثاً: كيف تنتهي الحراسة القضائية؟
تستمر صفة الحارس ونيايته القانونية قائمة ونافذة بقوة القانون، ولا تزول عنه هذه الصفة إلا من خلال طريقين حصريين:
- اتفاق ذوي الشأن جميعاً: أن يجتمع كافة الخصوم وأطراف النزاع بلا استثناء على إنهاء الحراسة، وقد يكون هذا الاتفاق صريحاً (بوثيقة مكتوبة) أو ضمنياً (كتصرفهم الفعلي في المال وقسمته ودياً دون اعتراض).
- صدور حكم قضائي: صدور حكم موضوعي حاسم يفصل في أصل الحق ويقضي بإنهاء الحراسة وتسليم المال لمن حكم له بالملكية.
رابعاً: أحكام الحراسة القضائية في القانون المدني اليمني
يتطابق المشرع اليمني تماماً مع القواعد العامة وأحكام النقض المستهدفة، حيث نظم أحكام الحراسة في المواد من (1004) إلى (1018) من القانون المدني اليمني كالتالي:
1. السند القانوني لتعيين الحارس وسلطاته
- نصت المادة (1004) مدني يمني على تعريف الحراسة وتعيين الحارس بقرار وقضاء المحكمة عند عدم الاتفاق.
- وحددت المادة (1010) مدني يمني التزامات الحارس الحرفية بما يتطابق مع حكم النقض، حيث نصت على: (يلتزمُ الحارسُ بحفظِ المالِ المعهودِ إليهِ وبإدارتهِ...). وبناءً عليه، يملك الحارس في القضاء اليمني كامل الصفة القانونية لرفع دعاوى الحفظ (كدعوى منع التعرض، ودعوى رد الحيازة، ودعوى طرد الغاصب) لحماية العقار الخاضع للحراسة.
2. التزام تقديم الحساب والرد في التشريع اليمني
ألزمت المادة (1012) من القانون المدني اليمني الحارس القضائي بأن يقدم لجميع ذوي الشأن حساباً دورياً بما تسلمه وبما أنفقه في الإدارة، وأن تتضمن الدفاتر مستندات مؤيدة. كما ألزمته المادة (1015) مدني برد المال ومناقشة الحساب فور انتهاء الحراسة.
3. انتهاء الحراسة في القانون اليمني
تطابقت المادة (1014) مدني يمني مع حكم النقض تماماً في كيفية الانتهاء، حيث نصت على أن الحراسة تنتهي إما باتفاق ذوي الشأن جميعاً، أو بصدور حكم من القاضي بانتهاء مدتها أو الفصل في موضوع الخصومة.