recent
جديد المشاركات

الإمتناع عن معالجة المصابين في القانون اليمني

المسؤولية القانونية والجنائية عن الامتناع عن علاج المصابين بالأوبئة في القانون اليمني

تُشكل الأزمات الصحية والجوائح الوبائية (مثل جائحة كورونا أو الأوبئة الموسمية المعدية) اختباراً حقيقياً لمدى التزام المؤسسات الطبية والكوادر الصحية بواجباتها الإنسانية والمهنية الموكلة إليها [1.2]. ورغم المخاطر المحيطة بالطواقم الطبية أثناء التعامل مع الأمراض السارية، إلا أن القوانين النافذة في الجمهورية اليمنية وضعت خطوطاً حمراء صارمة تجرم "الامتناع عن تقديم العلاج أو الإسعاف للمصابين"، وتعتبره خطأً مهنياً وجريمة تعزيرية تستوجب العقاب وحق التعويض للمتضررين [1.1, 1.2].
في هذا المقال الشامل، سنحلل التكييف القانوني لجريمة الامتناع عن العلاج، والمسؤولية الجنائية والمدنية المترتبة عليها وفقاً للتشريع والقضاء اليمني [1.1, 1.2].

1. الواجب القانوني والأخلاقي لمهنة الطب في اليمن

تنطلق القوانين المنظمة للقطاع الصحي في اليمن من مبدأ شرعي ودستوري يقضي بحماية حق الإنسان في الحياة والتشافي؛ فالطبيب والمنشأة الطبية (سواء كانت مستشفى حكومياً أو خاصاً) لا يملكون حرية مطلقة في اختيار المرضى في حالات الطوارئ والأوبئة، بل يفرض عليهم القانون التزاماً وجوبياً بالإغاثة والطبابة [1.1, 1.2].
  • الالتزام في حالات الأوبئة والجوائح: عند انتشار وباء معدٍ ومصنف عالمياً ومحلياً كخطر عام (مثل كورونا)، تصبح المنشآت الطبية جبهة دفاع إلزامية. ولا يُقبل قانوناً ذريعة الخوف من العدوى للتهرب من استقبال المرضى، طالما أن الدولة أو المنشأة ملزمة بتوفير أدوات السلامة والوقاية المهنية للكادر الطبي [1.1, 1.2].

2. المسؤولية الجنائية عن الامتناع (قانون العقوبات وقانون الصحة)

يتكامل النظام القانوني اليمني في تجريم فعل الامتناع عن إسعاف وعلاج المصابين من خلال نصوص تشريعية حاسمة:

أولاً: جريمة الامتناع عن إغاثة ملهوف (قانون العقوبات):

يُصنف قانون الجرائم والعقوبات اليمني الامتناع عن تقديم المساعدة لشخص يواجه خطراً حتمياً كجريمة عمدية سلبية (جريمة امتناع)؛ فإذا وصل مريض كورونا إلى بوابة المستشفى يعاني من ضيق حاد في التنفس (حالة خطرة مهددة للحياة) ورفض الأطباء أو إدارة المستشفى إدخاله أو إسعافه بجرعة أكسجين دون مبرر شرعي قاهر، فإن هذا الفعل يشكل الجريمة المنصوص عليها في المادة (248) عقوبات يمني (الامتناع عن إغاثة ملهوف أو شخص في حالة خطر)، وتتضاعف العقوبة إذا ترتب على هذا الامتناع وفاة المريض أو تدهور صحته بشكل مستديم، لتصل إلى عقوبة التسبب في الموت الخطأ أو الإهمال الجسيم المفضي إلى الموت.

ثانياً: مخالفة قانون الصحة العامة وقانون مزاولة المهنة:

تحظر لوائح وزارة الصحة العامة والسكان وقانون مزاولة المهن الطبية والصيدلانية في اليمن على أي طبيب أو منشأة إغلاق الأبواب في وجه الحالات الطارئة والأوبئة العامة؛ ويترتب على المخالفة عقوبات مسلكية وإدارية حازمة تشمل:
  • سحب ترخيص مزاولة المهنة من الطبيب الممتنع.
  • إغلاق المنشأة الطبية الخاصة أو سحب رخصتها الاستثمارية وتغريمها مالياً.

3. المسؤولية المدنية والالتزام بالتعويض عن الضرر

بجانب الشق الجنائي والعقوبات السجنية، يفتح الامتناع عن العلاج باب "المسؤولية التقصيرية" والمطالبة بالتعويض المالي أمام المحاكم المدنية اليمنية [1.1].
  • تطبيق المادة (4) من القانون المدني: استناداً إلى القاعدة الشرعية والقانونية (الضرر يجب أن يزال)، فإن امتناع المستشفى عن استقبال المصاب بالوباء وإجباره على المغادرة مما أدى إلى تفاقم مرته أو وفاته، يُعد "خطأً تقصيرياً خطيراً" ألحق ضرراً فاحشاً ومباشراً بالمجني عليه وأسرته [1.1].
  • التعويض العادل (أرش الجراح أو الدية): يحق لأولياء دم المريض المتوفى أو المريض المتضرر رفع دعوى تعويض مدنية لمطالبة الطبيب الممتنع وإدارة المستشفى بالتضامن بدفع تعويضات مالية مغلظة جبرًا للأضرار المادية (مصاريف الانتقال لمستشفى آخر، فوات الكسب) والأضرار المعنوية والنفسية الناجمة عن هذا التصرف غير الإنساني.

4. الحالات الاستثنائية التي يعفى فيها الطبيب من المسؤولية

وضع الفقه والقضاء الطبي في اليمن توازناً دقيقاً؛ إذ يعفى الطبيب أو المستشفى من مسؤولية الامتناع في حالات حصرية قاهرة وثابتة علمياً، ومنها:
  1. استحالة التنفيذ (انعدام القدرة الاستيعابية): إذا ثبت يقيناً بالتقارير الرسمية أن غرف العناية المركزة وأجهزة التنفس الاصطناعي ممتلئة بالكامل ولا توجد مساحة مادية لاستقبال مريض آخر، هنا ينفسخ الالتزام للاستحالة، ولكن يلتزم المستشفى إجرائياً بتقديم الإسعاف الأولي المتاح وتسهيل نقله بسيارة إسعاف إلى منشأة أخرى.
  2. غياب التخصص أو التجهيز الوجوبي: إذا كانت العيادة أو المنشأة غير مخصصة نهائياً للأمراض الصدرية أو الأوبئة وتفتقر لأدنى أدوات العزل المعتمدة من وزارة الصحة، مما يجعل استقبال المريض خطراً ينشر الوباء لبقية المرضى؛ هنا يكون التوجيه الفوري والمساعدة في النقل هو الواجب البديل المعفي من عقوبة الامتناع.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent