بطلان تصرف القائم بأعمال رئيس النيابة في الجرائم الجزائية الجسيمة وفق القانون اليمني
يثار في التطبيق العملي أمام المحاكم الجزائية في الجمهورية اليمنية دفع شكلي من أدق وأخطر الدفوع المتعلقة بالنظام العام، وهو الدفع بعدم ولاية القائم بأعمال رئيس النيابة في التصرف في قضايا الجرائم الجسيمة. ففي كثير من الأحيان، يتولى قاضٍ أو عضو نيابة إدارة أعمال رئيس النيابة الشاغرة بصفة مؤقتة (قائم بالأعمال)، ويقوم بالتوقيع على قرار اتهام أو إحالة متهم في قضية جسيمة، مما يترتب عليه بطلان القرار بطلاناً مطلقاً لصدوره من غير ذي ولاية. [1]
في هذا المقال، سنفند التأصيل القانوني والشرعي لعدم ولاية القائم بالأعمال، مستندين إلى قانون الإجراءات الجزائية وتعليمات النائب العام اليمني المستقرة. [1]
1. التكييف القانوني لاختصاص التصرف في الجرائم الجسيمة
يقوم النظام القضائي اليمني على مبدأ "وحدة النيابة العامة وعدم تجزئتها"، حيث يعتبر النائب العام هو صاحب الاختصاص الأصيل والوحيد في تحريك الدعوى الجزائية والتصرف فيها بالجمهورية كافة. وبناءً على ذلك، فإن اختصاص بقية أعضاء النيابة هو اختصاص استثنائي قائم على "التفويض". [1]
وقد حسمت المادة (217) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني هذا الأمر بنصها الصريح:
«...ولا يثبت لهم سلطة التصرف بالنسبة للجرائم الجسيمة إلا وفقاً للسلطة التي يخولها النائب العام لأعضاء النيابة العامة على مختلف درجاتهم بقرار يصدره بهذا الصدد». [1]
ومن هذا النص يتضح أن المشرع اشترط تفويضاً اسمياً خاصاً وبقرار مكتوب صادر من النائب العام ليتمكن عضو النيابة من التصرف في الجرائم الجسيمة. [1]
2. موقف تعليمات النائب العام من "القائم بالأعمال"
استناداً إلى الصلاحيات المخولة للنائب العام في تنظيم سير العمل بالنيابات، صدرت التعليمات العامة للنيابة العامة والكتاب الدوري للنائب العام، لتنظيم حدود هذا التفويض: [1, 2]
- التفويض صفة شخصية وليست وظيفية مجردة: عندما يصدر النائب العام قراراً بتفويض رؤساء النيابة بالتصرف في الجرائم الجسيمة، فإن هذا التفويض يلتصق بصفة رئيس النيابة المعين أصالةً بقرار جمهوري أو قرار من مجلس القضاء والنائب العام، لما يتمتع به من أقدمية ودرجة قضائية رفيعة (درجة قاضي استئناف) تتناسب مع خطورة الجرائم الجسيمة (كالقتل العمد والحدود).
- انعدام تفويض القائم بالأعمال: إن "القائم بأعمال رئيس النيابة" (الذي غالباً ما يكون وكيل نيابة ابتدائية أو عضو نيابة تم تكليفه لتسيير الأمور الإدارية للمكتب مؤقتاً) لا تشمله قرارات التفويض الصادرة من النائب العام للتصرف في الجرائم الجسيمة. بالتالي، تظل سلطته مقتصرة على الإدارة وتحقيق القضايا دون امتلاك سلطة "التصرف الفعلي" بالإحالة أو الحفظ. [1, 2, 3, 4]
3. الأثر القانوني المترتب على تصرف القائم بالأعمال
إذا باشر القائم بأعمال رئيس النيابة التصرف في جريمة جسيمة وأصدر فيها قرار اتهام، فإن هذا الإجراء يواجه الآثار القضائية التالية:
- البطلان المطلق والمتعلق بالنظام العام: تكيّف المحكمة العليا اليمنية هذا التصرف بأنه "انعدام للولاية"، والقرار الصادر من غير ذي ولاية هو والعدم سواء، ولا ينتج أي أثر قانوني.
- وجوب إثارة الدفع في أي مرحلة: يجوز للمحامي والدفاع إثارة هذا الدفع الشكلي أمام محكمة الموضوع الابتدائية، أو الاستئنافية، بل وحتى أمام المحكمة العليا لأول مرة؛ نظراً لتعلقه بالنظام العام وحيدة الإجراءات.
- إعادة القضية للنائب العام: يتوجب على المحكمة عند قبول هذا الدفع، الحكم ببطلان قرار الاتهام وقرار الإحالة، وإعادة ملف القضية بأكمله إلى مكتب النائب العام أو رئيس النيابة المختص المعين أصيلاً لإعادة التصرف فيه بطريقة قانونية صحيحة. [, 2]
خلاصة واستنتاج للمحامين
إن التدقيق في تشكيل الهيئة القضائية التي وقعت على وثائق الاتهام في القضايا الجنائية الجسيمة يعد خط الدفاع الأول للمحامي الحذق. إن حظر التصرف على القائم بأعمال رئيس النيابة ليس مجرد تزيّد إجرائي، بل هو سياج منيع وضعه المشرع والنائب العام اليمني لضمان ألا تُساق دماء الناس وحرياتهم في الجرائم الكبرى إلا عبر قيادات قضائية عليا ومفوضة بأعلى درجات التمحيص والمسؤولية القضائية. [1, 2].