recent
جديد المشاركات

حق المراة اليمنية في النكد والسعاية في تكوين مال الاسرة

حق المرأة اليمنية في الكد والسعاية وتكوين مال الأسرة: رؤية شرعية وقانونية

تشارك المرأة اليمنيّة—سواء كانت عاملة في وظيفة حكومية وخاصة، أو مزارعة في الريف، أو رائدة أعمال من المنزل—بشكل محوري في بناء الاقتصاد الأسري وتنمية ثروة زوجها. وفي كثير من الأحيان، تضع المرأة راتبها الشهري، أو مدخراتها من الذهب، أو جهدها البدني اليومي في تشييد عقار، أو تأسيس متجر، أو شراء أرض تُسجل في نهاية المطاف باسم الزوج "عرفاً".
وعند حدوث الطلاق أو الوفاة، تواجه المرأة معضلة كبرى تتمثل في تجريدها من هذا الجهد واعتباره مجرد "تبرع تبرعي"، مما يحرمها من ثمرة كفاحها. وهنا يبرز المفهوم الفقهي والقانوني المتقدم المعروف بـ "حق الكد والسعاية" لإنصاف المرأة وإعطائها حقها بقوة الشرع والقانون.

1. التأصيل الشرعي لحق الكد والسعاية (فقه أم البنين)

يعود أصل هذا الحق تاريخياً إلى قضاء الخليفة الراشد عمر بن الخطاب—رضي الله عنه—في واقعة الصحابية "حبيبة بنت زريق" (المعروفة بـأم البنين)، والتي كانت خياطة ومطرزة، وكان زوجها "عمرو بن الحارث" يتاجر بمالها وجهدها حتى كسبا ثروة كبرى. وعندما توفي الزوج، استولى أولياؤه على المال لاعتباره تركة، فتحاكمت إلى عمر بن الخطاب.
  • قضاء عمر بن الخطاب: قضى عمر بن الخطاب بقسمة الثروة إلى نصفين كاملين؛ فأعطى الزوجة نصف الثروة بناءً على جهدها وكدها وسعايتها في تكوين مال الأسرة، ثم أخذ النصف الآخر واعتبره "تركة الزوج" وقسمه بين الورثة، ونالت الزوجة نصيبها الشرعي فيه أيضاً (الثمن).
  • القاعدة الفقهية المستنبطة: استقرت المذاهب الفقهية وبخاصة فقه النوازل على قاعدة: "الجهد البشري والمساهمة المالية في مال الزوج لا تسقط بالتقادم ولا تعتبر تبرعاً إلا بدليل صريح"، وللمرأة الحق في استرداد عرق جبينها.

2. كيف يحمي القانون اليمني حق المرأة في تكوين مال الأسرة؟

على الرغم من خلو قانون الأحوال الشخصية اليمني من قانون خاص ومستقل يحمل مسمى "الكد والسعاية"، إلا أن القانون المدني اليمني رقم (14) لسنة 2002م يوفر الترسانة القانونية الكاملة للقضاة والمحامين لانتزاع هذا الحق عبر عدة مسارات:

أولاً: قاعدة الإثراء بلا سبب (المادة 150 مدني)

إذا ساهمت المرأة بمالها أو عرقها في بناء بيت الزوجية أو تنمية تجارة الزوج دون أن يقابل ذلك أجر أو شراكة رسمية، فإن الزوج يكون قد أثرى ماليّاً على حساب جهد زوجته. ويحق للمرأة رفع دعوى تسمى "دعوى استرداد قيمة الإثراء بلا سبب" لإلزام الزوج (أو ورثته) برد قيمة مساهمتها الفعلية مقدرة بسعر السوق الحالي.

ثانياً: إثبات "الشركة الفعلية" أو الواقعية

إذا كانت المرأة تعمل مع زوجها في متجر، أو مصنع، أو مزرعة، ولم يحرر الزوج لها عقد شراكة رسمي (سجل تجاري)؛ فإن القانون اليمني يتيح للمرأة إثبات هذه الشراكة بكافة طرق الإثبات (كشهادة الشهود، الحوالات البنكية، أو الفواتير) عملاً بقواعد الإثبات المدني، وتكيف المحكمة العلاقة كـ "شركة واقع" تقتسم فيها الأرباح والأصول بحسب نسبة الجهد والمال المكتشف.

ثالثاً: استقلال الذمة المالية للزوجة

يؤكد القانون اليمني على الاستقلال التام للذمة المالية للمرأة. فما تكتسبه المرأة من وظيفتها أو إرثها هو ملك خالص لها، وإنفاقها على بيتها وأولادها يقع في دائرة "القرض" أو "المساهمة المشروطة بالملكية" ما لم يثبت الزوج أنها أنفقته على سبيل الهبة والتبرع الصريح، وهو أمر تصعب برهنته قانوناً لافتراض أن الأصل هو الحفاظ على المال لا تضييعه.

3. نصائح وإجراءات قانونية لحماية حق السعاية

لتفادي النزاعات الأسرية الطويلة وضمان عدم ضياع الحقوق عند الطلاق أو الوفاة، يوصي رجال القانون بالخطوات الوقائية التالية:
  1. التوثيق المكتوب (شرط الأمان المعاصر): عند قيام الزوجة بالمساهمة في شراء أرض أو بناء دور فوق منزل الزوج، يجب تحرير "سند اتفاق" أو "إقرار خطي" من الزوج يوضح فيه حجم مساهمة الزوجة (مثال: ساهمت بمبلغ كذا أو بعدد كذا جرامات ذهب)، ويُعمد هذا السند رسمياً.
  2. شراء الأسهم أو الحصص الشائعة: الأفضل قانوناً عند شراء العقار العائلي المشترك أن يتم تسجيل وثيقة الملكية (البصيرة) باسم الزوجين معاً، وتحديد نسبة ملكية كل طرف (كأن يسجل ربع العقار أو نصفه باسم الزوجة مباشرة).
  3. الاحتفاظ بأدلة السداد: الاحتفاظ بالحوالات البنكية، وفواتير شراء مواد البناء، أو عقود بيع الذهب الشخصي للزوجة، لأن هذه الأوراق تمثل "محل الإثبات" القاطع أمام المحكمة في حال إنكار الورثة أو الزوج لحقها.

خلاصة

إن حق الكد والسعاية للمرأة اليمنيّة هو إنصاف شرعي وقانوني يمنع استغلال عرق النساء تحت ستار العادات والتقاليد المغلوطة. إن مساهمة المرأة في تكوين مال الأسرة ليس تفضلاً مجرداً يبيح للآخرين مصادرته، بل هو حق مالي أصيل تثبته القواعد العامة للعدالة والإنصاف في القانون اليمني، ليبقى ميزان الحق حامياً لكل ذي حق في ظل سيادة القانون والشريعة الغراء.

📌 الهوامش والمراجع القانونية للمقال:

  • [1] القانون المدني اليمني رقم (14) لسنة 2002م:
    • المادة (150): نصت على قاعدة الإثراء بلا سبب، وتُلزم كل من نال كسباً من عمل غيره أو ماله دون مسوغ قانوني تعويضه بما يعادل ذلك الجهد.
    • المادة (51 وما يليها): نظمت أحكام الشركة الفعلية والواقعية وأثر المساهمة المادية والبدنية الشائعة بين الأفراد.
  • [2] قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم (20) لسنة 1992م وتعديلاته:
    • المواد (41، 56): رسخت مبدأ استقلال الذمة المالية للمرأة، وحظرت على الزوج أو الولي الولاية على أموالها أو إجبارها على التبرع بجهدها أو كسبها.
  • [3] فقه النوازل والقواعد الكلية في الشريعة الإسلامية:
    • قضاء الخليفة عمر بن الخطاب: في نازلة الصحابية حبيبة بنت زريق ضد ورثة زوجها (عمرو بن الحارث)، وقضائه لها بنصف الثروة المكتسبة سعايةً قبل تقسيم الميراث.
    • فتوى الفقيه ابن عرضون المالكي: (القرن العاشر الهجري) في تأصيل "حق الكد والسعاية" للمرأة المساهمة في تنمية أموال الأسرة.
  • [4] القرارات والمبادئ الفقهية المعاصرة:
    • وثيقة الأزهر الشريف (مصر 2022م): قرار شيخ الأزهر الداعي لتقنين "حق الكد والسعاية" لحماية أموال المرأة العاملة والمساهمة في بناء ثروة الزوج.
    • مدونة الأسرة المغربية: المادة (49) التي قننت حق الكد والسعاية وأجازت للمحكمة الاعتماد على القواعد العامة للإثبات لتقدير نصيب المرأة عند غياب الاتفاق المكتوب.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  • Adham Ibraheem photo
    Adham Ibraheem26 أبريل 2020 في 8:41 ص

    ** هل تعاني من ضائقة مالية؟
    ** هل تبحث عن أموال لتسديد القروض والديون؟
    ** هل تبحث عن تمويل لاقامة مشروعك الخاص؟
    ** هل أنت بحاجة إلى قروض خاصة أو تجارية لأغراض مختلفة؟
    ** هل تسعى للحصول على قروض لتنفيذ مشاريع كبيرة؟
    نص / اتصال / تطبيق Whats: +1 (703) 828 9082
    الاتصال: calvertguaranteefinancial@yahoo.com
    https://calvertguaranteefi.wixsite.com/nancials/contact

    حذف التعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent