recent
جديد المشاركات

المركز القانوني للمرسل إليه في عقد النقل البحري في اليمن

​تعد القاعدة العامة في القانون المدني "أن العقد شريعة المتعاقدين"، فإذا استوفى العقد أركانه وشروط صحته، انصرفت آثاره إلى طرفيه دون امتدادها إلى الغير. 
وبناءً على ذلك، فإن القوة الملزمة للعقد تقتصر على عاقديه، بحيث يظل الغير بمأمن من الآثار المباشرة للعقد (نفعاً أو ضرراً)، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. وتأسيساً على هذا المفهوم العام، يُعد المرسل إليه في عقد النقل البحري "من الغير" كونه ليس طرفاً أصيلاً في العقد.

موقف القوانين والاتفاقيات البحرية والمرسل إليه:

​إلا أن القوانين والاتفاقيات البحرية قد تجاوزت هذا المفهوم الضيق، معترفةً للمرسل إليه بحقوق، وملقيةً على عاتقه التزامات ناشئة عن تنفيذ ذلك العقد. ولا ننكر أن هذه المسألة لا تزال محل جدل فقهي؛ إذ يرفض كثير من الفقهاء فكرة انصراف آثار العقد للغير وترتيب حقوق والتزامات في مواجهتهم كقاعدة عامة. ومن وجهة نظرنا، فإن التمسك الجامد بمبدأ "نسبية آثار العقود" لا يتوافق مع التطور الاقتصادي المعاصر الذي جعل العالم قريةً اقتصاديةً واحدةً، مما يجعل المرسل إليه شريكاً واقعياً في هذه العملية، لا مجرد شخص أجنبي عنها.

علاقة المرسل إليه في العقد النقل البحري

​إن علاقة المرسل إليه هي علاقة مركبة تتداخل فيها أطراف عديدة (أمين السفينة، أمين الحمولة، مقاول الشحن والتفريغ)، وهو ما يفرض فهماً جديداً لهذه العلاقة في ظل العمليات التجارية العملاقة. ومع ذلك، فإن "نفاذ العقد" يلزم الغير باحترام الحقوق الناشئة عن عقود الآخرين، وهو ما يبرز بوضوح عند تنفيذ الاتفاق البحري.

​وقد أدرك رجال القانون البحري أهمية هذه العلاقة، فطوروا "سند الشحن" ليصبح أداة تتجاوز كونه إثباتاً للعقد؛ إذ أصبح سنداً يمثل البضاعة المشحونة، يتداول بتداولها، ويمثل تسليمه تسليماً للبضاعة ذاتها. ولـسند الشحن وجهان: وجه عيني (يمثل البضاعة)، ووجه شخصي (يمنح حامله الحق في المطالبة باستلامها). ومن هنا استقر الفقه والقضاء مؤخراً على اعتبار المرسل إليه طرفاً ذا شأن في عقد النقل البحري.

إلتزام الناقل في مواجهة المرسل إليه

​وفي الواقع العملي، يظل للمرسل إليه حق استلام البضاعة بصفته صاحب مصلحة ضمن "المجموعة العقدية" التي تضم عقد البيع البحري وعقد النقل البحري، حيث تتيح قوة النفاذ داخل هذه المجموعة لكل عضو أن يطالب الآخر بتنفيذ الالتزامات التي تشكل حقاً خاصاً ومستقلاً له. فالتزام الناقل الأساسي هو تسليم البضاعة للمرسل إليه، وهو الهدف الجوهري والعلة من وجود النقل.

​وعلى صعيد الاتفاقيات الدولية، نجد أن "اتفاقية هامبورغ" قد حسمت هذا الأمر في المادة (4/2)، حيث اعتبرت البضائع في عهدة الناقل من وقت تلقيها من الشاحن حتى وقت تسليمها للمرسل إليه، سواء تم التسليم بوضع البضاعة تحت يده، أو تحت تصرفه وفقاً للعقد والعادات التجارية، أو بتسليمها إلى السلطات المختصة في ميناء التفريغ.

موقف القانون اليمني 

وفي السياق اليمني، تبنى المشرع في القانون البحرية رقم (15) لسنة 1994م نهجاً يتناغم مع هذه الاتجاهات الحديثة؛ إذ نصت المادة (205) على أنه: "إذا كان النقل مشروطاً بتسليمه إلى شخص معين، فلا يجوز للناقل أن يسلم البضاعة لغيره إلا بموافقة الشاحن أو المرسل إليه"، وهو ما يقرر للمرسل إليه حقاً أصيلاً. كما أكدت المادة (215) أن: "يعد سند الشحن حجة فيما بين الناقل والشاحن وفيما بين الناقل والمرسل إليه"، بينما قررت المادة (217) حق حامل السند الشرعي في المطالبة بالبضاعة. إن هذه النصوص، إلى جانب التزامات الناقل بالسلامة والتسليم المنصوص عليها في المادة (227)، تؤكد أن المشرع اليمني قد منح المرسل إليه صفة قانونية ومصلحة مباشرة تخوله مقاضاة الناقل، معتبراً إياه جزءاً لا يتجزأ من العملية العقدية.

​وعلى الصعيد الدولي، حسمت "اتفاقية هامبورغ" هذا الأمر في المادة (4/2)، باعتبار البضائع في عهدة الناقل من وقت تلقيها من الشاحن حتى تسليمها للمرسل إليه، سواء تم التسليم بوضع البضاعة تحت يده، أو تحت تصرفه وفقاً للعقد والعادات التجارية، أو بتسليمها للسلطات المختصة.

الخلاصة:

على الرغم من اعتبار المرسل إليه "من الغير" نظرياً، إلا أن حقه أصبح مصوناً بموجب القواعد البحرية الوطنية والدولية، التي تكسبه حقاً ثابتاً في مواجهة أطراف عقد النقل، مما يجعله ركناً أساسياً في العملية العقدية البحرية الحديث.

بقلم القاضي: فهيم الحضرمي – عدن، اليمن

author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent