recent
جديد المشاركات

حق المرأة في الميراث في الشريعة الإسلامية والقانون اليمني

يعتبر حق المرأة في الميراث من أسمى المبادئ التي قررتها الشريعة الإسلامية كضمانة لتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية حقوق الفئات الأكثر عرضة للظلم. ورغم وضوح النصوص الشرعية والقانونية، إلا أن الواقع العملي في بعض المجتمعات يشهد ممارسات مجحفة تُحرم فيها المرأة من نصيبها الشرعي نتيجة العادات والتقاليد المغلوطة، مما يجعلها الطرف الأضعف في منظومة التركات.

في هذا المقال، نسلط الضوء بشكل مؤصل وعميق على التأصيل الفقهي لميراث المرأة، ونفند الشبهات المثارة حوله، مع استعراض موقف المشرع اليمني وتجريمه لظاهرة حرمان النساء من الإرث.


التأصيل الشرعي لميراث المرأة في الإسلام

قبل الإسلام، كانت المرأة مهضومة الحقوق في الميراث، حيث كان الإرث حكراً على الرجال القادرين على حمل السلاح وخوض الحروب تحت قاعدة: "لا يرثنا إلا من يحمل السيف ويذود عن الحِمى". وجاء الإسلام ليفجر ثورة تشريعية تقرر للمرأة ذمة مالية مستقلة وأهليّة إرثية كاملة.

لقد تولى الله سبحانه وتعالى قسمة الميراث بنفسه في آيات محكمات لا تقبل التأويل، حيث يقول عز وجل:

{لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} [النساء: 7].
كلمة "مفروضاً" هنا تؤكد أن الإرث فريضة ربانية وحق إلهي لازم، وليس منحة أو تفضلاً من الرجال.


فلسفة توزيع الميراث

يستغل البعض قاعدة {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} للادعاء بأن الإسلام ظلم المرأة أو انتقص من قيمتها. وهذا الفهم سطحي ومغلوط، فالقرآن الكريم لم يجعل "الذكورة والأنوثة" معياراً للتفاضل في الإرث، وإنما بنيت الفلسفة الإرثية على معايير موضوعية دقيقة:

العبء المالي والالتزامات الاقتصادية

في الحالات التي تأخذ فيها المرأة نصف الرجل، يكون ذلك بسبب التكليف المالي؛ فالرجل مكلف شرعاً بدفع المهر، وتوفير المسكن، والإنفاق الكامل على الزوجة، والأولاد، والأقارب عند الحاجة. بالمقابل، فإن المرأة تحتفظ بميراثها كاملاً كذمة مالية مستقلة وخاصة بها، ولا تُجبر على إنفاق قرش واحد منه على بيتها أو زوجها.

درجة القرابة من المتوفى

كلما اقتربت الصلة بالمتوفى، زاد النصيب في الميراث دون النظر للجنس. فالابن والبنت يرثان أكثر من الأب والأم، والجيل المستقبل (الأبناء) يرث أكثر من الجيل المستدبر (الآباء).

حالات ترث فيها المرأة مثل الرجل أو أكثر منه

الاستقراء الدقيق لحالات الميراث يكشف عن حقيقة تغيب عن الكثيرين:

  • هناك 4 حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل.
  • هناك أكثر من 30 حالة ترث فيها المرأة مثل الرجل تماماً، أو ترث أكثر منه، أو ترث هي ويُحجب الرجل بالكامل.

مثال ذلك: الأخوة لأم يرثون بالتساوي دون تفرقة بين ذكر وأنثى لقوله تعالى: {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}.


حظر وحرمان المرأة من الميراث

تتعرض المرأة في بعض البيئات القبلية والريفية لضغط مجتمعي شديد لإجبارها على التنازل عن حقها، وتتعدد الحيل والذرائع ومنها:

  • ذريعة خروج المال للغرباء: خشية انتقال أموال وعقارات الأسرة إلى عائلة زوج المرأة.
  • الترضية الصورية (الوهب الإجباري): إعطاء المرأة مبلغاً زهيداً أو هدايا عينية مقابل تنازلها عن حصتها في العقارات والأراضي.

هذه السلوكيات تمثل خطورة بالغة؛ فهي تؤدي إلى إضعاف المرأة اقتصادياً وجعلها تابعة ومعوزة، فضلاً عن نشر الأحقاد وقطع الأرحام داخل الأسرة الواحدة، وهو ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (من قطع ميراث وارثه، قطع الله ميراثه من الجنة).


حق المرأة في الميراث في القانون اليمني

انسجاماً مع أحكام الشريعة الإسلامية، أولى المشرع اليمني مسألة الميراث أهمية قصوى وحماها بنصوص قانونية صارمة لمنع التلاعب بحقوق النساء، باعتبارهن الطرف الأضعف في النزاعات العائلية.

أحكام التركات في قانون الأحوال الشخصية

أفرد قانون الأحوال الشخصية اليمني كتاباً كاملاً لأحكام الميراث والتركات، مستمداً أحكامه من الفقه الإسلامي. وأكد القانون على أن التركة حق قهري يثبت بمجرد وفاة المورث، ولا يجوز لأي وارث الاستيلاء على التركة أو منع الآخرين من نصيبهم.

تجريم الحرمان من الميراث في القانون اليمني

لا يقتصر القانون اليمني على تحديد الأنصبة فحسب، بل يمنح المرأة الحق الكامل في اللجوء إلى القضاء ورفع **دعوى فرز وتجنيب** لحصتها الشائعة من التركة. ويعتبر القانون أي حيل أو مستندات مزورة لحرمان المرأة من الإرث بمثابة جرائم يعاقب عليها القانون (كالنصب والاحتيال وتزوير المحررات) لضمان حماية المرأة وزجر المخالفين.

علامات مضيئة: مبادئ المحكمة العليا اليمنية لنصرة المرأة الوارثة

تزخر مدونات المبادئ القضائية المستقرة الصادرة عن المكتب الفني للمحكمة العليا في اليمن بأحكام تاريخية تصدت بحزم للأعراف القبلية التي تهضم حقوق النساء في التركات. ومن أبرز هذه القواعد التي توجب المحكمة العليا على المحاكم الأدنى تطبيقها:

إبطال "الوقف الذري" الذي يحرم الإناث

عمدت بعض الأعراف إلى وقف الأراضي والعقارات على الأبناء الذكور والنسل المتعصب بالذكورة لمنع انتقال المال إلى أصهار العائلة عبر الإناث. وقد حسمت المحكمة العليا هذا النزاع بإقرار مبدأ صارم يقضي بأن: "أي وقف ذري يشترط حرمان الإناث هو شرط باطل شرعاً وقانوناً، ويكون استحقاق الذكر والأنثى فيه على السواء لمخالفته مقاصد الشريعة".

عدم الاعتداد بالتنازل المبني على الإكراه أو الحياء

يستغل بعض الورثة حياء المرأة أو ضغطها الأسري لتوقيع وثائق تنازل ("مخارجة" أو "رضا") مقابل مبالغ تافهة. وفي هذا الصدد قررت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا أن: "بصمة المرأة أو توقيعها بالتنازل عن أعيان التركة لا يعد دليلاً قطعياً على الرضا الخالص إذا ثبت وقوعها تحت تأثير الحياء أو الإكراه المعنوي المجتمعي، وللمرأة كامل الحق في الطعن وإعادة القسمة عيناً".

بطلان حيل المورث في حياته لحرمان الإناث

قضت مبادئ المحكمة العليا بأن "كل تصرف يجريه المورث في حياته (كالبيع الصوري أو الهبة المقنعة) ويثبت أن القصد منه حرمان الوارث -وبالأخص الإناث- يؤول إلى البطلان المطلق"، وتُعاد الأعيان إلى دفة التركة لفرزها من جديد.


خلاصة وتوصيات لحماية المرأة الوارثة

إن حماية حق المرأة في الميراث ليست مجرد ترف قانوني، بل هي التزام شرعي وضرورة مجتمعية لتمكين المرأة وصون كرامتها. ولحد من ظاهرة حرمان النساء، نوصي بالآتي:

  • التوعية القضائية والقانونية: تشجيع النساء على عدم التنازل عن حقوقهن ومعرفة الإجراءات القانونية للمطالبة بها.
  • السرعة في تصفية التركات: حث الورثة على قسمة التركات فور وفاة المورث تجنباً لتماطل الأقارب وضياع الحقوق بمرور الزمن.
  • دور الخطباء والمصلحين: تفعيل الدور الديني في محاربة العادات الجاهلية التي تحرم المرأة من الإرث تحت مسميات قبلية.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent