يعتبر موضوع تولي المرأة منصب القضاء من أكثر القضايا الفقهية والسياسية إثارة للجدل في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي. وتكمن أهمية هذا البحث في محاولة الموازنة بين النصوص الشرعية الظاهرة، وبين تغيرات العصر والواقع القانوني الحديث الذي أصبحت فيه المرأة جزءاً لا يتجزأ من المنظومة القضائية والسياسية.
في هذا المقال، نستعرض بالتفصيل وبشكل مؤصل الآراء الفقهية المتعددة، وأدلة كل فريق، والردود المناقشة لها، وصولاً إلى موقف النظام التشريعي في اليمن والواقع العملي المعاصر.
المفهوم والتقسيم الفقهي للولاية
يعرّف الفقهاء الولاية بأنها: "تنفيذ القول على الغير شاء أم أبى". وتنقسم الولاية في الشريعة الإسلامية إلى قسمين رئيسيين:
- الولاية العامة (العظمى): وهي الصلاحية المطلقة لإدارة شؤون الأمة وتصريف أمورها، وتتمثل في الخلافة أو رئاسة الدولة.
- الولاية الخاصة (دون العظمى): وهي صلاحية محدودة النطاق، تُمنح لشخص للقيام بمهمة محددة أو في قطاع معين (مثل الحسبة، أو جباية الأموال، أو إدارة شؤون تخصصية).
طبيعة ولاية القضاء في الفقه
اتفق الفقهاء على أن القضاء يندرج تحت مفهوم "الولاية"، إلا أنهم اختلفوا في تكييفه:
- الفريق الأول: يرى أن القضاء ولاية عامة نظراً لخطورة الفصل في الدماء والأعراض والأموال.
- الفريق الثاني: يرى أنه ولاية خاصة دون الولاية العظمى، لأنه مستمد من سلطة ولي الأمر وليس سلطة أصلية مستقلة.
- الفريق الثالث (نظرية تجزئة الولاية): يرى أن الولاية القضائية تتنوع وتتجزأ بحسب المكان، أو الزمان، أو نوع الخصومة.
الاتجاهات الفقهية في حكم تولي المرأة للقضاء
تباينت مواقف المدارس الفقهية قديماً وحديثاً حول هذه المسألة، ويمكن تصنيفها إلى أربعة اتجاهات رئيسية:
اتجاه المنع المطلق
يرى جمهور الفقهاء من الحنابلة، والشيعة، وأكثر الشافعية والمالكية، أنه لا يجوز للمرأة تولي القضاء مطلقاً، وإذا وُليت يعتبر عقد توليتها باطلاً وأحكامها غير نافذة.
اتجاه الجواز المقيد
ذهب أكثر الأحناف، وبعض الشافعية والمالكية، إلى جواز تولي المرأة القضاء في أموال الناس ومعاملاتهم، ومنعها من القضاء في مسائل الحدود والقصاص. واستندوا في ذلك إلى أن المرأة تقبل شهادتها في الأموال دون الحدود، والقضاء يتبع الشهادة.
اتجاه الجواز المطلق
- قديماً: قال بالجواز المطلق الخوارج، وابن حزم الظاهري، والإمام الطبري، وبعض المالكية.
- حديثاً: يميل غالبية العلماء المعاصرين إلى الإجازة المطلقة، ومن أبرزهم: الشيخ محمد الغزالي، الدكتور يوسف القرضاوي، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، والشيخ راشد الغنوشي.
اتجاه التخصيص بنوع الولاية
يرى أصحاب هذا الرأي وجوب التفريق بين القضاء العام الشامل، وبين المحاكم المتخصصة. فيجوز للمرأة تولي القضاء في المسائل المحددة نوعاً (مثل محاكم الأسرة، والأحوال الشخصية، والقضايا العمالية والمالية)، ويُمنع في القضاء العام المطلق.
أدلة المانعين والردود عليها
استدل الفقهاء القائلون بعدم جواز تولي المرأة للقضاء بعدة أدلة من القرآن والسنة والمعقول، وقد رد عليها المجيزون كالآتي:
دليل القوامة من القرآن الكريم
- الاستدلال: قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (النساء: 34). قالوا: إن القضاء قوامة عامة، فلا تليها من أُثبتت عليها القوامة للرجل.
- الرد والتفنيد: الاستدلال هنا في غير محله؛ فالنص ليس عاماً في كل الولايات، بل هو خاص بنظام الأسرة وإدارتها الداخلية، بدليل أن المرأة تملك قوامة ورعاية في بيتها لقوله صلى الله عليه وسلم: (والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها).
دليل الفروق الفردية والدرجة
- الاستدلال: قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة: 228).
- الرد والتفنيد: الآية وردت في سياق أحكام الحياة الزوجية والطلاق والنفقة، والدرجة تعني تحمل كلفة المهر والنفقة والرعاية. أما أساس المفاضلة الإنسانية العام فهو التقوى والعمل الصالح لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
دليل حديث لن يفلح قوم
- الاستدلال: ما رواه البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عندما علم بتولية ابنة كسرى ملكاً على فارس: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).
- الرد والتفنيد: ناقش العلماء المعاصرون هذا الحديث من عدة أوجه؛ أولاً: هو حديث آحاد ورد في واقعة سياسية معينة (مملكة فارس) وليس بصيغة التشريع العام، وثانياً: اللفظ يتعلق بـ الولاية العظمى (رئاسة الدولة الحكّامة المطلقة) ولا يقاس عليه القضاء التخصصي الحديث. كما أن القرآن الكريم خلّد نجاح ملكة سبأ وحسن سياستها ورأيها.
حجة الاختلاط والخلوة في مجلس القضاء
- الاستدلال: قالوا إن القضاء يقتضي الاختلاط بالخصوم والشهود، وهو محرم.
- الرد والتفنيد: هناك فرق واضح بين الخلوة المحرمة والاختلاط العارض لحاجة ومصالح المسلمين. وجود المرأة في مجلس القضاء محاطة بالشهود والخصوم والكتاب ينفي مظنة الخلوة تماماً، ما دامت ملتزمة بالآداب الشرعية واللباس المحتشم.
موقف النظام التشريعي في اليمن
يمنح النظام التشريعي والقانوني في الجمهورية اليمنية للمرأة الحق الكامل في تولي منصب القضاء والتدرج في مناصبه العليا. ولا يوجد أي نص قانوني أو دستوري يمنعها من ذلك، بل إن التشريعات جاءت مطلقة ومساوية بين الجنسين في شروط التعيين.
المرجعية الدستورية العليا
أقرت الدولة اليمنية مبدأ المساواة المطلقة كركيزة أساسية للحقوق؛ حيث تنص المادة (41) من الدستور اليمني على: "المواطنون جميعهم متساوون أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو المذهب أو المعتقد أو الفكر".
قانون السلطة القضائية اليمني
عند العودة إلى التشريعات المنظمة لمهنة القضاء، نجد أن المادة (57) من قانون السلطة القضائية اليمني النافذ، حددت الشروط الواجب توفرها فيمن يُعين بالقضاء بصيغة عامة ومحايدة تماماً:
"أن يكون متمتعاً بجنسية الجمهورية اليمنية، كامل الأهلية، خالياً من العاهات المؤثرة على القضاء".
ولم يشترط المشرّع اليمني "الذكورة" ضمن هذه الشروط، مما يعني قانوناً جواز تولي المرأة للمنصب بمجرد استيفائها للشروط الأكاديمية والمهنية الأخرى (مثل التخرج من المعهد العالي للقضاء).
السوابق القضائية والواقع العملي في اليمن
تُعد اليمن من أوائل الدول العربية التي دخلت فيها المرأة السلك القضائي (منذ سبعينيات القرن الماضي في جنوب اليمن سابقاً). وشهد الواقع المعاصر محطات تاريخية لتمكين القاضيات اليمنيات:
- عضوية المحكمة العليا: تقلدت القاضية "سامية مهدي" منصب عضو في المحكمة العليا (أعلى سلطة قضائية في البلاد).
- مجلس القضاء الأعلى: في أغسطس 2022، جرى تعيين القاضية "صباح العلواني" كأول امرأة تشغل عضوية مجلس القضاء الأعلى، وهو أعلى جهاز إداري وتنفيذي للمنظومة القضائية في اليمن.
رغم هذا التمكين التشريعي، إلا أن الواقع العملي يواجه أحياناً عوائق مرتبطة بالثقافة المجتمعية، أو بقرارات إدارية متغيرة تقيد نسب قبول الطالبات في المعهد العالي للقضاء تبعاً للمتغيرات السياسية الداخلية.
خلاصة البحث
يتضح من خلال الدراسة المقارنة أن المنع المطلق كان متأثراً بطبيعة العصور القديمة التي كان يختلط فيها منصب القاضي بقيادة الجيوش والولاية السياسية العظمى. أما في العصر الحديث، ومع تشعب الأنظمة القانونية وظهور المحاكم المتخصصة، واعتماد القضاء على نصوص قانونية مقننة ومؤسسات جماعية، فإن رأي المشرّع اليمني المتوافق مع الجواز هو الأقرب لتحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية تماشياً مع الكفاءة العلمية والعدالة المبتغاة.