مفهوم التقادم في القانون الجنائي اليمني والمقارن والفقه الإسلامي
تتقادم الدعوى الجزائية كما تتقادم العقوبة ويختلف تقادم الدعوى الجزائية عن تقادم العقوبة فتقادم الدعوى الجزائية يقصد به في القانون عدم اتخاذ أية إجراءات في مواجهة مرتكب الجريمة من تاريخ وقوعها مدة من الزمن يحددها القانون فيترتب على ذلك انقضاء الدعوى الجزائية وعدم جواز سماعها وتقادم العقوبة يقصد به مرور فترة زمنية على صدور الحكم البات دون توقيع العقوبة.
مبررات نظام التقادم
لقد أخذت معظم التشريعات بنظام التقادم ذلك لانه إذا وقعت جريمة ونشأ حق للمجتمع في محاكمة فاعلها ومعاقبته فإلى متى يبقى هذا الحق قائماً دون استعماله فبقائه زمناً طويلاً أو إلى ما لا نهاية لا يحقق الغرض من العقوبة لمبررات رأى المشرعون أنها تكفي لاتخاذ نظام التقادم وسيلة عامة لانقضاء الدعاوى الجزائية وعدم جواز تحريكها فيما عدا حالات حددها القانون فافترض مرور فترة نسبياً من الزمن على ارتكاب الجريمة دون اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحريك الدعوى الجزائية وتجنب الرغبة في الانتقام من المتهم فقد قام الزمن بمحو الآثار المادية والمعنوية للجريمة ومباشرتها يؤدي إلى نسيان أفراد المجتمع آثار الجريمة ولم يعد للجزاء أهمية في نفوس الناس.
والحق أنه بمرور فترة طويلة من الزمن يختفي الكثير من آثار الجريمة وتفقد قيمتها ويجعل ذلك من الصعب الحصول على الأدلة المثبتة للجريمة إما لتفرق الشهود وانتقالهم وإما لحصول موتهم أو بعضهم وإما لما يحصل من النسيان الذي يعتريهم ومشقة التذكر للأحداث على النحو الذي وقعت فيه مما يجعل الحكم القضائي غير قائم على يقين قضائي وأدلة إثبات خالية من الشبه ولهذا.
الأسس القانونية والاجتماعية للتقادم
فإن فكرة التقادم المسقط في النظم القانونية في الأحوال الجنائية قد ارتكزت على النقاط التالية:
- ١- تحقيق الاستقرار المدني والاجتماعي ونسيان الجريمة فبمضي فترة زمنية طويلة على ارتكاب الجريمة دون اتخاذ السلطات العامة بشأنها أي أجراء يؤدي بحكم سنة الحياة إلى نسيانها وفقدان الأثر الاجتماعي الذي يترتب على وقوعها.
- ٢- ضياع أدلة الجريمة فبمضي فترة زمنية بين وقوع الجريمة والسير في إجراءات الدعوى يؤدي إلى طمس أدلة الجريمة أو ضعفها بحيث يكون من الصعب جمعها لأنها قد تختفي فتفقد معظم قيمتها.
- ٣- تحقيق العدل لأن بقاء الجاني مهدداً بالعقوبة فترة طويلة من الزمن أو مختفياً عن أعين السلطات دون اتخاذ أي إجراء يحقق معنى العقوبة لما يصحب ذلك من التوتر والآلام النفسية والاضطراب والخوف من شبح المحاكمة فذلك مما يحسس الجاني بالندم وذلك يعتبر كافياً لتكفير خطيئة المتهم.
- ٤- الاستقرار القانوني الذي يهدف إليه النظام القانوني حتى لا يظل الإفراد مهددين بسيف الاتهام فترة طويلة مما يعوق نشاطهم في المجتمع.
التقادم في الفقه الإسلامي
ويظهر من هذا أن التبرير لفكرة التقادم عند القانونين ليس تحقيق مصلحة خاصة للجاني وإنما تحقيق مصلحة اجتماعية هي حسن سير العدالة الجنائية وهي مبررات وجيهة تتفق في الغالب الأعم مع القواعد الأساسية في فقه الشريعة الإسلامية فالتبرير بضياع أدلة الجريمة سبق إلى القول به بعض علماء الشريعة وجعل البعض تأخير الإثبات شبهة في إثبات الحدود كما صرح بذلك فقهاء الحنفية إذ أن المعتبر أن أداء الشهادة واجب بعد طلبها، وأن تأخيرها مدة مظنة وجود عداوة، ولأن السكوت عن أداء الواجب يجعل الشاهد متهماً كما صرح بذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضوان الله عليه.. حيث يقول أيما شهود شهدوا على حق لم يشهدوا عند حضرته فإنما شهدوا على ضغن فلا شهادة لهم.
ونحن نرى أن ما ذكره الأحناف راجح لأن تأخير الشهادة فيما يتعلق بالحدود يكون شبهة و دارئة، فالغرض من الشهادة هو رفع الفاحشة والفساد في حق من كان مجاهراً بالمعصية فكيف يستقر ضمير الشاهد على معاص يعلمها زمناً طويلاً ثم يقوم أدائها بعد تفشي الفساد وانتشاره بزمن؟ هذا في ما كان حقه المجاهرة.
أما ما كان مما يندب فيه الستر فإن الشاهد عندما يقوم بأداء شهادته بعد عزمه على سترها زمناً طويلاً فإن في ذلك دلاله واضحة على أنه لم يشهد إلا لحصول أمر تعلق به ضغن أو خصومة فلذلك جاء كلام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب على سبيل الجزم والحصر بأنه: أيما شهود شهدوا على حق لم يشهدوا عند حضرته فإنما شهدوا على ضغن فلا شهادة لهم.
وأما أثر التقادم في إسقاط الحدود فهو محط اختلاف عند فقهاء الشريعة الإسلامية فقد جاء في فتح القدير في فقه الحنفية آراء أربعة الأول رد الشهادة فيما عدى حد القذف من الحدود القديمة وعدم قبولها وقبول الإقرار وذلك قول أبي حنيفة الثاني رد الشهادة فيما عدى حد القذف وقبول الإقرار بتلك الحدود فيما عدى حد الشرب وهو قول محمد بن الحسن الشيباني. الثالث قبول الشهادة والإقرار بجميع الحدود القديمة كالحدود الجديدة وهو قول الثلاثة الأئمة مالك وأحمد والشافعي. الرابع رد الشهادة والإقرار بجميع الحدود القديمة ونقل هذا عن أبن أبي ليلى.
ويتبين من هذا أن الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد يقولون أن التقادم لا أثر له بالنسبة للحدود كلها فلا يمنع قبول الشهادة عليها ولا يمنع قبول الإقرار بها وأن الشهادة على الجريمة القديمة كالشهادة على الجريمة الحديثة لا فرق بينهما ويحتجون على ذلك بأمرين:
- الأول أن الشهادة على ما يوجب الحد والإقرار به كالشهادة على غيره من حقوق العباد سواء كانت أموالاً أم دماءً وبما أن التقادم لا يسقط العقوبة في تلك الجرائم غير الحدود ولا يمنع سماع الشهادة فيها ولا قبول الإقرار بها فكذلك التقادم هنا في الحدود.
- الثاني أن أساس قبول الشهادة في الحدود هو الصدق والتأخير لا يؤثر في صلب الشهادة ما دام الشهود عدولاً لم تتعلق بعد التهم ريبة واحتمال الظن أو التهمة مجرد افتراض لا يصح أن ترد به التهمة وقد نوقش هذا الاستدلال بالمنع فالشخص لو أخر الشهادة في حقوق العباد بعد الطلب يعد فاسقاً لا تقبل شهادته من بعد، وعلى فرض التسليم بان التأخير لا يمنع من سماع الشهادة في حقوق العباد فلا تسقطه الشبهة بخلاف الحدود فإنها تدرأ بالشبهات كما نوقش ما ورد بان الشهادة على ما يوجب الحد والإقرار به كالشهادة على غيره من حقوق العباد إلا أن الحدود تقوم على أساس نفي التهمة لقطع الشبهة المؤثرة في إسقاط الحد وفي ذلك يقول الزيلعي والحكم يدرأ على كونه حق لله تعالى فلا تعتبر التهمة في كل فرد من أفراده إذ التهمة أمر باطل لا يوقف عليه فيكتفي بالصورة لأن الحد يسقط بالشبهة كما يسقط معناها.
نظريات التقادم في العقوبات والحدود
وقد لخص الأستاذ عبد القادر عوده رحمه الله التقادم في نظريتين:
النظرية الأولى:
تقوم على مذهب مالك والشافعي وأحمد وتتلخص في أن العقوبة لا تسقط مهما مر عليها من الزمن ودون محاكمة ما لم تكن العقوبة من عقوبات التعازير وما لم تكن الجريمة من جرائم التعازير فإن التعازير فإن العقوبة والجريمة تسقط بالتقادم إذا رأى أولو الأمر تحقيقاً لمصلحة عامة.
النظرية الثانية:
قوامها مذهب أبي حنيفة وأصحابه يتفقون مع أصحاب النظرية الأولى في القول بالتقادم في العقوبات التعزيرية وفي امتناع التقادم في العقوبات المقررة في القصاص والدية وفي جريمة القذف دون غيرها من جرائم الحدود أما بقية جرائم الحدود فيرون أن عقوبتها تسقط بالتقادم وأبو حنيفة وأصحابه على هذا الرأي عدى زفر فإنه لا يرى سقوط جريمة الحد بالتقادم.
وإذا كان بعض فقهاء الشريعة قد ذكروا سقوط الحق في الإدعاء بهذه العقوبات فإن مبرراتهم لا تبتعد كثيراً عن المبررات التي ذكرها فقهاء القانون فتأخير الشهادة يمنع من سماعها كما هو رأي الفاروق عمر بن الخطاب السالف ذكره الذي جزم فيه أن الشهود إنما شهدوا على ضغن بسبب تأخيرهم الشهادة فلا شهادة لهم فمنع سماع دليل إثبات الجريمة هو مما يمنع الدعوى ويسقط الحكم لأن الصلة ما زالت مستمرة وكذلك إذا كانت الأدلة قد بليت وتعرضت للضياع وصارت غير منضبطة ولا مفيدة لليقين فإنه لا يحكم بمقتضاها ولا يقام الحد بموجبها فهناك ارتباط وثيق بين صحة الأدلة وبين الحكم بها كما أن هناك ارتباط بين عدالة الشاهد وبين صحة ما يدلي به ويثبته وبين إقامة الحد فإذا حصل ما يفصل هذه الصلة بطلت الشهادة وهو ما يمنع الحكم ؛ وقد رأى أبن أبي ليلى من فقهاء الأحناف أن الحدود تسقط بالتقادم سواء كان ثبوتها هو الإقرار أو البينة أي سقوط حق الإدعاء بها وحق إقامتها لا سقوط الإثم والعقاب الأخروي لأن ذلك لا يسقط إلا بالتوبة النصوح وقد استخلص الأمام محمد أبو زهرة من رأي أبن أبي ليلى أن الحدود تسقط بالتقادم سواء كان طريق ثبوتها هو البينة أم كان طريق ثبوتها هو الإقرار وقال أن هذه العقوبات للانزجار والردع وترويع المجرمين وذلك يكون إبان وقوعها، وتأخيرها يذهب معنى الردع فيها، ولأن المجرم مظنة أن يكون قد تاب وإقراره لتطهير نفسه مظنة توبته ومظنة التوبة في ذاتها تجعل العقاب قد صادف نفساً طهرت من الذنوب.
والظاهر رجحان ما ذهب إليه الأمام/ محمد أبو زهرة وإن كان ما عزاً قد أقر وأقيم عليه الحد إلا أنه حينما حاول الهرب قال النبي صلى الله عليه واله وسلم هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه وذلك ما يفيد أن التوبة تسقط على المكلف ما يتعلق بحق الله تبارك وتعالى فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له فنظام التقادم هو في الواقع لا يسقط الجريمة في حد ذاتها وإنما يمنع من سماع الدعوى وتوقيع العقوبة الدنيوية وإنما تسقط بالتوبة النصوح كما ورد في قوله تعالى " إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً " فيكون رأي أبن أبي ليلى راجحاً إلا في حالة إقرار الجاني المستمر حتى إقامة العقوبة.
القوانين الوضعية والجرائم المستمرة
التقادم في قانون الإجراءات الجزائية اليمني
وقد جعل قانون الإجراءات الجزائية اليمني التقادم وسيلة لانقضاء الدعوى الجزائية وعدم سماعها كما هو في المادة (٣٧) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني المصرحة بأنه ينقضي الحق في سماع الدعوى الجزائية بمضي المدة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك وجعل مدة انقضاء الحق في سماع الدعوى الجزائية في الجرائم المعاقب عليها بالقصاص أو تكون الدية أو الأرش إحدى العقوبات المقررة لها وفي الجرائم غير الجسمية ثلاث سنوات كما هو صريح المادة (٣٨) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني
وكل ذلك ما لم ينقطع التقادم وفقاً للمادة (٤٠) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني واستثناء النص القانوني الجرائم المعاقب عليها بالقصاص أو الدية كان في محزة لأن هذه الجرائم غالباً ما تكون سبباً للانتقام وتكثير السلم العام وسبباً لوجود الثارات والغالب أن الناس لا يسكتون عن طلب أخذ المجرم في مثل هذا الحال مهما تقادم الزمن وكثيراً ما تحرص الجهات المختصة على تعقب أصحاب هذه الجرائم ومحاولة جمع الأدلة وحفظها وفي ذلك تطبيق لنصوص قطعية تخاطب الأمة من مثل قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " كما أن تفريق القانون في مدد التقادم التي تنقضي بمرورها الدعوى الجزائية يقوم على أساس النظر إلى خطورة هذه الجرائم فميز المشرع بين النظر إلى الجرائم الجسمية والجرائم غير الجسيمة ولا يؤثر انقضاء الدعوى الجزائية بالتقادم على الدعوى المدنية لأن الدعوى المدنية تخضع لأحكام القانون المدني وقد أخذ بقاعدة انقضاء الدعوى الجزائية بالمادة (١٥) قانون الإجراءات الجزائية اليمني بأنها تنقضي الدعوى الجنائية في مواد الجنايا بمضي عشر سنين من يوم وقوع الجريمة وفي مواد الجنح بمضي ثلاث سنين وفي مواد المخالفات بمضي سنة.
التقادم في القانون المصري
فالقانون المصري يتفق مع النص اليمني في تقرير قاعدة انقضاء الدعوى الجزائية بمرور فترة زمنية يحددها القانون. كما يتفق مع القانون اليمني في تحديد بدء سريان مدة التقادم فجعلها من يوم وقوع الجريمة وفرق بين مدد التقادم وفقاً لطبيعة الجرائم كما هو الحال في القانون اليمني وإن كان هناك من يرى أنه لا يحتسب اليوم الذي تقع فيه الجريمة وإنما من اليوم التالي نظراً لعدم اكتمال اليوم بالساعات من وقت وقوع الجرم
التقادم في القانون العماني
وسار المشرع العماني على نفس المنوال فقررت المادة (١٦) من قانون الإجراءات العماني بأنها تنقضي الدعوى العمومية بمضي عشرين سنة في الجنايات التي يحكم فيها بالإعدام والسجن المطلق وعشر سنوات في غيرها من الجنايات وثلاث سنوات في الجنح وسنة في المخالفات وذلك كله من يوم وقوع الجريمة
القانون الإماراتي
وقد قرر قانون الإجراءات الاتحاد لدولة الإمارات العربية ذات القواعد كما هو صريح المادة (٢٠) إجراءات التي تطابق ألفاظها فيما يخص انقضاء الدعوى بالتقادم مع النص العماني.
القانون الأردني
أما قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني فقد جاء في المادة (٣٣٨) ما نصه تسقط دعوى الحق العام ودعوى الحق الشخصي بمضي عشر سنوات من تاريخ وقوع الجناية، إذا لم تجر ملاحقة بشأنها خلال تلك المدة وتسقط أيضاً الدعويان المذكورتان بانقضاء عشر سنوات على أخر معاملة فيها إذا أقيمت الدعوى وأجريت التحقيقات ولم يصدر حكم بها أما الجنح فتنقضي الدعوى فيها بمرور ثلاث سنوات في الحق الشخصي والحق العام، أما المخالفات فإنه يسقط الحق فيها بانقضاء سنة كاملة على وقوعها دون أن يصدر حكم بها من المحكمة، وإن نظم بها محضر وجرى تحقيق خلال السنة المذكورة.
وقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني هنا لم يجعل أجراء التحقيق في المخالفات خلال السنة المذكورة قاطعاً للتقادم.
القانون السوري
أما قانون أصول المحاكمات السوري فإنه صرح في المادة (٤٣٧) بأنها تسقط دعوى الحق العام ودعوى الحق الشخصي بانقضاء عشر سنوات من تاريخ وقوع الجريمة إذا لم تجر ملاحقة بشأنها خلال تلك المدة وتسقط أيضاً الدعويان المذكورتان بانقضاء عشر سنوات على المعاملة الأخيرة لم إذا أقيمت الدعوى وأجريت التحقيقات ولم يصدر حكم بها ذات القانون من ذات القانون بأنه أسقط دعوى الحق العام ودعوى الحق الشخصي في الجنحة بانقضاء ثلاث سنوات على الوجه المبين في الحالتين المذكورتين في المادة السابقة، أما دعوى المخالفة فإن القانون السوري جعل مدة انقضائها سنة من يوم وقوعها كما هو صريح المادة (٤٣٩) أصول محاكمات سوري وإذا كانت القوانين تتفق في بدأ سريان مدة التقادم وهو يوم وقوعه كما هو مصرح به أو من وقت وقوعها إلا أن هناك من يرى أن المدة لا تبدأ إلا من اليوم التالي وحكمة ذلك أن اليوم الذي تقع فيه الجريمة غير مكتمل وهناك جرائم يدق تحديد بدء سريان التقادم فيها فجريمة هروب المحبوس من السجن تبدأ من يوم هروبه لا من يوم القبض عليه وجريمة البلاغ الكاذب تبدأ من يوم تقديم البلاغ إلى السلطة المختصة لا من يوم إثبات كذبه.
التقادم في الجريمة المستمرة
وإذا كانت الجريمة مستمرة أي تتكون من فعل مؤثم قابل للاستمرار أو التجدد، فإنها تبدأ مدة انقضاء الدعوى في الجناية من اليوم التالي لإنها حالة الاستمرار أو التجدد والأمثلة على هذا كثيرة ففي جريمة إخفاء الأشياء المسروقة تبدأ من يوم انتهاء حيازة الشخص للمال موضوع الجريمة.
الجرائم المتكررة أو المتابعة
الجرائم المتكررة أو المتابعة: هي التي تتكون من عدة أفعال يصلح كل منها لتكوين الجريمة إلا أنه نظراً لتتابعها وارتباطها فيما بينها بغرض إجرامي واحد فإنها تعتبر جريمة واحدة مثال ذلك اللصوص الذين يسرقون منزلاً واحداً في عدة أيام بحيث يستولون كل يوم على جزء من الأمتعة، ففي هذه الجريمة لا يبدأ والتقادم إلا من تاريخ ارتكاب أخر فعل مكون لها، وفقاً لتفسير محكمة النقض المصرية. والضابط الأساسي للجرائم المتتابعة هو وحدة الغرض الإجرامي لدى مرتكبي الأفعال المتعددة وتقدير توافر هذه الوحدة أمر متروك لقاضي الموضوع إلا أن تكييف هذه العناصر يخضع لرقابة محكمة النقض. أما جرائم العادة وهو التي يتكون الركن المادي فيها بتكرار فعل معين من المرات ومنها جريمة الاقتراض بالربا فإن العبرة في احتساب مدة التقادم فيها هو من تاريخ أخر فعل تكتمل به أركان الجريمة والعبرة بعقود القرض وليس باقتضاء الفوائد ويشترط في جرائم العادة أن لا يمر بين كل فعل من أفعال العادة فترة تزيد على مدة الجريمة نفسها وينبغي أن تكون الأفعال المتعددة من قبيل ما يحدده القانون ويتطلبه لقيام الجريمة، ويعني ذلك وجوب صرف النظر عما عدى ذلك من الأفعال وأن كان وثيق الصلة بالجريمة.
الدفع بالتقادم المسقط في القضايا الجنائية
يعتبر تقادم الدعوى الجنائية في النظم القانونية من النظام العام وذلك لتعلقه بصحة اتصال المحكمة بالدعوى الجنائية ابتداء أو بصحة استمرار هذا الاتصال وعلى المحكمة إذا قضت بالإدانة أن تبين في حكمها تاريخ ارتكاب الجريمة حتى يتسنى للمحكمة العليا أن تراقب صحة تطبيق القانون وعلى المحكمة أن تقضي بعدم قبول الدعوى أو بانقضائها بالتقادم على حسب الأحوال ولو لم يتمسك المتهم بالتقادم بل ولو تنازل عن حقه في الدفع به وطلب الحكم من موضوع الدعوى ويصح للمتهم أن يدفع بالتقادم في أي حالة كانت عليها الدعوى ولو أمام المحكمة العليا بشرط أن تكون مقومات الدفع ظاهرة من الأوراق ولا تقتضي تحقيقاً يخرج عن اختصاص محكمة النقض وإذا دفع المتهم بانقضاء الدعوى بالتقادم فرفضت المحكمة هذا الدفع لانقطاع التقادم وجب عليها أن تبين في حكمها الإجراء القاطع وتاريخ اتخاذه حتى يتسنى للمحكمة العليا أن تبسط رقابتها فإن أغفلت بيان ذلك كان حكمها معيباً.
استثناءات التقادم (الجرائم التي لا تسقط بالتقادم)
تنص أكثر الدساتير والقوانين على جرائم لا تسقط بالتقادم ولا تسري عليها أحكامه نظراً لارتباطها بحقوق المواطنين الأساسية وتعلقها بمصالحهم وحرياتهم الشخصية ومن ذلك التدخل في القضايا بما يخل بميزان العدالة وقد صرح دستور الجمهورية اليمنية بالمادة (١٤٧) بالآتي: "لا يجوز لأي جهة وبأي صورة التدخل في القضايا أو في شأن من شئون العدالة ويعتبر مثل هذا التدخل جريمة يعاقب عليها القانون ولا تسقط الدعوى فيها بالتقادم ومن ذلك جريمة الاعتداء على الحريات العامة أو الخاصة" فقد جاء في الدستور المصري بالمادة (٥٧) "إن كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرية الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم" كما صرحت المادة (١٦) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني " أنه استثناء من أحكام المادة (٣٧) لا تنقضي بمضي المدة الدعوى الجزائية الماسة تجربة المواطنين أو كرامتهم أو التي تتضمن اعتداءً على حرية الحياة الخاصة ومن الجرائم التي نص عليها الدستور الجرائم المتعلقة بالتعذيب الجسدي أو النفسي قد صرح الدستور اليمني بالمادة (٤٧) " بأنه يعتبر التعذيب الجسدي أو النفسي عند القبض والسجن أو الاحتجاز جريمة لا تسقط بالتقادم، أما المشرع المصري فإنه أيضاً قد ذهب إلى تقرير عدم انقضاء الدعوى الجزائية في الفقرة الثانية من المادة (١٥) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني التي نص فيها " على أن الدعوى الجنائية الناشئة عن الجرائم المنصوص عليها في المواد (١١٧، ١٢٦، ١٢٧، ٣٠٩، ٢٨٢، مكرر" من قانون الجرائموالعقوبات اليمني "لا تنقضي بمضي المدة والجرائم التي أشارت إليها تلك المواد هي استخدام العمال سخرة في عمل عام أو احتجاز أجورهم، وتعذيب المتهم لحمله على الاعتراف وعقابه بأشد من العقوبة المحكوم بها أو بعقوبة لم يحكم بها والقبض بغير حق في أحوال معينة وانتهاك حرمة الحياة الخاصة، واستعمال أو استغلال ما تم الحصول عليه من أسرار نتيجة هذا الانتهاك والكثير من التشريعات في مختلف البلدان تتظافر نصوصها على عدم سقوط مثل هذه الجرائم بالتقادم والمحكمة في ذلك هي حماية الحقوق والحريات العامة والخاصة وما يتعلق بالأمور الأساسية بكرامة المواطنين واحترام مكانتهم.
تقادم العقوبة في القانون الجنائي
الأساس الذي يبنى عليه نظام التقادم هو مضي فترة طويلة على صدور حكم بالعقوبة دون أن ينفذ مما يعني أن الجريمة وعقوبتها قد زالت من أذهان الناس وأن من المصلحة العامة عدم أثارة الجريمة من جديد في أذهانهم بعد أن طواها الزمن يضاف إلى ذلك أن المجرم الذي توارى عن الأنظار فترة طويلة لا بد وأن يكون قد عانى من المشاق والآلام ما يعادل الآم العقوبة ومشقتها ويعتبر التقادم في النظام العام فيما يتعلق بالشق الجنائي من الحكم مما يوجب على الجهة المناط بها التنفيذ النيابة العامة أن تمتع عن تنفيذ الحكم إذا تبين لها أنه قد سقط بالتقادم وقد صرح قانون الإجراءات الجزائية اليمني بالمادة (٥٣٢) بأنه فيما عدى حالة القصاص والدية والأرش يسقط الحق في تنفيذ عقوبة الإعدام بمضي خمسة وعشرين سنة ويسقط الحق في تنفيذ العقوبة السالبة للحرية بمضي ضعف المدة المحكوم بها وعلى أن لا يزيد ذلك عن عشرين سنة ولا يقل عن خمس سنوات وإذا كانت العقوبة بالغرامة يسقط الحق في تنفيذها بمضي سنتين ومن الواضح هنا أن المشرع قد فاوت بين مدد انقضاء العقوبة تبعاً لنوع العقوبة المقضي بها لا لنوع الجريمة المرتكبة فتزداد مدة التقادم تبعاً لجسامة العقوبة على اعتبار أن الجريمة التي تكون عقوبتها بسيطة يمكن نسيانها بسرعة أما الجريمة الخطرة فلا يمكن نسيانها أو محوها من أذهان الناس خلال مدة قصيرة وتبدأ المدة في السقوط أي سقوط الحق في تنفيذ عقوبة الإعدام من وقت الحكم باتاً وفي غير ذلك من الحالات يبدى المدة من وقت صدور الحكم نهائياً المادة (٥٣٣) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني وتتقطع المدة بالقبض على المحكوم علية وبكل إجراءات التنفيذ أو بارتكاب جريمة معادلة أو أكثر جسامة وتعد الجريمة معادلة إذا كان الحد الأقصى من العقوبة واحداً، وفي حالة صدور الحكم غيابياً فإنها تحتسب المدة من تبليغ المحكوم عليه وقد ذهب المشرع المصري إلى تقرير قاعدة سقوط العقوبة بمضي فترة محددة من الزمن فصرح بالمادة (٢٥٨) من قانون الإجراءات الجنائية على أنها تسقط العقوبة المحكوم بها بمضي عشرين سنة ميلادية إلا عقوبة الإعدام فإنها تسقط بمضي ثلاثين سنة وتسقط العقوبة المحكوم بها في جنحة بمضي خمس سنين وتسقط العقوبة المحكوم بها في مخالفة بمضي سنتين والقانون المصري يتفق مع القانون اليمني هنا في تقرير قاعدة سقوط العقوبة بالتقادم وليس بينهما تفاوت إلا في مقدار المدد أما المشرع السوري فقد صرح في المادة (١٦٢) من قانون الجرائم والعقوبات أن مدة في التقادم في عقوبة الإعدام والعقوبات الجنائية المؤبدة خمسة وعشرون سنة ومدة التقادم على العقوبات الجنائية المؤقتة ضعف مدة العقوبة التي حكمت بها المحكمة أن لا تتجاوز عشرين سنة، فهذه القوانين صريحة في الأخذ بقاعدة سقوط العقوبة بالتقادم وأن التقادم يحول دون تنفيذ العقوبة وأن تقرير المدد يرجع في نظر المشرع إلى خطورة الجريمة وجسامتها غير أن بعض القوانين تناولت جرائم الحدود وغيرها وبعض القوانين سكتت عن قاعدة سقوط العقوبة من الجرائم الحدية خاصة عقوبة الجلد والقطع كجريمة حد الشرب والزنا وقطع يد السارق فإن القانون اليمني سكت عن قاعدة سقوط العقوبة فيها بعد الحكم بها أما القانون الليبي مثلاً فإنه صرح في المادة (١٦) بأنها تسقط عقوبات الحدود المنصوص عليها في هذا القانون بمضي عشرين سنة وتسقط عقوبات الحدود المنصوص عليها في هذا القانون بمضي عشر سنوات إلا عقوبة القتل فمضي ثلاثين سنة ما لم يكن الحكم صادراً بناءً على إقرار الجاني كما صرح بالمادة (١٨) على أنها تسقط عقوبة الجلد حدأ أو تعزيراً بمضي خمس سنوات من وقت صيرورة الحكم نهائياً، ويوقف سريان المدة كل ما يحول دون مباشرة التنفيذ على أنه قد رأى البعض أن في تحديد مدة الانقضاء في دعوى الشرب أو سقوط الحدية اتجاه محمود، ذلك أن جريمة شرب الخمر تعد من الجرائم المستمرة لأن السكر ينشئ حالة من الغيوبة المستمرة وهي التي تتطلب منه في الغالب نشاطاً متجدداً للمحافظة عليها، ولا ينتهي إلا بانتهاء حالة الاستمرار ومن ثم لا عبرة بالزمن الذي يسبق ارتكاب السلوك الخاضع للعقاب ولا بالزمن الذي يليه والذي قد تستمر آثاره المحتومة فيه.
والقاعدة في القوانين الوضعية أنه إذا سقطت العقوبة بالتقادم ترتب على ذلك أمران الأول هو انقضاء الالتزام بتنفيذ العقوبة والثاني أن يظل حكم الإدانة محتفظاً بوحدة القانون منتجا لجميع أثاره عدا ما انقضى منها بالتقادم.
القاضي حسين محمد المهدي
عضو المحكمة العليا
قائمة الحواشي:
- (1) محمد سيف شجاع شرح قانون الإجراءات الجزائية ص١٢١.
- (2) د/ مأمون سلامة قانون الإجراءات الجنائية معلقا عليه بالفقه وأحكام النقض الطبعة الأولى سنة ١٩٩٨م دار الفكر العربي ص١٤٢.
- (3) أنظر د./ محمد سيف شجاع ص١٥٥ مرجع سابق.
- (4) الأمام محمد أبو زهره في العقوبة ص٥٥٧.
- (5) عمدة المسير الجزء الأول ص١٥٢.
- (6) كمال الدين بن الهمام المتوفى ٦٨هـ - فتح القدير مع شرح الهداية.
- (7) عثمان علي الزيلعي المتوفى ٧٨٦هـ تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشبلي عليه جزء ٣ ص١٨٨ - موسوعة الفقه الإسلامي جزء ٨ ص٢٧٧.
- (8) الأستاذ/ عبد القادر عوده التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي ج١ ص٧٧٨، الطبعة الرابعة ١٤١٣هـ.
- (9) أنظر رأينا في ذلك عمدة المسير الجزء الأول ص١٥٦.
- (10) الأمام محمد أبو زهرة العقوبة ص٨٢.
- (11) نقض ٣٠/إبريل/١٩٣٤م مجموعة القواعد القانونية فقرة (٢٤٠) مجموعة الأحكام ص٦٨٠.
- (12) أحكام التقادم ص٥١١ مصدر سابق.
- (13) أنظر شرح قانون العقوبات اللبناني القسم العام للدكتور/ محمود نجيب حسني - دار النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت ص٢٢٧.
- (14) انظر المبادئ العامة في قانون الإجراءات الجنائية للأستاذ الدكتور/ عوض محمد عوض أستاذ القانون الجنائي كلية الحقوق جامعة الإسكندرية دار المطبوعات الجامعية ص١٣٠.
- (15) أنظر في ذلك الدكتور/ محمد نعيم فرحات أستاذ فقه العقوبات المساعد بكلية الملك فهد الأمنيه شرح القسم الخاص من التشريع الجنائي الإسلامي، وسلسلة الكتاب الجامعي ص١١٧.
- (16) محمود نجيب حسني شرح قانون العقوبات ص٩٦٣ مصدر سابق.