recent
جديد المشاركات

الصفة والمصلحة في دعاوى الوقف الأهلي

تُعد مسائل "الصفة" و"المصلحة" الركيزتين الأساسيتين لقبول الدعاوى القضائية، وتزداد هذه المسألة دقةً وحساسيةً عند تطبيقها على الأوقاف، نظراً لخصوصية الأموال الموقوفة وطبيعتها الاعتبارية التي تقتضي تنظيماً دقيقاً لمن يتولى إدارتها والتقاضي بشأنها. إن التحقق من صفات الخصوم ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو وسيلة جوهرية لمواجهة الهدر الإجرائي وضمان استقرار المراكز القانونية للأوقاف. يتناول هذا المقال تأصيل الصفة في دعاوى الوقف الأهلي، رابطاً بين النصوص القانونية في قانون الوقف والمرافعات اليمني، ومستنداً إلى اجتهادات المحكمة العليا في ترسيخ مفهوم الولاية على الوقف، بما يضمن صون هذه الأموال من النزاعات غير المستندة إلى سند قانوني أو ولاية شرعية.

​مفهوم الشخصية الاعتبارية للوقف وعلاقتها بالصفة

​يتمتع الوقف بشخصية اعتبارية تجعل له ذمة مالية مستقلة، وقد نصت المادة (87) من القانون المدني على أن الأوقاف من الأشخاص الاعتباريين. ومقتضى ذلك أن يكون للوقف ممثل قانوني يعبر عن إرادته ويمثله في التقاضي، وهو "المتولي".

​وقد نصت المادة (88) من القانون المدني اليمني على أن: (الشخص الإعتباري يتمتع بجميع الحقوق إلا ما كان منها متصلاً بصفة الإنسان الطبيعية، فيكون للشخص الإعتباري -1- ذمة مالية مستقلة -2- أهلية في الحدود التي يعينها سند إنشائه أو التي يقررها القانون 3- حق التقاضي -4- موطن مستقل طبقاً لما هو مبين في قانون المرافعات -5- نائب يعبر عن إرادته ويمثله في التقاضي وغيره).

مفهوم الصفة والمصلحة في الدعاوى القضائية

​بصفة عامة، يذهب بعض شراح قانون المرافعات إلى أن الصفة في الدعوى مستقلة تماماً عن المصلحة. فالصفة في الدعوى: سلطة مباشرة الدعوى قررها القانون لصاحب الحق المعتدى عليه أو المهدد بالاعتداء، في حين أن المصلحة في الدعوى: هي تحري الفائدة أو المنفعة التي تعود على الخصم من رفع الدعوى أو دفعها أو الرد عليها.

​وقد نص المشرع اليمني على هذه الشروط في قانون المرافعات كالتالي:

  • بشأن الصفة: نصت المادة (74) من قانون المرافعات اليمني على أنه: (لا ينتصب أحداً خصماً عن غيره بصفته ممثلاً له في الدعاوى التي تقام إلا بوكالة أو ولاية أو وصاية).
  • بشأن المصلحة: نصت المادة (75) من قانون المرافعات اليمني على أنه: (لا تقبل أي دعوى أو طلب أو دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون، ومع ذلك تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الإحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه).

​الصفة والمصلحة في دعاوى الوقف

تعد الصفة والمصلحة شرطي الدعوى الأساسيين، وتتعلق الصفة بالنسبة لدعاوى الوقف بالولاية على الوقف، أي بالشخص الذي يتولى إدارة الوقف. كما أن للصفة والمصلحة بالنسبة لدعاوى الوقف علاقة بمصلحة الموقوف عليه باعتبارهم المستفيدين من الوقف.

و​تتداخل الصفة مع الولاية في دعاوى الوقف، حيث لا تتحقق صفة المدعي في تمثيل الوقف إلا إذا كان من أصحاب الولاية.

​الصفة: هي سلطة مباشرة الدعوى التي قررها القانون لصاحب الحق.

​المصلحة: هي الفائدة أو المنفعة التي تعود على الخصم من رفع الدعوى.

​وقد نصت المادة (74) من قانون المرافعات اليمني على شرط الصفة في رفع الدعوى كما نصت المادة (75) من قانون المرافعات اليمني على شرط المصلخة في الدعوى.

الصفة في دعاوى الوقف تكون لصاحب الولاية

​المقصود بدعوى الوقف: الدعاوى المتعلقة بأموال الوقف سواءً كان الوقف خيرياً أم أهلياً.

والصفة متعلقة بمفهوم الولاية على الوقف؛ لأن المتولي على الوقف أو ناظر الوقف هو الممثل الشرعي والقانوني الذي يتولى تمثيله أمام القضاء

مفهوم ​الولاية على الوقف الأهلي

​الولاية على الوقف تعني أن المتولي هو المكلف بالمحافظة على أموال الوقف، والدفاع عنه، وتمثيله أمام القضاء والغير. 

​والولاية على الوقف لا تتزاحم، وقانون الوقف منع تعدد الأولياء على الوقف لأن تعددهم يؤدي إلى الفوضى وضياع الأموال.

وقد حددت المادة (49) من قانون الوقف الشرعي مراتب الولاية على الوقف بالتدريج: (الولاية على الوقف تكون للواقف ثم لمنصوبه وصياً أو ولياً ثم للموقوف عليه ثم لذي الولاية العامة والحاكم أو من يعينه أحدهما لذلك، ويجوز لذي الولاية الخاصة إسناد الولاية لمن يرى فيه الصلاح بغير عوض).

​مراتب الولاية على الوقف الأهلي

  • ​الواقف نفسه.
  • ​الشخص الذي ينصبه الواقف (ولياً أو وصياً).
  • ​الموقوف عليه.
  • ​الجهة ذات الولاية العامة (هيئة الأوقاف أو وزارة الأوقاف).

​التطبيق القضائي (حكم المحكمة العليا)

​قضت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها بتاريخ 12/2/2017م، في الطعن رقم (58838) برفض الدعوى لعدم تحقق الصفة، حيث ورد في أسباب الحكم: (وبعد الاطلاع على الحكم الإبتدائي والحكم الإستئنافي بتاييد الحكم الابتدائي بجميع فقراته لثبوت عدم تحقق صفة المستانفة في رفع الدعوى لكونها ليست من ذرية الواقفة اوالموقوف عليهما ، لذلك : فقد وجدت الدائرة ان حكم الإستئناف بتاييد الحكم الابتدائي موافقا من حيث النتيجة لاحكام الشرع والقانون لما اوضحه وعلل به واستند اليه).

​عند تزاحم الأولياء على الوقف

​لا يجوز تعدد الأولياء على الوقف منعاً للفوضى. فإذا انتقلت الولاية للموقوف عليهم المتعددين، وجب اتفاقهم على اختيار أحدهم، فإن تعذر الاتفاق تُجرى القرعة، أو يُرفع الأمر للقضاء لتحديد الولي الذي يمتلك الصفة في تمثيل الوقف، وفقاً للمادة (54) من قانون الوقف الشرعي.

النصوص القانونية المنظمة لولاية المتولي:

نصت المادة (66) من قانون الوقف على أنه: (يجب على المتولي على الوقف المحافظة على عين الوقف وعين الموقوف عليه وأملاك الوقف المشتراة من فائض غلته ورعايتها وإصلاح ما تلف منها وإجراء الترميمات وغيرها مما يلزم لصيانتها..الخ).

كما نصت المادة (55) وقف على أن: (إصلاح عين الوقف مقدم على الصرف في مصالحه، والصرف في مصالح الوقف مقدم على إصلاح عين الموقوف عليه، وإصلاح عين الموقوف مقدم على الصرف في مصالحه).

ونصت المادة (57) وقف على أن: (التصرف بالوقف منوط بتحقيق المصلحة وكل تصرف انطوى على غبن فاحش فهو باطل).

الخاتمة

ختاماً، يتبين أن المشرع اليمني قد أحاط دعاوى الوقف بسياج من الضوابط الإجرائية الصارمة، حيث جعل من "الولاية على الوقف" المعيار الحاكم لتحديد صفة المدعي في الخصومات القضائية. إن التزام القضاء بمبدأ ترتيب الولاية على التعاقب وتجنب التزاحم، كما أكدته أحكام المحكمة العليا، يعد صمام أمان لمنع الفوضى في إدارة أموال الوقف. ومن هنا، يظل فهم المتولي أو الموقوف عليه لمرتبته القانونية وشرط المصلحة القائمة أمراً حاسماً لضمان قبول الدعوى، وتجنباً للرفض القضائي الذي قد يترتب على افتقاد شرط الصفة. إن الالتزام بهذه النصوص القانونية لا يعزز فقط من عدالة الإجراءات، بل يسهم بشكل مباشر في المحافظة على عين الوقف وتحقيق المقاصد الشرعية للواقفين.




author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent