أولا: بطلان الحكم
إن البطلان هنا عيب يلحق الحكم ذاته كنشاط يباشره من منحه القانون الحق في إصداره دون أن يتصل بالنزاع أو بالقانون الذي يحكم هذا النزاع، ولكون صدور الحكم يمر بمراحل متعاقبة فقد يمس البطلان مرحلة دون أخرى، لذلك سنتطرق لهذا البطلان في مرحلتين هما: مرحلة إصدار الحكم، ومرحلة تدوين الحكم، وذلك على النحو التالية:
مرحلة إصدار الحكم
المعلوم بأن الحكم يمر بمراحل متعاقبة قبل صدوره تؤدي بمجموعها إلى تكوين رأي المحكمة في النزاع المعروض عليها ولكل مرحلة من هذه المراحل شروط يجب مراعاتها حتى يتم الفصل في النزاع بصورة سليمة صحيحة، وصدور حكم فيها خالٍ من العيوب التي تستوجب نقضه، وقبل كل هذا لابد أن يكون من أصدره قد منح سلطة إصداره من قبل الدستور، وسنبين في هذا الفرع تلك الخطوات خطوة خطوة كالتالي:
أولا: تشكيل المحكمة:
ورد في المادة (217) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني رقم (4) لسنة 2010م تعريف للحكم وضحت فيه أركانه حيث نصت على أنه "الحكم قرار مكتوب صادر في خصومة معينة من ذي ولاية قضائية شرعية وقانونية". فقد جعلت هذه المادة شخص القاضي ركناً من أركان الحكم، فلا يمكن أن يوجد حكم إلا إذا وجد قاضٍ مختص بإصداره، فإن لم يوجد قاض كان الحكم منعدماً، وكذا إذا لم تكن له ولاية في إصداره كان منعدماً أيضاً فلا يمكن الاحتجاج به ولا يترتب عليه أي أثر قانوني طبقاً للمادة (56) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني رقم (4) لسنة 2010م.
وعليه فإنه يلزم حتى يكون الحكم صحيحاً أن يكون من أصدره فرداً كان أو جماعة له سلطة وولاية في إصداره، وغير ممنوع من سماع الدعوى التي فصل فيها، بأن يكون خالياً من الأسباب التي توجب تجنبه عن نظر النزاع، فإن وجد فيه من هذه الأسباب كان حكمه منعدماً وكذا خلوه من حالات طلب رده، والتي بتوافر حالة منها يكون حكمه باطلاً، وكذلك إذا كان أحد قضاة الشعبة الاستئنافية هو من أصدر الحكم الابتدائي أو شارك في إصداره عرض الحكم للنقض والإلغاء، فالمخالفة في تشكيل المحكمة كصدور حكم استئنافي من أكثر من ثلاثة قضاة أو أقل يعد سبباً من أسباب الطعن بالنقض[^1].
ثانيا: المداولة:
المداولة تعد الخطوة الأولى من خطوات إصدار الحكم بعد إقفال باب المرافعة وهي نشاط ذهني يتم عبر منهج قانوني، ومنطق قضائي يؤدي إلى تكوين رأي المحكمة يتجسد في صورة منطوق الحكم وأسبابه وحتى تكون المداولة صحيحة لابد من مراعاة لشروطها فإن اختل شرط من شروطها تعرض الحكم للنقض والإلغاء، ومن أهم هذه الشروط ما يلي:
- يجب أن تتم بعد إقفال باب المرافعة وأن يصدر الحكم بناءً عليها طبقاً لنص المادة (222) من قانون المرافعات.
- يجب أن تتم قبل النطق بالحكم طبقاً للمادة المذكورة آنفاً.
- لأي قاض اشترك في المداولة أن يعدل عن رأيه ويطلب إعادة المداولة، فإن رفض رئيس الهيئة كان الحكم معرضاً للنقض والإلغاء.
- يجب أن تكون سراً في غرفة المشورة أو همساً في الجلسة دون أن يسمع الخصوم طبقاً للمادة المذكورة آنفاً.
- أن لا يشترك فيها غير القضاة الذين استمعوا إلى المرافعة.
- لا يجوز للمحكمة أثناء المداولة سماع أحد الخصوم أو قبول أوراق في الخصومة دون اطلاع الخصم الآخر[^2][^3].
ثالثا: إعداد مسودة الحكم والتوقيع عليها وإيداعها:
وهذه الخطوة الثانية لإصدار الحكم والمسودة تعني ورقة رسمية مشتملة على أسباب الحكم ومنطوقه مدونة بخط مصدرها مذيلة بتوقيعه إن كان فرداً أو توقيعات كل أعضاء الهيئة إن كانوا جماعة[^4]. طبقاً لنص المادة (225) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني رقم (2) لسنة 2010م حيث جاء فيها: "1- بعد تمام المداولة وقبل النطق بالحكم يجب أن تعد المحكمة مسودة الحكم مشتملة على الأسباب التي بني عليها الحكم ثم المنطوق وأن يوقع القضاة المشتركون في الحكم على هذه المسودة، وإلا كان الحكم باطلاً". يتبين من هذه الفقرة من المادة أن إعداد المسودة يكون بعد المداولة، وقبل النطق بالحكم وأن يوقع عليها جميع القضاة الذين اشتركوا في سماع المرافعة والمداولة، فإن خلت من توقيع أحدهم تعرض الحكم للنقض والإلغاء، ويفهم منها أيضاً أن خلو نسخة من المسودة من توقيع أحد القضاة الذين اشتركوا فيها لا يرتب البطلان ما داموا موقعين في المسودة، أما إذا لم تعد المسودة كان الحكم منعدماً لانعدام أحد أركانه المذكورة في المادة (217) مرافعات المذكورة سابقاً وهو الكتابة. وذكر في الفقرة (2) من المادة (225) مرافعات ما نصه: "....... 2- يجب أن تحرر مسودة الحكم ..... وفي كل الأحوال يجب أن تودع مسودة الحكم في ملف القضية وإلا تعرض المتسبب في مخالفة ذلك للمساءلة التأديبية ......." وبعض الفقهاء من يرى أن عدم إيداع المسودة يعرض الحكم للبطلان، وهو ما يراه الفقه المصري، فيكون سبباً من أسباب الطعن بالنقض[^5][^6].
رابعا: النطق بالحكم:
النطق بالحكم هو المرحلة الأخيرة من مراحل إصدار الحكم ويقصد به: تلاوة مصدر الحكم، أسباب الحكم ومنطوقه في جلسة علنية[^7]، أي أنه يجب النطق بالحكم في جلسة علنية سواء كانت المرافعة التي سبقت سرية أو علنية وجعل المشرع الجزاء على مخالفة هذا الحكم البطلان[^8]، ويتضح من التعريف السابق أن النطق بالحكم – كقاعدة – يكون ممن أصدره إن كان فرداً أو من رئيس الهيئة إن كانوا جماعة، إلا أن مخالفة هذه القاعدة لا يؤدي إلى بطلان الحكم، وبالإضافة إلى ما سبق أوجبت المادة (227/ أ) مرافعات عند النطق بالحكم حضور جميع القضاة الذين اشتركوا في المداولة وإذا حصل لأحد القضاة مانع مادي كالمرض أو السفر فإنه يغني عن حضوره أن يكون موافقاً على مسودة الحكم وفي هذه الحالة يجوز لأي من أعضاء المحكمة أو قضاتها النطق بالحكم، ويجب إثبات ذلك في الحكم وإلا كان ذلك باطلاً[^9] ومن خلال مفهوم المخالفة لنص المادة (227 / أ) مرافعات يتضح لنا أنه إذا تم النطق بالحكم من غير مصدره مع عدم المانع وحصول العذر فإن الحكم يكون عرضة للنقض. ومع هذه العلل وهذه الفوارق نؤيد ما يراه الدكتور/ سعيد خالد الشرعبي من أن الإخلال بالنطق بالحكم بعدم التلاوة أو تلاوته من غير مصدره مع عدم المانع يعد سبباً من أسباب الطعن بالنقض.
مرحلة تدوين الحكم
لقد أوجب المشرع أن يكون الحكم مكتوباً ومشتملاً على بيانات معينة يترتب على مخالفتها البطلان. إذا كان يترتب على إغفال بعض البيانات التجهيل بالقضية التي فصل فيها الحكم، أو القضاة الذين اشتركوا في إصداره أو طلبات النيابة أو الخصوم طبقاً لنص المادة (230) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني رقم (2) لسنة 2010م، فالشكلية عنصر أساسي في الحكم، وتشمل هذه الشكلية بيانات أساسية في أجزاء أربعة وهي كالتالي:
أولا: الديباجة:
والديباجة هي: أول أجزاء الحكم تبدأ بالبسملة، وتنتهي بمنطوق الحكم، وتشمل هذه الديباجة عدة بيانات نصت عليها المادة (229) من قانون المرافعات وهي:
- اسم المحكمة التي أصدرت الحكم: يجب أن يذكر اسم المحكمة التي أصدرت الحكم في المكان المعد لذلك وفقاً للنموذج الرسمي ويبين درجتها هل ابتدائية؟ أم استئنافية؟ حتى يتسنى لنا معرفة مصدر الحكم، وهل له ولاية في إصداره أم لا؟ وهل تدخل الدعوى في نطاق اختصاصه؟ أم لا؟ وحتى نعرف كذلك المحكمة المختصة بنظر استئناف هذا الحكم[^10]. لذا عد إغفال هذا البيان يعرض الحكم للنقض والإلغاء، ما لم يعرف هذا البيان من غيره من البيانات طبقاً لنص المادة (230) من قانون المرافعات "تعتبر بيانات الحكم مكملة بعضها لبعض وإغفال بيان منها إذا كان يؤدي إلى التجهيل بالقضية التي صدر فيها الحكم أو....... يجعل الحكم باطلاً".
- تاريخ صدور الحكم: يجب أن تشمل الديباجة كذلك على تاريخ النطق بالحكم لا تحريره ويدون التاريخ في المكان المخصص له في النموذج الرسمي، وتظهر أهميته في ابتداء حساب مدة الطعن وبدء اكتساب حجية الأمر المقضي ولا يؤثر عدم ذكر التاريخ إن كان قد ذكر في محضر الجلسة التي صدر فيها، فإن لم يذكر حتى في المحضر أدى ذلك إلى التجهيل وترتب عليه نقض الحكم وإبطاله لتوافر سببه[^11].
- نوع القضية ورقمها: ويذكر في الديباجة نوع القضية هل مدنية؟ أم تجارية أم شخصية أم جنائية أم غير ذلك وذلك حتى نعرف الشعبة أو الدائرة المختصة بنظر الطعن فيه وكذا معرفة سلامة ولاية المحكمة إذا كانت مختصة بنظر نوع معين من القضايا، ومعرفة مدى صلاحية الحكم للتنفيذ كون الحكم المستعجل والصادر في المواد التجارية صالحاً للتنفيذ بقوة القانون، لكن إغفال هذا البيان لا يؤدي إلى التجهيل فلا يترتب عليه البطلان وكذلك يجب ذكر رقم القضية وهو رقم قيدها في السجل الخاص بنوع القضية حتى يسهل الرجوع إلى السجل الخاص للتأكد من أن الدعوى رفعت طبقاً للإجراءات القانونية من عدمه، وإغفال هذا البيان أيضاً لا يؤدي إلى التجهيل ولا يترتب عليه بطلان الحكم لكن إغفال هذه البيانات يترتب عليه عيب يلحق القاضي مصدر الحكم ويؤثر على سمعته القضائية[^12].
- أسماء القضاة الذين أصدروا الحكم: وذلك حتى نتمكن من معرفة صدور الحكم من هيئة صالحة لإصداره وأن تشكيلها صحيحاً وهذا من البيانات الأساسية في ديباجة الحكم وذلك لبيان أن القضاة الذين سمعوا المرافعة هم من تداولوا وأصدروا وحضروا جلسة النطق بالحكم، وإغفال هذا البيان يؤدي إلى التجهيل بالهيئة مصدرة الحكم ويترتب عليه البطلان[^13].
- عضو النيابة وأمين سر الجلسة: لكن إغفال هذا البيان لا يؤدي إلى التجهيل فلا يترتب عليه البطلان، وإن كان يعيب الحكم شكلاً ولكن لا يبطله كونهما ليسا من هيئة الحكم وإن كانا من هيئة المحكمة[^14].
ثانيا: الوقائع:
وقائع القضية – أو ما يعرف قضاءً بمحصل القضية – هو الجزء التالي لديباجة الحكم وهي: عبارة عن محضر تبين فيه المحكمة كافة الظروف التي صدر فيها الحكم[^15] وهذه البيانات هي:
- أسماء الخصوم وصفاتهم وموطن كل منهم وحضورهم وغيابهم: ذكر أسماء الخصوم من البيانات الجوهرية، ويجب أن يكون الاسم كاملاً صحيحاً وإغفاله يؤدي إلى التجهيل بمن ترددت بينهم الخصومة، وعدم تحديد نطاق حجية الأمر المقضي، وعدم معرفة رافع الدعوى، هل له صفة في رفعها أم لا؟ لذلك إغفال هذا البيان يؤدي إلى نقض الحكم وإلغائه، أما ذكر الحضور والمحل والموطن للخصم فلا يؤدي إغفاله إلى التجهيل ولا يعد سبباً للنقض والإلغاء[^16].
- الوقائع: لابد من ذكر وقائع النزاع في الحكم ابتداءً بالدعوى وحتى حجز القضية للحكم، حيث يجب أن يشتمل الحكم على نبذة مختصرة لعريضة الدعوى متضمناً أركانها الأربعة (أطراف – سبب – محل – موضوع) وكذلك الرد على الدعوى وطلبات الخصوم ودفوعهم، وإغفالها يعيب الحكم ويجعله قابلاً للنقض والإلغاء[^17].
- أسانيد الخصوم القانونية والواقعية: وتشمل أسانيد الخصوم الأدلة الواقعية والحجج القانونية. فالأدلة الواقعية هي: أدلة الإثبات الثمانية التي نصت عليها المادة (13) من قانون الإثبات وهي (الشهادة، الإقرار، الكتابة، اليمين، القرائن، المعاينة، تقرير العدول، واستجواب الخصوم). أما الحجج القانونية فهي: ما يستند إليه الخصوم في مرافعاتهم الكتابية والشفوية من مبادئ وقواعد شرعية وقانونية ونصوص شرعية ومواد قانونية ومبادئ قضائية، ويترتب على عدم تدوين ما استند إليه الخصوم من أدلة واقعية أو حجج قانونية ضمن وقائع القضية، أو تدوينها بصورة مخلة أن يكون الحكم عرضة للطعن والإلغاء[^18].
ثالثا: أسباب الحكم:
والأسباب هي الأسس والأسانيد القانونية والحيثيات والبواعث العقلية التي يستند عليها القاضي في بناء وإصدار حكمه. والتسبيب يساعد على مراقبة حياد القاضي ومعرفة مدى احترامه لمبدأ المواجهة واحترام حق الدفاع، فهو إذاً يحفز ويدفع القاضي إلى الحرص والتثبت عند إبداء رأيه[^19]. فإن أورد القاضي تسبيبه في عبارات عامة أو تناقضت مع بعضها أو تعارضت مع المنطوق كان حكمه معرضاً للطعن بالنقض، وكذلك القصور في التسبيب يجعل الحكم باطلاً وهذا هو معنى الفقرة الأخيرة من الفقرة الأولى من المادة (292) مرافعات.
رابعا: منطوق الحكم:
ومنطوق الحكم هو قرار المحكمة الذي يتضمن حلاً في النزاع المعروض عليها وفصلاً له، وبموجبه يحصل الطرف المحكوم له على الحماية القضائية[^20]، لذا يجب أن يكون بألفاظ صريحة واضحة فإن كان في ألفاظه غموض كان معرضاً للطعن بالنقض وطلب تفسيره أما خلو الحكم من المنطوق فيؤدي إلى الانعدام لخلوه من مضمونه[^21].
خامسا: توقيع الهيئة على نسخة الحكم الأصلية:
أوصت المادة (229) مرافعات على التوقيع على نسخة الحكم الأصلية من قبل الكاتب وهيئة الحكم، بيد أن خلو نسخة الحكم من توقيع الكاتب لا يبطل الحكم، لأنه لا يترتب على ذلك أدنى تجهيل لا بالقضية ولا بالقضاة، بخلاف خلوها من هيئة الحكم فإنه يبطله لأنه يؤدي إلى التجهيل بالقضاة وبالتالي يكون مشتملاً على سبب من أسباب الطعن بالنقض[^22].
بطلان الإجراءات المؤثرة في الحكم
سيتم في هذا العنوان توضيح البطلان في الإجراءات دون الخوض في نظرية البطلان من حيث معناه وكذا شروط الطعن بالنقض لحصوله ثم بعض حالات البطلان في الإجراءات بشيء من التفصيل وذلك كالتالي:
مفهوم بطلان الإجراءات المؤثرة في الحكم
أول ما يجب علينا بيانه هنا في هذا الفرع بيان الفرق بين بطلان الحكم الذي سبق توضيحه في المطلب الأول وبطلان الإجراءات المؤثرة في الحكم والتي نوضحها في هذا المطلب وذلك في الفرعين المذكورين آنفاً، حيث أن كلاً من بطلان الحكم وبطلان الإجراءات المؤثرة فيه يؤديان إلى نتيجة واحدة هي خضوع الحكم للطعن بالنقض لتوافر سبب من أسباب الطعن بالنقض، لكن هناك فرق بينهما وهذا الفرق هو أن بطلان الحكم عيب يلحق الحكم ذاته كحكم يمنح الحماية القضائية أوجب القانون إصداره وتدوينه وفقاً لإجراءات خاصة نص عليها القانون أشرنا إليها سابقاً، أما بطلان الإجراءات المؤثرة في الحكم فلا علاقة لها بإصدار الحكم وتدوينه، وإنما هي خاصة بإجراءات الخصومة القضائية السابقة لصدور الحكم وتدوينه وتلاوة منطوقه، فلا صلة لبطلان الإجراءات المؤثرة في الحكم بالقواعد القانونية الموضوعية التي يجب تطبيقها على النزاع المطروح على المحكمة، وإنما يتعلق هذا البطلان بما يتخذه القاضي في الدعوى من أعمال إجرائية أوجب القانون اتخاذها وفقاً لمقتضيات موضوعية أو شكلية حتى يكون العمل الإجرائي صحيحاً، لتوقف رقابة المحكمة العليا على صحة وسلامة الإجراءات المتخذة في الخصومة دون الخوض في موضوعها. هذا هو أهم ما يميز أحدهما عن الآخر. يليه بيان بطلان الإجراءات المؤثرة في الحكم كما يلي:
أولا: معنى بطلان الإجراءات المؤثرة في الحكم:
إن المقصود ببطلان الإجراءات المؤثرة في الحكم هو أن يوجد عيب في الإجراءات المتخذة في الخصومة وثيقة الصلة بالحكم القضائي الصادر فيها بمعنى أن الحكم الصادر في خصومة ما إذا كان مبنياً على إجراءات باطلة، فإن بطلانها ينسحب على الحكم ذاته طبقاً لقاعدة ما بني على باطل فهو باطل وبالعودة إلى نظرية البطلان نجد قاعدة تعتبر توضيحاً للقاعدة المذكورة آنفاً حيث تقول: "إن بطلان إجراء معين يستتبع بطلان الإجراءات اللاحقة له والمترتبة عليه"[^23]، وقد أوردت هذا المعنى المادة (51) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني رقم (2) لسنة 2010م حيث جاء فيها: "لا يترتب على بطلان الإجراء بطلان الإجراءات السابقة عليه ولا الإجراءات اللاحقة عليه التي لا تكون مبنية عليه، أما الإجراءات المترتبة عليه فتبطل تبعاً لبطلانه"، فإذا كان العمل السابق مفترضاً ضرورياً لصحة اللاحق، فإن بطلان الأول ينعكس على الثاني وإن كان في ذاته صحيحاً مادام قد بني على باطل، وبنفس المعنى جاء في المادة (402) من قانون الإجراءات الجزائية رقم (13) لسنة 1994م إذ نصت على أن: "التقرير ببطلان أي إجراء يشمل بطلان كل الآثار المباشرة له"، وبناءً على ما سبق يمكننا القول بأن عريضة الدعوى مادام أنها المفترض القانوني اللازم لغالبية الأعمال الإجرائية – إذا شابها بطلان – ترتب على بطلانها بطلان الحكم الصادر فيها، إلا إذا كان الحكم الصادر فيها يقضي ببطلانها ففي هذه الحالة يكون صحيحاً لأنه مقرر لذلك البطلان[^24].
ثانيا: شروط قبول الطعن بالنقض لبطلان الإجراءات المؤثرة في الحكم:
لا يمكن قبول عريضة الطعن بالنقض مالم تتوفر شروط معينة نص عليها القانون لقبول الطعن بسبب بطلان الإجراءات المؤثرة في الحكم وهذه الشروط هي كالتالي:
- أن يكون الإجراء الباطل متعلقاً بالدعوى، سواء كان واقعاً في عريضة افتتاح الخصومة أو في إجراءات سيرها أو في أدلة الإثبات، وسواء كان من قبل القاضي أو أحد معاونيه أو شخص من الغير – كالشاهد أو الخبير – أو من أحد الخصوم، أما إذا كان البطلان قد لحق الإجراءات السابقة على انعقاد الخصومة – كإجراءات التحقيق التي تقوم بها النيابة أو إجراءات الاستدلال – فلا يعد سبباً للطعن بالنقض مالم يكن المحكوم عليه قد أثار هذه العيوب أمام المحكمة، ولم تجبه إلى طلبه لأن هذه الحالة تنفي مظنة الإهمال من رافع الطعن[^25].
- ألا يكون الطاعن هو من تسبب ببطلان الإجراء سواءً كان بشخصه أم بواسطة من يعمل باسمه فإذا كانت عريضة الدعوى باطلة وحضر المدعى عليه بناءً عليها مما ترتب زوال البطلان أو تكلم في الموضوع مما أسقط حقه في التمسك بالبطلان فإن البطلان يزول في الحالتين، ويعد الحكم الصادر في موضوعها قائماً على إجراء صحيح، وإذا كان التقرير الخبير في الدعوى باطلاً لسبب ما ولم يتمسك الخصم بهذا البطلان في الوقت المناسب وناقش تقريره من النواحي الموضوعية، فإن البطلان يزول والحكم الذي بني عليه يكون قائماً على إجراء صحيح، وكذلك إذا قام سبب من أسباب انقطاع الخصومة ومع ذلك استأنفت المحكمة السير في الدعوى لجهلها بقيام سبب الانقطاع وسارت إجراءاتها في غفلة من ذلك الذي قام به السبب ثم تنبه من يقوم مقامه بقيام الخصومة فحضر الجلسات ولم يتمسك ببطلان الإجراءات التي اتخذت أثناء فترة الانقطاع بل أجاب عليها بما يفيد اعتبارها صحيحة، فإن البطلان يزول وتصبح الإجراءات صحيحة ويجوز أن يبنى الحكم عليها[^26].
- ألا يكون قد تم تصحيح الإجراء الباطل أو تم التنازل عنه صراحة أو ضمناً مالم يكن متعلقاً بالنظام العام أو قد تم تحويله إلى إجراء آخر صحيح لأن الحكم المؤسس عليه في هذه الحالات يكون صحيحاً[^27].
- ألا يكون قد حُكم بصحة الإجراء الباطل من قبل المحكمة لأن الحكم لصحته يصححه حيث أن الحكم الذي يصدر في الموضوع بعد القضاء بصحة الإجراء الباطل يعد مبنياً على الحكم الصادر بصحة الإجراء الباطل ولا يعد في الواقع مبنياً على الإجراء الباطل ذاته، ففي هذه الحالة يكون الطعن على الحكم الصادر بصحة الإجراء ولا يجوز الاستناد إلى بطلان الإجراء ذاته[^28].
- قيام الحكم المطعون فيه على الإجراء الباطل حتى يقبل الطعن بالنقض لابد أن يكون الحكم مبنياً على ذلك الإجراء الباطل حيث جاء في السبب ذاته (أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم) أي بمعنى قيام رابطة السببية بين الإجراء الباطل وبين الحكم المطعون فيه، فإذا كان الإجراء باطلاً وصدر حكم في الموضوع فإن هذا الحكم لا يكون قابلاً للطعن فيه إذا لم يكن مبنياً على ذلك الإجراء الباطل وتقدير علاقة السببية بين الإجراء الباطل والحكم المطعون فيه تعتبر من مسائل الواقع التي تخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع[^29].
- أن يكون رافع الطعن هو نفسه المتضرر من البطلان مالم يكن البطلان متعلقاً بالنظام العام، فلكل ذي مصلحة في الخصومة التمسك به، ويمس الإجراء الباطل الطاعن بأن يلحق الضرر به، ويتحقق الضرر ويحكم بالبطلان إذا ترتب على الإجراء الذي اتخذ وكان ينطوي على عيب، وذلك لأن القانون قد أوجب على الخصم ضرورة أن تتم الإجراءات في شكل معين وقرر البطلان كجزاء إجرائي عند المخالفة سواء وقعت المخالفة من القاضي ومعاونيه أو وقعت من الخصوم، وبالتالي فإن الحكم بالبطلان يتم على أساس التفرقة بين الحالات التي نص القانون فيها على البطلان ويكون الحكم بالبطلان فيها واجباً حتى لو كان العيب أو المخالفة تافهة أو لم ينشأ عنها أي ضرر بالخصم لأن الضرر مفترض في هذه الحالة وبين الحالات التي لم ينص فيها على البطلان، وعندئذ فإنه لا يجوز الحكم بالبطلان مالم يكن الإجراء الذي وقعت مخالفته جوهرياً وأن يكون العيب الذي لحق الإجراء ضاراً بمصلحة الخصم فمثلاً إذا توفي المدعى عليه أثناء نظر الدعوى ومع ذلك استمر خصمه يوالي إجراءاته في غفلة من الورثة، فإن لهؤلاء وحدهم التمسك بإلغاء الحكم الصادر عليهم لبنائه على إجراءات باطلة وذلك لأنه أصابهم ضرر نتيجة هذا الإجراء الباطل[^30].
- أن يتمسك الطاعن بالبطلان في عريضة الطعن قبل تعرضه للموضوع وإلا سقط حقه في التمسك به مالم يتعلق بالنظام العام، بمعنى أن التعرض للموضوع يؤدي إلى تصحيح البطلان ولو لم يقصد الخصم هذا بل ولو لم يعلم بوجود سبب البطلان، حيث يجب إبداء الدفع بالبطلان في عريضة الدعوى وليس معنى هذا وجوب التمسك بالبطلان بمجرد بدء الخصومة بل معناه وجوب التمسك به قبل التعرض للموضوع ومن الجدير ذكره أنه لا يعتبر تعرض للموضوع الأعمال المختلفة التي يقوم بها الخصم بغرض التوصل إلى تحديد جلسة لنظر القضية أو بغرض التمسك بالبطلان كطلب تأجيل القضية إلى جلسة أخرى دون التحدث في الموضوع، إعلان تحديد جلسة لنظر القضية لأن ذلك مقدمة لازمة لإمكان التمسك بالبطلان[^31].
بعض حالات البطلان في الإجراءات
نذكر في هذا العنوان بعضاً من حالات البطلان في الإجراءات المؤثرة في الحكم، والتي تعد سبباً من أسباب الطعن بالنقض على سبيل المثال لا الحصر ومن هذه الحالات ما يلي:
البطلان في بعض إجراءات الخصومة:
علماً بأن الخصومة لا تتعقد بمجرد رفع الدعوى وإنما هناك إجراءات عدة تسبق انعقاد الخصومة ومن هذه الإجراءات فحص الدعوى من حيث الصفة والمصلحة وتعيين الحق المدعى به بحد أو لقب أو وصف يميزه عن غيره فإذا تبين أن فيها نقصاً أعيدت الدعوى لرافعها ليقوم بتصحيحها فإن حصل تجاهل في هذا الإجراء ولم تصحح الدعوى ومع ذلك سار القاضي في إجراءات المحاكمة وإصدار حكمه في ذلك فإن حكمه في هذه الحالة يكون باطلاً وقابلاً للطعن بالنقض ومن الإجراءات التي تنعقد بها الخصومة إعلان الخصم المدعى عليه إعلاناً صحيحاً فإن كان هذا الإعلان باطلاً ومع ذلك أصدر القاضي حكمه في القضية يكون قابلاً للطعن بالنقض لتوفر سببه[^32]. وذلك طبقاً لنص المادة (71) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني رقم (2) لسنة 2010م حيث جاء فيها ما نصه: "يشترط لقبول الدعوى شكلاً أن تكون قد رفعت إلى المحكمة بالطريقة والإجراءات الصحيحة والمواعيد المنصوص عليها في القانون وإذا تبينت المحكمة نقصاً أو بطلاناً في الإجراءات أمرت باستكمال الناقص أو تصحيح الباطل" وذكرت المادة (72) من نفس القانون أن: "تقرر المحكمة عدم قبول الدعوى شكلاً إذا عجز الخصم عن استكمال الناقص أو تصحيح الإجراء الباطل في الميعاد الذي قرره القانون لإجرائه فيه"
حصول مخالفة في درجات التقاضي أو في تقديم المستندات:
المخالفة في درجات التقاضي تعد سبباً من أسباب الطعن بالنقض وذلك إذا فوت على الخصم درجة من درجات التقاضي وكذلك تعد مخالفة لأوضاع التقاضي الأساسية مشاركة قاضٍ في نظر الاستئناف مع كونه هو من أصدر الحكم الابتدائي أو أبدى رأيه فيها أو أفتى فيها أو كان خبيراً فيها فإن مشاركته في الاستئناف تبطل الحكم وتجعله قابلاً للطعن بالنقض وأما المخالفة في تقديم المستندات والمذكرات فتحدث بعد إقفال باب المرافعة وأثناء المداولة قبل القاضي أوراقاً أو مستندات أو مذكرات من أحد الخصوم دون أن يطلع الخصم الآخر وبني حكمه مستنداً إلى ما قدم أثناء المداولة من أحد الخصوم كان حكمه باطلاً وبذلك يقبل الطعن بالنقض لتوافر سببه وهو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم.
بطلان أعمال الخبرة أو الإخلال بمبدأ المواجهة أثناء إعادة فتح باب المرافعة:
إذا قدم الخبير – الذي انتدبته المحكمة في مسألة فنية – تقريراً برأيه في تلك المسألة التي انتدبته المحكمة فيها ولكن المحكمة لم تخطر الخصوم بذلك التقرير فإنه يكون باطلاً ويبطل معه كل إجراء لاحق بني عليه، لأن ما بني على باطل فهو باطل أو أن هذا التقرير قد دفع أحد الخصوم ببطلانه وأثبت ذلك بالدليل ولكن المحكمة مع ذلك بناءً على ذلك التقرير فإن حكمها يكون باطلاً لبطلان الإجراءات المؤثرة فيه وبهذا يكون الحكم قابلاً للطعن بالنقض. أما الإخلال بمبدأ المواجهة عند إعادة فتح باب المرافعة فيحدث عندما تقرر المحكمة إعادة فتح باب المرافعة ثم قبلت من أحد الخصوم أوراقاً تتضمن دفعاً لكنها لم تمكن الخصم الآخر من الرد على الدفع المقدم وحكمت بقبول ذلك الدفع وحكمت بناءً عليه كان حكمها باطلاً قابلاً للنقض والإلغاء[^33].
هذه بعض حالات البطلان التي تعتري الإجراءات وتؤثر في الحكم المبني عليها وهناك حالات أخرى يمكن استنباطها من إجراءات المحاكمة السابقة على إصدار الحكم.
إعداد القاضي حامد محمود زايد حمود الرمادي
إشــراف الدكتـــور سعيد خالد الشرعبي أستاذ ورئيس قسم قانون المرافعات كلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء
الحواشي:
[^23]: د/ نبيل إسماعيل عمر – النظرية العامة للطعن بالنقض – مرجع سابق – ص 212؛ د/ محمد السيد عمر التحيوي – مرجع سابق – ص 113.
[^24]: د/ أحمد هندي – مرجع سابق – ص 596.
[^25]: د/ نبيل إسماعيل عمر – مرجع سابق – ص 214 – 215.
[^26]: د/ أحمد أبو الوفاء – مرجع سابق – ص 326.
[^27]: د/ نبيل إسماعيل عمر – مرجع سابق – ص 220 وما بعدها.
[^28]: د/ نبيل إسماعيل عمر – مرجع سابق – ص 220 وما بعدها.
[^29]: د/ أحمد مليجي – مرجع سابق – ص 149.
[^30]: إبراهيم أمين النفياوي – الإخلال بالواجب الإجرائي - دراسة في قانون المرافعات للواجب الإجرائي من حيث مصدره وصور الإخلال به والأثر المترتب عليه - الطبعة الأولى – دار النهضة العربية – 2011م - ص 240 وما بعدها.
[^31]: فتحي والي - نظرية البطلان في قانون المرافعات – منشأة المعارف بالإسكندرية – 1959م – ص 572 وما بعدها.
[^32]: أستاذنا الدكتور/ سعيد خالد الشرعبي – الموجز في أصول قانون القضاء المدني – مرجع سابق – ص 620.
[^33]: عامر صالح – مرجع سابق – ص 77.
[^10]: ق. د/ عبد الملك عبد الله الجنداري – مرجع سابق – ص 146.
[^11]: د/ فتحي والي – الوسيط في قانون القضاء المدني – مرجع سابق – ص 698.
[^12]: ق/ عبد الملك عبد الله الجنداري – مرجع سابق – ص 148 – 149؛ أستاذنا الدكتور/ سعيد خالد الشرعبي – الموجز في أصول قانون القضاء المدني – مرجع سابق – ص 538 – 539.
[^13]: أستاذنا الدكتور/ سعيد خالد الشرعبي – الموجز في أصول القضاء المدني – مرجع سابق – ص 539.
[^14]: ق/ عبد الملك عبد الله الجنداري – مرجع سابق – ص 148.
[^15]: أستاذنا الدكتور/ سعيد خالد الشرعبي – نفس المرجع السابق – ص 539.
[^16]: د/ محمود نجيب حسني – مرجع سابق – ص 937.
[^17]: ق/ عبد الملك عبد الله الجنداري – مرجع سابق – ص 156-157.
[^18]: أستاذنا الدكتور/ سعيد خالد الشرعبي – الموجز في أصول القضاء المدني – مرجع سابق – ص 542.
[^19]: ق/ عبد الملك عبد الله الجنداري – مرجع سابق – ص 158-159.
[^20]: أستاذنا الدكتور/ سعيد خالد الشرعبي – أصول قانون القضاء المدني – مرجع سابق – ص 541.
[^21]: د/ وجدي راغب – مبادئ قانون القضاء المدني – الطبعة الأولى – 1986م – دار الفكر العربي – مصر القاهرة – ص 32 (أشار إليه أستاذنا الدكتور/ سعيد خالد الشرعبي – أصول قانون القضاء المدني - مرجع سابق - ص 541).
[^22]: ق. د/ عبد الملك عبد الله الجنداري – مرجع سابق – ص 154.
[^1]: القواعد القانونية والمبادئ القضائية – جمع وإعداد / المكتب الفني بالمحكمة العليا – العدد العاشر – ص 325 – 326.
[^2]: ق/ عبد الملك عبد الله الجنداري – إصدار وصياغة الأحكام القضائية – الطبعة الأولى – وزارة العدل اليمنية – صنعاء اليمن – سنة 1427هـ 2006م – ص 25.
[^3]: أستاذنا الدكتور/ سعيد خالد الشرعبي – الموجز في أصول قانون القضاء المدني – مرجع سابق، ص 533.
[^4]: ق/ عبد الملك عبد الله الجنداري – مرجع سابق – ص 60.
[^5]: أستاذنا الدكتور / سعيد خالد الشرعبي – الموجز في أصول القضاء المدني – مرجع سابق – ص 536 – 537.
[^6]: ق/ عبد الملك عبد الله الجنداري – مرجع سابق – ص 78.
[^7]: ق. د/ عبد الملك الجنداري – مرجع سابق – ص 119.
[^8]: أستاذنا الدكتور / سعيد خالد الشرعبي – الموجز في أصول القضاء المدني – ص 534.
[^9]: ق. د / عبد الملك الجنداري – مرجع سابق – ص 126، 127.
