recent
جديد المشاركات

الطعن بالنقض لتعارض حكمين نهائيين في القانون اليمني

الطعن بالنقض لتعارض حكمين نهائيين في القانون اليمني


المعلوم أن الحكم القضائي هو إعلان لفكر القاضي في استعماله لسلطته القضائية وذلك أياً كانت المحكمة التي أصدرت الحكم وأياً كان مضمونه، وهو الفكر الذي يفترض المشرع تطابقه مع الحقيقة. حيث ذكر المشرع اليمني من أسباب الطعن بالنقض تعارض أو تناقض الأحكام القضائية، ويتحقق هذا التناقض بصدور حكم يخالف أو يعارض حكماً آخر سابقاً عليه متحدين في عناصر الدعوى بحيث يكون من شأن الحكم اللاحق إزالة المراكز أو الحقوق التي أنشأها الحكم السابق بإقرار وجود حق تقرر في السابق عدم وجوده أو بنفي وجود حق تقرر وجوده في السابق ولذلك سنتناول هذا البحث بالدراسة والتحليل كالتالي:

اولا: تعارض الأحكام الانتهائية

حتى يكون صدور الحكمين مسوغاً للطعن بالنقض والإلغاء لا بد من أن يكونا متعارضين، ولا يكفي التعارض وحده بل لا بد من أن يكونا انتهائيين حائزين للحماية القضائية، وهذا ما سنوضحه كالتالي:

أ. تعارض الأحكام

يعني تعارض الأحكام القضائية صدور حكمين انتهائيين اتحد فيهما الخصوم والموضوع والسبب يقضي أحدهما بنقيض ما يقضي به الآخر. وقلما يحدث هذا في الحياة العملية حيث نص القانون على عدم قبول الدعوى لسبق الفصل فيها بحكم قائم إذا اتحد الخصوم والسبب في كل من الدعوى المرفوعة والحكم القائم كما جاء في نص المادة (77) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني رقم (4) لسنة 2010م، وكذلك للخصم دفع الدعوى المرفوعة -إذا قبلتها المحكمة وسارت في إجراءات المحاكمة- لسبق الفصل فيها بحكم قائم حائز لقوة الأمر المقضي.

ورغم هذا كله نص القانون في المادة (292) من نفس القانون المذكور آنفاً على أن صدور حكمين متعارضين سبب من أسباب الطعن بالنقض لاستحالة تنفيذهما. فإذا كان تكرار حكم في ذات النزاع يشكل مخالفة قانونية، فالمخالفة القانونية موجودة حتى لو كان الحكمان متفقين في مضمون ما قضيا به؛ لتفادي استيفاء الحق من المحكوم عليه مرتين، وبذلك توجد مصلحة في إلغاء الحكم اللاحق.

فكان الأولى أن يكون سبب الطعن بالنقض صدور حكمين اتحد فيهما الخصوم والموضوع والسبب، فلا يشترط التعارض لمصلحة التعارض والاتفاق، لكن لا ضير في هذا لأن صدور حكمين متفقين يدخل تحت السبب الأول وهو مخالفة القانون. والتعارض إشكالية أكثر منها قانونية؛ حيث تعني عدم القدرة على التوفيق بينها لتنافر تقديراتها الواقعية أو القانونية، وكذلك استحالة تنفيذهما لصدورهما في اتجاهين متعاكسين؛ كأن يقضي أحدهما بثبوت حق ويقضي الآخر بنفيه فيستحيل إثبات الشيء ونفيه في آن واحد.

ولا يشترط أن يكون التعارض كاملاً، بل يكفي أن يكون من شأن أحدهما هدم ما حكم به الآخر ولو جزئياً، أما إذا كان أحد الحكمين مفسراً للآخر أو موضحاً لأغراضه ومراميه فلا يعد معارضاً له وبالتالي لا يسوغ الطعن بالنقض فيه.

ب. شروط تعارض الأحكام

1. أن يكون أحد الحكمين يقضي بعكس ما يقضي به الآخر على وجه يصعب التوفيق بينهما.

2. أن يكونا انتهائيين حائزين لقوة الأمر المقضي به.

3. ألا يكون أحدهما توكيداً أو تفسيراً للآخر أو موضحاً لأغراضه ومراميه.

4. أن يتحد الحكمان في الأشخاص والموضوع والسبب.

فإذا ما توفرت هذه الشروط وجد التعارض حقيقة وجاز من ثم الطعن بالنقض. ولمعرفة التناقض لا بد من المقارنة بين الحكمين في منطوقهما؛ لأن المنطوق هو المشتمل على قرار القاضي، لكن ليس كل ما ورد بالمنطوق فيه إذ قد ترد فيه بعض التقديرات عرضاً فلا تحوز حجية الشيء المحكوم فيه وبالتالي لا تشملها المقارنة. وبالمقابل قد يرد في المنطوق جزء من قرار القاضي بينما يذكر الجزء الآخر في الأسباب، فتحوز الأسباب حجية الشيء المحكوم فيه في تلك الفقرة ومن ثم تدخل في المقارنة. وفي حالة تحقق التعارض يرد الطعن بالنقض على الحكم الأحدث في التاريخ على أساس صدوره مناقضاً للحكم الأول.

المقصود بإنتهائية الأحكام

لقد اشترط القانون اليمني انتهائية الأحكام لجواز الطعن بها أمام المحكمة المختصة، بينما القانون المصري لم يشترط ذلك بل أجاز للخصوم الطعن بالحكم أمام محكمة النقض مادام أنه فصل في نزاع خلافاً لحكم سابق صدر بين الخصوم أنفسهم وفي نفس الموضوع وللسبب ذاته إذا كانا حائزين لقوة الأمر المقضي به.

ومعنى انتهائية الأحكام: بلوغها درجة من قوتها الإجرائية من حيث جواز الطعن فيه بالاستئناف، فتتوافر هذه الدرجة من القوة الإجرائية إذا كان صادراً من محكمة لها ولاية في إصداره منحها القانون هذه الولاية وغير قابل للاستئناف وإن كان قابلاً للطعن بالنقض أو بالالتماس.

ويكون الحكم انتهائياً في الأحوال التالية:

1. إذا كان صادراً من محكمة ابتدائية بصفة انتهائية أو قابلاً للاستئناف وقبله الخصم.

2. إذا كان صادراً من محكمة استئنافية أو أن الخصم المحكوم ضده فوت على نفسه ميعاد الاستئناف وليس له عذر مقبول.

فإذا وجد حكم من هذه الأحكام كان حائزاً لقوة الأمر المقضي فيه، فإن صدر حكم بنفس درجة الأول وكان مناقضاً له في منطوقه فللخصم أن يطعن فيه بالنقض لتوافر سببه.

ثانيا: اتحاد الدعويين

إن التعارض بين الأحكام لا يحصل إلا إذا اتحدت الدعويان في عناصرها الثلاثة: الأطراف، والموضوع، والسبب. وهذا ما سنوضحه كالتالي:

اتحاد الدعويين في الأطراف

تشتمل كل دعوى على ثلاثة عناصر هي ما يميزها عن غيرها، فإذا ما تعدد رفع الدعوى أمام القضاء واتحدت عناصرها كنا أمام دعوى واحدة تعدد رفعها إلى القاضي، أما إذا اختلف عنصر من عناصرها كانت دعاوى مختلفة خارجة عما نحن بصدده. وهذه العناصر هي: أشخاص الدعوى، ومحلها، وسببها.

ويقصد بأشخاص الادعاء: الأشخاص الذين يتمتعون بصفة إيجابية في الدعوى -وهم من يرفعون الدعوى إلى المحكمة كالمدعي والمتدخل الهجومي- أو الأشخاص الذين يتمتعون بصفة سلبية فيها كالمدعى عليهم. والمدعي هو من خالف الثابت أصلاً أو عرضاً أو فرضاً، والمدعى عليه على العكس من ذلك. فلا يتحقق التعارض ولا نذهب إلى المقارنة بين الحكمين إلا إذا كان المحكوم له والمحكوم عليه متحدين في الحكمين، أما إذا كانا مختلفين فلا مجال للبحث عن التعارض والمقارنة بينهما.

ويقصد باتحاد الخصوم اتحادهم بصفاتهم وليس بأشخاصهم، ولا يشترط لاعتبار الحكم حجة على الخصم -مع توافر شرطي اتحاد الموضوع والسبب- أن يكون حضر الخصومة بنفسه في مراحل الدعوى، بل يكفي أن يكون قد حضر بوكيل عنه يمثله قانوناً.

فلا يعد الشخص طرفاً في الحكم إلا إذا كان خصماً ظاهراً في الدعوى أو ممثلاً في الخصومة بواسطة سلفه، وبالتالي يتأثر مركزه القانوني بسبب الحكم؛ فالحكم الصادر على السلف حجة على الخلف، وأيضاً حجة على الخلف الخاص إذا كان الحكم خاصاً بما انتقل إلى أيديهم من سلفهم، أما من لم يتأثر مركزه القانوني بسبب الحكم كان من الغير، ولو كان الحكم صادراً في موضوع لا يقبل التجزئة.

اتحاد الدعويين في الموضوع والسبب

لا بد حتى يكون الحكمان متعارضين أن يتحدا كذلك في الموضوع والسبب، ولا يكفي اتحادهما في الأطراف إذا اختلفا في الموضوع أو السبب.

الاتحاد في الموضوع

موضوع الدعوى هو النتيجة الاجتماعية والاقتصادية التي يهدف إليها المدعي في دعواه. فموضوع الدعوى هو الحق الذي يطلبه الخصم أو المصلحة التي يبتغي تحقيقها من رفع دعواه، وبناءً عليه فإنه حتى يجوز الطعن بناءً على هذا السبب، فإنه يجب أن يكون موضوع الدعوى الأولى التي فصل فيها الحكم هو ذاته موضوع الدعوى الثانية بالإضافة إلى تحقق الشرطين الآخرين (وحدة الخصوم والسبب). وتتحقق وحدة الموضوع في كلتا الدعويين إذا كان الأساس الذي يقومان عليه واحداً حتى ولو كانت الطلبات متغايرة فيها؛ إذ العبرة في تحقيق هذا الشرط هو بموضوع الدعوى وأساسها لا بنوع هذه الطلبات.

الاتحاد في السبب

لا يمكن القول باتحاد الدعويين حتى يكون السبب فيهما واحداً، فالسبب هو المكمل للعنصرين السابقين. والسبب هو الواقعة أو التصرف القانوني الذي يستمد منه المدعي حقه في الطلب ورفع الدعوى أمام القضاء. فإذا ما صدر حكمان متناقضان اتحد فيهما الأطراف والموضوع والسبب وقع التعارض، وأمكن الطعن في الحكم الثاني أمام المحكمة العليا بالنقض لتحقق سببه.

author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent