قاعدة "المشقة تجلب التيسير" وتطبيقاتها في القانون والقضاء اليمني
تُعد القاعدة الفقهية الكبرى "المشقة تجلب التيسير" أحد الأركان الأساسية الشاملة التي تبين سماحة الشريعة الإسلامية ومرونتها في مواجهة الظروف الاستثنائية والطارئة. والمقصود بها أن الصعوبة والمشقة غير المعتادة التي تواجه الإنسان في حياته أو معاملاته تصبح سبباً شرعياً وقانونياً للتخفيف عنه وتيسير الأحكام عليه حمايةً لنفسه وماله.
ونظراً لأن التشريع اليمني مستمد من الشريعة الإسلامية، فقد تجسد هذا المبدأ الإنساني والقانوني العظيم في نصوص القانون المدني وقانون الجرائم والعقوبات اليمني من خلال تنظيم ما يُعرف بـ "حالة الضرورة" و"الظروف الطارئة" [0.5.1، 0.5.12]. وفي هذا المقال، سنستعرض شرحاً تفصيلياً لهذه القواعد وتطبيقاتها القضائية في اليمن.
1. الضرورات تبيح المحذورات
تفقد النصوص والأوامر الصارمة إلزاميتها المؤقتة عندما يواجه الإنسان خطراً حتمياً يهدد حياته أو سلامته أو ماله؛ فالخوف من الهلاك يُجيز ارتكاب فعل كان في الأصل ممنوعاً أو محظوراً شرعاً وقانوناً لحماية الروح والضروريات الخمس [0.5.1، 0.5.2].
- تطبيقها في القانون اليمني: تبنى المشرع هذا المبدأ كسبب من أسباب الإعفاء من المسؤولية الجنائية والمدنية. حيث نصت المادة (33) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني على أنه: (لا جريمة إذا ارتكب الفعل ضرورة لوقاية النفس أو المال...). ومن أمثلتها في القضاء: إتلاف كابلات كهربائية لمنع حريق، أو كسر قفل باب منزل لإنقاذ شخص من الموت.
2. الضرورات تقدّر بقدرها
وضعت الشريعة الإسلامية هذا القيد الصارم والميزان الدقيق لحماية الحقوق؛ والمقصود به أن إباحة المحظور عند وقوع الضرورة والمشقة ليس مطلقاً، بل يجب أن يقتصر الفعل على المقدار الأدنى اللازم لدفع الخطر والهلاك فقط دون أي توسع أو زيادة [0.5.3، 0.5.4].
- تطبيقها في القانون اليمني: يتجلى هذا الضابط بدقة في القضاء المدني والجنائي اليمني؛ فإذا تجاوز الشخص المقدار اللازم لدفع الخطر الفعلي والآني، فإنه يتحول من شخص في "حالة ضرورة" إلى شخص "متعدٍّ" ويحكم عليه القاضي بالعقوبة والتعويض بناءً على مقدار التجاوز، تطبيقاً للمبدأ القانوني المستقر بأن رخصة الضرورة تنتهي بانتهاء سببها أو تجاوز حدها.
3. الاضطرار لا يُبطل حق الغير
تُقرر هذه القاعدة ميزاناً راسخاً في العدالة وضمان أموال الناس؛ فإذا قادتك الضرورة والمشقة الملجئة إلى استهلاك مال شخص آخر أو إتلاف عقاره لتنقذ نفسك أو مالك الأثمن، فإن حالة الاضطرار تعفيك من العقوبة الجنائية، لكنها لا تعفيك مطلقاً من الالتزام المالي بجبر ضرر صاحب المال المستهلك أو التالف [0.5.11، 0.5.12].
- تطبيقها في القانون اليمني: صاغ المشرع اليمني هذا المبدأ الشرعي بدقة متناهية في المادة (309) من القانون المدني اليمني والتي نصت على: (من سبب ضرراً للغير ليتفادى به ضرراً أكبر محدقاً به أو بغيره لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسباً شرعاً). فالحق المالي للغير مصون ويجب تعويضه بقيمته العادلة حتى لو كان المتلف مضطراً.