recent
جديد المشاركات

الأمور بمقاصدها في القانون المدني اليمني

قاعدة "الأمور بمقاصدها" وتطبيقاتها في القانون والقضاء اليمني

تُعد القاعدة الفقهية الكبرى "الأمور بمقاصدها" حجر الزاوية الذي يقوم عليه تقييم الأفعال والتصرفات في الشريعة الإسلامية. والمقصود بها أن الأحكام والآثار المترتبة على تصرفات الإنسان، قوية كانت أم فعلية، تختلف باختلاف نية الفاعل وقصده من وراء هذا التصرف.
ونظراً لأن المنظومة التشريعية في الجمهورية اليمنية مستمدة من الفقه الإسلامي، فقد قنن المشرع اليمني في القانون المدني وقانون الإثبات هذه القاعدة الكلية والضوابط الفرعية المندرجة تحتها لحماية الإرادة الحقيقية للمتعاقدين وحسم النزاعات في مجلس القضاء. وفي هذا المقال، سنستعرض شرحاً تفصيلياً لهذه التطبيقات القانونية والقضائية.

1. العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني

تقتضي هذه القاعدة الجوهرية أنه عند تفسير العقود والالتزامات، لا يجوز الوقوف عند المظهر الخارجي أو الألفاظ الحرفية التي كُتبت، إذا ثبت أن النية المشتركة والحقيقية لأطراف العقد كانت تتجه إلى معنى آخر؛ فالمقاصد والغايات هي التي تُكسب العقود أحكامها الشرعية.
  • سندها في القانون اليمني: صاغ المشرع اليمني هذا المبدأ الفقهي نصاً وحرفاً في المادة (221) من القانون المدني اليمني، والتي نصت على: (العبرةُ في العقودِ للمقاصدِ والمعاني لا للألفاظِ والمباني). وتطبيقاً لذلك في القضاء اليمني: إذا كُتب عقد بصيغة "إيجار" ولكن تبين من الشروط ودفع الثمن الكامل أنه "بيع بالتقسيط"، فإن القاضي يحكم بأنه عقد بيع بناءً على المقصد والمعنى الحقيقي لا اللفظ الظاهر.

2. تخصيص العام بالنية مقبول ديانةً لا قضاءً

تتعامل هذه القاعدة مع الشخص الذي يتلفظ بلفظ عام وشامل، ولكنه يزعم في نيته الباطنة أنه كان يقصد شيئاً خاصاً ومحدداً:
  • في الدين (ديانةً): يُقبل كلامه ونيته فيما بينه وبين الله تعالى.
  • أمام المحكمة (قضاءً): لا يُقبل هذا الادعاء مطلقاً؛ لأن القاضي يحكم بالظاهر المكتوب والمنطوق لحماية استقرار الحقوق، ولا يمكنه تتبع النوايا الخفية للخصوم التي تخالف صراحة اللفظ العام.
  • تطبيقها في القانون اليمني: يستقر القضاء اليمني على أن المستندات المكتوبة (مثل البصائر والإقرارات المالية المطلقة) تأخذ بظاهرها العام. فإذا أقر شخص في وثيقة رسمية بالتنازل عن "كافة حقوقه"، فلا يقبل القاضي ادعاءه اللاحق بأنه "نوى" التنازل عن جزء معين فقط، لأن النوايا الباطنة التي تخالف صريح اللفظ لا يعتد بها القضاء.

3. مقاصد اللفظ على نية اللافظ إلا في اليمين عند القاضي

تُقرر هذه القاعدة أصلاً عاماً وهو أن مفهوم أي كلام أو تصرف يُفسر دائماً بناءً على نية واستعداد الشخص الذي نطق به (اللافظ). ولكن هذا الأصل يتوقف وينعكس تماماً في حالة واحدة استثنائية: اليمين القضائية.
  • الاستثناء في اليمين: عند توجيه اليمين الحاسمة أو المتممة أمام القاضي، فإن مقاصد الألفاظ تُفسر بناءً على نية واستعداد القاضي (المُستحلف) الذي وجه اليمين، وليس على نية الشخص الذي يحلف.
  • سندها في القانون اليمني: يتطابق هذا المبدأ تماماً مع أحكام باب اليمين في قانون الإثبات اليمني؛ فالهدف من هذا الاستثناء الصارم هو منع الشخص الذي يحلف كذباً من اللجوء إلى "التورية" أو تأويل الألفاظ في نفسه للتهرب من الحقوق، ويُعتبر الحالف ملزماً بالمعنى والنية التي قصدها القاضي والمحكمة لحسم النزاع يقيناً.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent