recent
جديد المشاركات

العادة محكمة في القانون اليمني

قاعدة "العادة محكّمة" وتطبيقاتها القضائية في القانون اليمني

تُعد القاعدة الفقهية والشرعية الكبرى "العادة محكّمة" واحدة من الركائز الأساسية التي يعتمد عليها القضاء في حسم النزاعات وتفسير العقود عند غياب النص التشريعي الصريح. والمقصود بهذه القاعدة أن العرف والعادة المعتادة بين الناس في معاملاتهم تجعل من العرف حكماً للفصل في خصوماتهم، شريطة ألا يخالف هذا العرف نصاً شرعياً قطيعاً أو دستورياً ثابتاً.
ونظراً لأن البيئة القانونية والاجتماعية في الجمهورية اليمنية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأعراف والتقاليد المستقرة (خاصة في المعاملات العقارية، والزراعية، والتجارية)، فقد قنن المشرع في القانون المدني اليمني هذه القاعدة الكلية والقواعد الفرعية المندرجة تحتها. وفي هذا المقال، سنستعرض شرحاً تفصيلياً لهذه التطبيقات القانونية والقضائية.

1. استعمال الناس حجة يجب العمل بها

تفيد هذه القاعدة أن العادة المستمرة والعمل المتواتر بين أفراد المجتمع في منطقة ما، يكتسب قوة إلزامية تُشبه قوة النص القانوني؛ فالناس إذا اعتادوا على تصرف معين في معاملاتهم، يُصبح هذا الاستعمال مرجعاً يُلزم أطراف النزاع.
  • تطبيقها في القانون اليمني: تبنى المشرع اليمني هذا المبدأ في المادة (20) من القانون المدني والتي نصت صراحة على أن: (العرفُ والعادةُ مرجعٌ من مراجعِ الأحكامِ عند عدمِ النصّ). كما يظهر ذلك جلياً في قضايا الجوار وأعراف البناء وحرمة المساكن ومساقي الأراضي الزراعية في الأرياف اليمنية، حيث يُحكم بما جرى عليه استعمال واستقرار الناس في تلك المناطق.

2. العبرة للغالب الشائع لا للنادر

عند الاحتكام إلى العرف أو العادة، يجب أن تكون هذه العادة مطردة أو غالبة وشائعة بين الناس في بلد المعاملة أو بيئتها. أما التصرفات الفردية أو العادات النادرة والأحداث الاستثنائية، فلا يُلتفت إليها ولا تُبنى عليها أحكام قضائية.
  • تطبيقها في القانون اليمني: يتجلى هذا الضابط في تفسير العقود والالتزامات؛ فالمحاكم اليمنية لا تقبل الاحتجاج بأعراف شاذة أو نادرة لدفع التزام مالي أو عقاري، بل تبحث دائماً عما استقرت عليه الأغلبية الشائعة في سوق العمل أو المنطقة الجغرافية محل النزاع لإصدار حكمها العادل.

3. الكتاب كالخطاب

تُساوي هذه القاعدة بين "الكتابة" و"النطق باللسان" في إنتاج الآثار القانونية والالتزامات؛ فكتابة الشخص لشرط أو إقرار مالي أو بيع بخط يده أو توقيعه، يعتبر شرعاً وقانوناً كأنه تكلّم به ونطق به لفظاً في مجلس العقد.
  • تطبيقها في القانون اليمني: يُعد هذا الأصل قاعدة انطلاق قانون الإثبات اليمني؛ فالكتابة والمستندات (مثل البصائر، المحررات الرسمية، الدفاتر التجارية، والاتفاقيات المكتوبة) تُعامل كأقوى وسائل الإثبات، وتُقيد بها التصرفات القانونية وفقاً لأحكام المواد المنظمة للمحررات في قانون الإثبات، حيث لا يملك العاقد التنصل مما خطه أو وقعه مدعياً أنه لم ينطق به.

4. المعروف عرفًا كالمشروط شرطاً

تُعطي هذه القاعدة للعرف المستقر منزلة "الشرط المكتوب"؛ فإذا تعاقد طرفان على أمر ما وأغفلا ذكر تفصيل معين جرى العرف والعادة على اعتباره بديهياً، يُعتبر هذا التفصيل متضمناً في العقد تلقائياً كأنه شرط مكتوب في صلب الوثيقة.
  • تطبيقها في القانون اليمني: قننت المادة (223) من القانون المدني اليمني هذه القاعدة الفقهية حرفياً حيث نصت على: (المعروفُ عُرفاً كالمشروطِ شرطاً، والتعيينُ بالعرفِ كالتعيينِ بالنصّ). ومن أمثلة ذلك في الواقع اليمني: تسليم ملحقات المبيع، أو طريقة دفع الأجور، فما جرى العرف على اعتباره واجباً يُلزم به الطرفان كأنه مكتوب.

5. المعروف بين التجار كالمشروط بينهم

هذه القاعدة هي التفريع التجاري للقاعدة السابقة؛ حيث يستقر العرف التجاري في الأسواق والبيئات المهنية على ضوابط ومصطلحات محددة (مثل مواعيد تسليم البضائع، ونسب العمولات، وطريقة فحص العيوب)، وتُعتبر هذه الأعراف ملزمة للتجار كأنهم اشترطوها صراحة في مراسلاتهم.
  • تطبيقها في القانون اليمني: يستند القضاء التجاري في اليمن إلى الأعراف السائدة في الأسواق لحل النزاعات بين الشركات والتجار عند غموض نصوص العقود التجارية أو غيابها، حمايةً لاستقرار حركة التجارة والاقتصاد، واعتباراً بأن من دخل سوق التجارة فقد ارتضى التزاماته وأعرافه المستقرة.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent