recent
جديد المشاركات

دعوى صحة ونفاذ عقد البيع العقاري في القانون اليمني

تُعتبر "دعوى صحة ونفاذ عقد البيع" (أو ما يُعرف في البيئة القضائية اليمنية بدعوى الحكم بصحة ونفاذ البيع كبصيرة عقد بيع الاراضي) من أخطر وأهم الدعاوى العقارية التي تحمي الائتمان العقاري؛ إذ لا يقتصر أثرها على إثبات توقيع البائع فحسب، بل يمتد لتطهير الملكية ونقلها بشكل رسمي. ونظراً لخطورة الآثار المترتبة عليها، فإن القضاء يتعامل معها بصرامة بالغة تفوق مجرد النظر الظاهري في بنود العقد.
وفي هذا الصدد، أرست محكمة النقض المصرية مبدأً فقهياً وقضائياً راسخاً في الطعن رقم 6968 لسنة 80 ق (جلسة 21/5/2017م) فككت فيه الجوهر الحقيقي لهذه الدعوى والالتزامات المفروضة على المحكمة عند الفصل فيها. وفي هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل مدلول هذه الدعوى كدعوى استحقاق، ووجوب بحث ملكية البائع، وسندها وتطبيقاتها في القانون والقضاء اليمني.

أولاً: الطبيعة القانونية للدعوى وهدي النقض:

حددت محكمة النقض المصرية الغاية الكبرى والأثر القانوني النهائي لدعوى الصحة والنفاذ في حكمها الفخم، وتلخص مؤداه في الآتي:

1. دعوى استحقاق

إن دعوى صحة ونفاذ عقد البيع هي دعوى استحقاق مآلاً؛ ويقصد بها تنفيذ التزامات البائع التي من شأنها نقل الملكية منه إلى المشتري تنفيذاً عينياً، وذلك بالحصول على حكم يقوم تسجيله مقام تسجيل العقد في نقل ملكية العقار المبيع للجمهور.

2. وجوب كون البائع مالكاً حقيقياً

لازمة هذا التكييف القانوني الخطير هو أن يكون البائع مالكاً في الأصل والأساس لهذا العقار بموجب سبب من أسباب كسب الملكية الشرعية والقانونية؛ إذ لا يمكن للشخص أن ينقل للغير حقاً لا يملكه، استناداً للقاعدة الكلية: (فاقد الشيء لا يعطيه).

ثانياً: التزام المحكمة ببحث ملكية البائع:

بناءً على هذا المبدأ، وضعت محكمة النقض ضابطاً موضوعياً صارماً يجب على قضاة المحاكم المدنية اتباعه عند النظر في هذه القضايا:
  • التزام فحص الملكية: يتعين على المحكمة عند الفصل في الدعوى بحث ما يثار من منازعات وعوارض بشأن ملكية البائع للمبيع.
  • عدم كفاية بيانات البصيرة: أكدت المحكمة صراحة أنه "لا يكفي حينئذٍ ما يورده البائع في العقد من بيان لسند ملكيته"؛ بمعنى أن مجرد كتابة بند في العقد يقول (آل هذا العقار للبائع بالشراء أو الإرث) لا يعفي القاضي من التحقق الفعلي وفحص الأصول والامتداد التاريخي للبصائر للتأكد من خلوها من الغصب أو البيوع الموازية.

ثالثاً: تطبيقات وسند دعوى الصحة والنفاذ في القضاء اليمني:

يتطابق المشرع اليمني وتوجهات الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في اليمن تماماً مع هذا التأصيل القضائي الرصين، ويظهر ذلك في الواقع العملي كالتالي:

1. السند في القانون المدني اليمني

نظم المشرع اليمني التزامات البائع الجوهرية في المادة (515) من القانون المدني اليمني، والتي تنص على التزام البائع بالقيام بكل ما هو ضروري من جانبه لنقل الملكية إلى المشتري، والامتناع عن أي عمل من شأنه جعل نقل الملكية مستحيلاً أو عسيراً. وبناءً عليه، فإن دعوى "صحة ونفاذ البصيرة" في اليمن هي دعوى موضوعية تهدف إلى إجبار البائع (أو ورثته) على تنفيذ هذا الالتزام عيناً.

2. الممارسات القضائية في المحاكم اليمنية:

عندما تُرفع دعوى طلب الحكم بصحة ونفاذ بصيرة شراء أمام المحاكم الابتدائية اليمنية، يطبق القضاة الأحكام التالية استرشاداً بالمبادئ المستقرة:
  • فحص "فصل البيع" والامتداد العقاري: لا يكتفي القاضي اليمني برؤية بصيرة المشتري؛ بل يُلزم المشتري بتقديم "أصول بصائر البائع" (ما يُعرف محلياً بفصل البيع أو مستندات الأسلاف) لإثبات أن العين كانت تحت يد البائع بصفة مشروعة يقيناً.
  • حسم منازعات التداخل والتصرفات الثنائية: إذا دفع أحد الخصوم (أو تدخل طرف ثالث في الدعوى) مدعياً أن البائع قد باع العقار له سابقاً، أو أن الأرض من أموال المشاع والتركة التي لم تُقسم بعد، يتوقف القاضي فوراً عن الحكم بالصحة والنفاذ، ويلتزم بـ الفصل في أصل الملكية والمنازعة أولاً؛ فإذا تبين أن البائع لا يملك العين أو تصرف فيها سابقاً بشكل نافذ، تقضي المحكمة برفض دعوى صحة ونفاذ العقد تماشياً مع كونه دعوى استحقاق.
google-playkhamsatmostaqltradent