recent
جديد المشاركات

الدفع بعدم الاختصاص النوعي في قانون المرافعات اليمني

تُعد قواعد الاختصاص القضائي الركيزة الأساسية لتوزيع العمل بين المحاكم وتنظيم سير العدالة في الجمهورية اليمنية. ويأتي "الاختصاص النوعي" في مقدمة هذه القواعد؛ إذ يحدد ولاية المحكمة وسلطتها في نظر الدعوى بحسب طبيعة الرابطة القانونية وموضوع النزاع (مثل التمييز بين ولاية المحاكم التجارية، محاكم الأحوال الشخصية، والمحاكم المدنية العادية).
ويترتب على مخالفة هذه القواعد إثارة دفع شكلي جوهري يُعرف بـ "الدفع بعدم الاختصاص النوعي". في هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل طبيعة هذا الدفع، وكيفية التمسك به، والآثار الإجرائية المترتبة عليه وفقاً لقانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني

أولاً: الطبيعة القانونية للاختصاص النوعي في اليمن (النظام العام)

أرسى المشرع اليمني قاعدة صارمة تقضي بأن قواعد الاختصاص النوعي تُعد من النظام العام نظرًا لارتباطها الوثيق بحسن سير المرفق القضائي وتوزيع التخصصات النوعية بين القضاة. ويترتب على اعتبار الدفع متعلقاً بالنظام العام الآثار الإجرائية التالية:
  • حق التمسك به للكافة: يحق لأي من أطراف الخصومة (المدعي أو المدعى عليه) التمسك بالدفع بعدم الاختصاص النوعي في أي مرحلة تكون عليها الدعوى، ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف أو المحكمة العليا.
  • واجب المحكمة: يتوجب على القاضي اليمني أن يثير الدفع بعدم الاختصاص النوعي من تلقاء نفسه فور تصفحه لأوراق القضية، حتى لو غفل الخصوم عن التمسك به أو ارتضوا المثول أمام المحكمة.
  • بطلان الاتفاق المخالف: يُعتبر أي اتفاق خاص بين المتعاقدين يقضي بنظر نزاع نوعي أمام محكمة غير مختصة نوعاً (كالاتفاق على نظر قضية طلاق أمام محكمة تجارية) اتفاقاً باطلاً ومعدوم الأثر قانوناً.

ثانياً: كيفية تقديم الدفع وإجراءات الفصل فيه

نظمت المواد من (88) إلى (92) من قانون المرافعات اليمني كيفية تقديم الدفع الشكلي بالفصل فيه على النحو التالي:

1. وقت تقديم الدفع

على الرغم من أن الدفع يتعلق بالنظام العام ويمكن إبداؤه في أي وقت، إلا أن المادة (88) مرافعات تحث الخصوم على إبداء الدفوع الشكلية معاً وقبل التكلم في الموضوع لتفادي إطالة أمد التقاضي.

2. طريقة فصل المحكمة في الدفع

عند إثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي، تكون المحكمة الابتدائية أمام مسارين:
  • الفصل المستقل: أن توقف المحكمة السير في موضوع الخصومة وتفصل في مسألة الاختصاص بموجب حكم مستقل.
  • الضم للموضوع: أن تقرر المحكمة ضم الدفع إلى الموضوع وتفصل فيهما معاً بحكم واحد، شريطة أن تبين في حيثيات حكمها رداً سائغاً على مسألة الاختصاص أولاً قبل الولوج في الحق الموضوعي.

ثالثاً: الآثار الإجرائية المترتبة على قبول الدفع بالإحالة

إذا استبان للمحكمة الابتدائية في اليمن أنها غير مختصة نوعياً بنظر الدعوى، فإنها تلتزم بإصدار حكم يقضي بعدم اختصاصها، ويرتب هذا الحكم الآثار التالية:
  • واجب الإحالة التلقائية: نصت المادة (92) من قانون المرافعات اليمني على أنه إذا قضت المحكمة بعدم اختصاصها، وجب عليها أن تأمر في نفس الحكم بـ إحالة القضية بحالتها إلى المحكمة المختصة نوعياً، مع تبليغ الخصوم بقرار الإحالة.
  • الإعفاء من الرسوم الجديدة: تعفى الدعوى المحالة من دفع رسوم قيد جديدة أمام المحكمة المحال إليها، وتستمر الإجراءات من النقطة التي توقفت عندها حماية لمصلحة المتقاضين.

رابعاً: أثر استئناف حكم عدم الاختصاص النوعي (حظر التصدي)

وضع المشرع اليمني ضابطاً مقدساً في المادة (291) من قانون المرافعات يمنع محاكم الاستئناف من التغول على سلطة محاكم أول درجة، ويُطبق كالتالي:
  1. إذا قضت المحكمة الابتدائية بعدم اختصاصها نوعياً (دون أن تفصل في الموضوع)، وقام الخصم باستئناف هذا الحكم الشكلي.
  2. إذا تبين لـ محكمة الاستئناف أن المحكمة الابتدائية أخطأت، وأنها مختصة نوعياً بنظر النزاع، فإن محكمة الاستئناف تقضي بـ إلغاء الحكم الابتدائي.
  3. حظر التصدي للموضوع: فور إلغاء الحكم، يجب على محكمة الاستئناف إعادة القضية إلى نفس المحكمة الابتدائية للفصل في موضوعها، ولا تملك شعبة الاستئناف الحق في الفصل في أصل النزاع؛ لأن المحكمة الابتدائية لم تستنفد ولايتها بالموضوع بعد، ومخالفة هذا الإجراء تبطل الحكم لخرقه مبدأ التقاضي على درجتين في اليمن
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent