recent
جديد المشاركات

الدفع بعدم الاختصاص الولائي في القانون اليمني

تُعد قواعد الاختصاص القضائي صمام الأمان لتقسيم الولاية القضائية ومنع تداخل السلطات داخل الدولة. ويأتي "الاختصاص الولائي" (أو ما يُعرف بالاختصاص الوظيفي) في قمة هذه القواعد؛ إذ يحدد حدود ولاية المحاكم التابعة للقضاء العادي وفصلها عن ولاية الجهات القضائية الأخرى (مثل القضاء الإداري، القضاء العسكري، أو اللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي).
ويترتب على مخالفة هذه الحدود إثارة دفع شكلي من أشد الدفوع خطورة يُدعى "الدفع بعدم الاختصاص الولائي". في هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل طبيعة هذا الدفع، وكيفية التمسك به، وتطبيقاته الصارمة في القانون والقضاء اليمني استهداءً بالقواعد الراسخة لمحكمة النقض المصرية.

أولاً: الطبيعة القانونية للدفع (النظام العام وهدي أحكام النقض)

أرست محكمة النقض المصرية مبدأً إجرائياً قاطعاً في الطعن رقم 19755 لسنة 88 ق (جلسة 28/ 10/ 2019م) حددت فيه طبيعة هذا الدفع ومدى اتصاله بالنظام العام، حيث قضت بأن:
«الدفع بعدم الاختصاص الولائي أو القيمي أو النوعي يعتبر دائماً مطروحاً على محكمة الموضوع لتعلقه بالنظام العام، ولو لم يُدفع به أمامها...».

الآثار الإجرائية المترتبة على اتصاله بالنظام العام:

بناءً على هذا المبدأ الذي يتطابق فيه الفقه والقانون، يترتب على كون الدفع بعدم الاختصاص الولائي متعلقاً بالنظام العام الآثار القضائية التالية:
  • عدم سقوط الحق في إبدائه: لا يسقط حق الخصوم في التمسك بالدفع في أي مرحلة تكون عليها الدعوى، وحتى لو تنازل عنه الخصوم صراحة أو ضمناً، فإن تنازلهم يقع باطلاً ومعدوم الأثر.
  • إبداؤه لأول مرة أمام المحكمة العليا: يجوز للدفاع إثارة هذا الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض (المحكمة العليا) شريطة ألا يتطلب الفصل فيه تحقيقاً موضوعياً جديداً خارج عناصر الدعوى المرفوعة.
  • إثارته تلقائياً من القاضي: تلتزم المحكمة بإثارة الدفع من تلقاء نفسها فور تبينها انعدام ولايتها الوظيفية بنظر النزاع.

ثانياً: أحكام الاختصاص الولائي في قانون المرافعات اليمني

تبنى المشرع اليمني هذا التأصيل الإجرائي الصارم، ونص عليه صراحة في قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م وتعديلاته في المواضع التالية:

1. السند التشريعي المباشر

أكدت المادة (78) من قانون المرافعات اليمني حرفياً على طبيعة هذا الدفع صراحة حيث نصت:
(الدفعُ بعدمِ اختصاصِ المحكمةِ لعيبٍ في ولايتها أو بسببِ نوعِ الدعوى أو قيمتِهَا مُتعلقٌ بالنظامِ العامِ، وتَقضي بهِ المحكمةُ من تلقاءِ نفسِها، ويجوزُ الدفعُ بهِ في أيِّ حالةٍ تكونُ عليها الدعوى).
ويتطابق هذا النص التشريعي اليمني تماماً في الحكم والأثر الإجرائي مع المبدأ المستقر الصادر عن محكمة النقض المصرية في الطعن المذكور.

2. التزام المحكمة بالفصل والإحالة في اليمن

إذا ثبت للمحكمة الابتدائية في اليمن انعدام اختصاصها الولائي (كأن تُرفع أمامها دعوى بإلغاء قرار إداري صادر عن جهة حكومية، وهي مسألة تخرج عن ولاية القضاء المدني وتدخل في اختصاص وعمل القضاء الإداري)، فإنها تلتزم طبقاً لـ المادة (92) مرافعات يمني بالآتي:
  • الحكم بعدم اختصاصها ولائياً بنظر الخصومة.
  • الأمر في نفس الحكم بإحالة القضية بحالتها إلى الجهة القضائية المختصة ولائياً (مثل المحكمة الإدارية)، مع تبليغ الخصوم، مما يحمي الحقوق من الضياع ويمنع تجديد الرسوم.

ثالثاً: توجهات المحكمة العليا اليمنية في رقابة الاختصاص الولائي

تفرض الدوائر المدنية والتجارية بالمحكمة العليا في اليمن رقابة صارمة على الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف والمنتهكة لقواعد الاختصاص الولائي، مستندة إلى المبادئ التالية:
  • بطلان الأحكام المتجاوزة للولاية: يُعتبر الحكم الصادر من محكمة مدنية عادية في مسألة تخرج عن ولايتها وظيفياً (كالمسائل العسكرية الصرفة، أو المنازعات الضريبية المحصنة بلجان طعن خاصة) حكماً باطلاً بطلاناً مطلقاً لصدوره من جهة لا تملك ولاية القضاء فيه.
  • إلغاء الحكم والتصدي التلقائي: تملك المحكمة العليا اليمنية، عند نظر الطعن بالنقض، كامل السلطة في إثارة الدفع بعدم الاختصاص الولائي من تلقاء نفسها وإلغاء حكم محكمة الاستئناف والابتدائية معاً، والقضاء مجدداً بإحالة النزاع للجهة صاحبة الولاية القانونية والشرعية الفعالة، حمايةً لحجية النظام القضائي العام في البلاد.

author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent