recent
جديد المشاركات

أصل البراءة في المتهم في القانون اليمني

أصل البراءة في المتهم: الحماية الدستورية والضمانات الإجرائية في القانون اليمني

يُعد مبدأ "أصل البراءة" (Presumption of Innocence)، أو ما يُعرف فقهياً وقانونياً بـ "افتراض البراءة في المتهم"، الركيزة الأساسية التي يقوم عليها القضاء الجنائي الحديث، وصمام الأمان لحماية حريات المواطنين من التعسف أو الاتهامات الكيدية. فالقانون الجنائي لا يبنى على الشك أو التخمين، بل يقوم على اليقين المطلق، لأن حماية بريء واحد مقدّمة دائماً على معاقبة مجرم.
وفي البيئة القضائية بالجمهورية اليمنية، يحظى هذا المبدأ بحماية دستورية وتشريعية صارمة مستمدة من الشريعة الإسلامية والقوانين النافذة. وفي هذا المقال، نفصل الأبعاد القانونية لأصل البراءة، والآثار الإجرائية المترتبة عليه أمام المحاكم والنيابة العامة.

1. التأصيل الدستوري والشرعي لمبدأ أصل البراءة

ينطلق المشرع اليمني في إقرار هذا المبدأ من القاعدة الفقهية الإسلامية الكبرى: «الأصل في الإنسان براءة الذمة»، وقاعدتها المكملة «اليقين لا يزول بالشك».
وقد صاغ الدستور اليمني هذا المبدأ كحق دستوري للمواطن، وجاءت المادة (4) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني لتقننه إجرائياً بنصها:
«المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات، ويفسر الشك لمصلحة المتهم».
ويعني هذا النص أن مركز المتهم طوال فترة التحقيق والمحاكمة هو مركز "الإنسان البريء"؛ فلا يجوز التعامل معه كمدان أو مجرم بمجرد توجيه التهمة إليه، وتظل هذه البراءة ملازمة له حتى يصدر حكم قضائي بات (استنفد كافة طرق الطعن من استئناف ونقض) يقضي بإدانته

2. الآثار الإجرائية المترتبة على أصل البراءة

يترتب على تمسك القضاء اليمني بأصل البراءة عدة آثار إجرائية بالغة الأهمية تحكم سير العدالة الجنائية:
  • أولاً: عبء الإثبات يقع على عاتق النيابة العامة: بما أن المتهم بريء أصلاً، فإنه غير ملزم بإثبات براءته؛ بل يقع عبء إثبات التهمة كاملاً على عاتق سلطة الاتهام (النيابة العامة). فإذا عجزت النيابة عن تقديم أدلة يقينية قاطعة تدمر أصل البراءة، وجب على المحكمة الحكم ببراءة المتهم فوراً.
  • ثانياً: تفسير الشك لمصلحة المتهم: إذا قدمت النيابة أدلة، ولكن تداخل معها الشك أو الاحتمال، أو تساوت أدلة الإثبات مع أدلة النفي؛ فإن القاضي الجنائي ملزم قانوناً بتفسير هذا الشك لصالح المتهم والحكم ببراءته، عملاً بالقاعدة القضائية: (لأن يخطئ القاضي في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة).
  • ثانياً: استثنائية الحبس الاحتياطي: بما أن الأصل هو الحرية والبراءة، فإن الحبس الاحتياطي (التحفظي) أثناء مرحلة التحقيق هو إجراء استثنائي وله ضوابط زمنية وموضوعية صارمة في القانون اليمني، لا يلجأ إليه عضو النيابة إلا إذا خيف هرب المتهم، أو طمس أدلة الجريمة، أو إذا كانت الجريمة من الجرائم الجسيمة الخطرة.

3. حماية المتهم من الإكراه المادي والمعنوي

امتداداً لحماية أصل البراءة، جرم القانون اليمني أي وسيلة غير مشروعة تُتخذ لانتزاع الاعتراف من المتهم:
  • بطلان الاعتراف الوليد الإكراه: تنص القوانين الجزائية اليمنيّة صراحة على بطلان أي اعتراف أو أقوال يُدلي بها المتهم تحت وطأة التعذيب، أو التهديد، أو الإكراه المادي والمعنوي، أو الوعد والوعيد.
  • الأثر القضائي: إذا ثبت للمحكمة أن مأمور الضبط القضائي (البحث الجنائي) أو محقق النيابة استعمل الشدة مع المتهم، فإن المحكمة تسقط الاعتراف تماماً من أوراق القضية وتعتبره كأن لم يكن، تعزيزاً للقاعدة الإجرائية: (ما بُني على باطل فهو باطل).

خلاصة واستنتاج للمتقاضين والمحامين

إن أصل البراءة في المتهم ليس مجرد شعار قانوني، بل هو سياج دستوري يحمي المنظومة القضائية من الانزلاق نحو الأحكام الظنية. إن دور المحامي الجنائي الحذق يبدأ من التمسك بهذا الأصل، وتفنيد أدلة الاتهام لإبراز مواطن الشك فيها، ليظل القضاء حارساً أميناً للحريات، كافلاً للعدالة، ومطبقاً لسيادة القانون التي لا تضار في ظلها براءة إنسان.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent