recent
جديد المشاركات

الشركات التجارية وعقود الشراكة غير الرسمية في اليمن

الشركات التجارية وعقود الشراكة غير الرسمية في القانون اليمني: المخاطر والآثار القانونية

يلجأ الكثير من التجار والمستثمرين في السوق اليمني—هرباً من الإجراءات الروتينية أو الرسوم الضريبية—إلى إبرام عقود شراكة تجارية مكتوبة بخط اليد أو معمدة عرفياً دون استكمال إجراءات القيد والشهر القانونية لدى وزارة الصناعة والتجارة ومكاتبها في المحافظات. وتُعرف هذه العقود في الفقه القضائي بـ "عقود الشراكة غير الرسمية".
بالرغم من أن هذه العقود تنظم العلاقة "الداخلية" بين الشركاء، إلا أنها تحمل مخاطر كبرى وثغرات إجرائية قد تؤدي إلى ضياع رأس المال وتفكك الشراكة عند أول نزاع مالي. في هذا المقال، نفند الوضع القانوني لهذه الشركات والآثار المترتبة عليها وفقاً لقانون الشركات التجارية اليمني.

1. التكييف القانوني للشراكة غير الرسمية (بطلان الشخصية الاعتبارية)

يقسم قانون الشركات اليمني الشركات إلى نوعين من حيث الشكل: شركات رسمية مشهرة، وشركات مستترة أو واقعية.
  • انعدام الشخصية الاعتبارية: تنص المادة (11) من قانون الشركات التجارية اليمني على أن الشركة لا تكتسب الشخصية الاعتبارية المستقلة (التي تجعل للشركة ذمة مالية منفصلة عن ذمم الشركاء) إلا بعد إتمام إجراءات القيد في السجل التجاري ونشر عقد التأسيس في الجريدة الرسمية.
  • تحولها لشركة محاصة أو شركة واقع: العقد غير الرسمي يُكيف قضائياً كـ "شركة محاصة" (إذا كانت مستترة عن الغير) أو "شركة واقع" (إذا ظهرت للجمهور دون ترخيص). وفي كلتا الحالتين، يعتبر القانون أن الشركة لا وجود لها ككيان قانوني مستقل، بل يتم التعامل مع الشركاء كأفراد عاديين يمارسون التجارة معاً

2. المخاطر القانونية والمالية لعقود الشراكة العرفية

يترتب على إهمال إشهار الشركة الرسمية عدة مخاطر قانونية فادحة يتحملها الشركاء، ومن أبرزها:
أولاً: المسؤولية الشخصية والتضامنية المطلقة عن الديون
في الشركات الرسمية (كالشركات ذات المسؤولية المحدودة)، لا يسأل الشريك عن ديون الشركة إلا بقدر حصته في رأس المال. أما في الشراكة غير الرسمية:
  • المسؤولية المطلقة: يكون جميع الشركاء مسؤولين بالتضامن والتكافل في أموالهم وعقاراتهم الخاصة عن سداد أي ديون أو التزامات تجارية نشأت لصالح الغير باسم الشراكة. ويحق للدائنين الحجز على أموال الشريك الشخصية لاستيفاء ديونهم.
ثانياً: عدم جواز الاحتجاج بالعقد في مواجهة الغير
إذا أبرم الشركاء بنداً في عقدهم غير الرسمي يقضي بتحديد صلاحيات أحد الشركاء، أو يمنعه من الاقتراض باسم الشراكة، ثم قام هذا الشريك بمخالفة البند والتعاقد مع تاجر آخر:
  • حماية الغير حسني النية: لا يحق للشركاء الاحتجاج بهذا العقد العرفي لإبطال التصرف أمام الغير؛ فالقانون اليمني يعتبر العقود غير المشهرة سرية ولا تسري في مواجهة المجتمع، ويكون التصرف نافذاً ويلتزم بقية الشركاء بالتعويض.
ثالثاً: صعوبة إثبات الأرباح وتصفية رأس المال عند النزاع
عند حدوث خلاف بين الشركاء ووفاة أحدهم، تظهر العقبة الكبرى في إثبات الحصص:
  • عقبات الإثبات: ترفض البنوك والجهات الرسمية فتح حسابات مصرفية أو تسجيل عقارات وسيارات باسم شركة غير رسمية، مما يضطر الشركاء لتسجيلها باسم أحد الشركاء شخصياً. وفي حال حدوث نزاع، يسهل إنكار الحقوق وتتحول القضية إلى نزاع مدني طويل ومعقد يفرضه "محل الإثبات" وصعوبة جرد الأصول.

3. المعالجة القانونية: كيف تحمي شراكتك التجارية في اليمن؟

لتفادي المخاطر السابقة وتحصين رأس المال، يوجب القانون على التجار اتباع الخطوات التالية:
  1. صياغة عقد التأسيس والنظام الأساسي: بواسطة محامٍ متخصص مستوفياً الشروط القانونية المقررة في قانون الشركات المعدل.
  2. التوثيق والقيد الرسمي: تعميد العقد لدى محكمة التوثيق، ثم تقييده في السجل التجاري بوزارة الصناعة والتجارة واستخراج السجل التجاري والبطاقة الضريبية والتراخيص اللازمة باسم الشركة.
  3. التسجيل الفوري للأصول: نقل ملكية كافة أراضي، وعقارات، وسيارات الشراكة من الأسماء الشخصية للشركاء إلى الاسم التجاري للشركة فور اكتسابها الشخصية الاعتبارية.

خلاصة وتوجيه عملي

إن عقود الشراكة غير الرسمية في اليمن هي بمثابة قنابل موقوتة تهدد الاستثمارات المالية؛ فالأمان التجاري لا يتحقق بمجرد الثقة المتبادلة أو الأوراق العرفية. إن صهر الشراكة في قالب قانوني رسمي ومشرع هو السياج الوحيد الذي يحمي ذمم الشركاء المالية الخاصة، ويمنح الشركة القوة القانونية للنمو، والمقاضاة، والتعاقد تحت سيادة القانون وضماناته.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent