تُعد مؤسسة الزواج الركيزة الشرعية والاجتماعية الأسمى لبناء الأسرة المعافاة وصيانة العفة وحفظ الأنساب في المجتمع؛ لذا أحاطت الشريعة الإسلامية والقوانين الآمرة عقد النكاح بسياج من الشروط والضمانات الإجرائية والموضوعية التي تكفل استقراره ونمو المودة بين أطرافه. ومن طليعة هذه الضمانات نظام "الولاية في النكاح" ونظام "الكفاءة الزوجية"، واللذان وُضعا أصلاً لرعاية مصلحة المرأة وصونها وحمايتها من عواقب الاختيارات العشوائية التي قد تلحق بها أو بأوليائها التعيير والأذى. [1]
ومع ذلك، تشهد قاعات محاكم الأحوال الشخصية بالجمهورية اليمنية خصومات أسرية بالغة الحساسية، تنشأ عندما يساء استخدام هذه السلطة الشرعية؛ فيقوم الولي بـ "العضل" ومنع موليته من الزواج بكفئها تعنتاً أو لابتزازها ماديّاً، أو على النقيض، عندما تقوم المرأة البالغة بتزويج نفسها من غير كفء مما يثير منازعات الفسخ من الأولياء. في هذه الدراسة المعمقة والموسعة، نفند بالتأصيل الفقهي والتحليل التشريعي أحكام عضل الولي وشروطه، وتكييف الكفاءة ومذاهب الفقهاء فيها، والمسار الإجرائي الذي رسمه قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم (20) لسنة 1992م وتعديلاته لتدخل القاضي ورفع الظلم.
1. شروط الولي والتكييف الفقهي لصفة "العدالة"
يقوم نظام الولاية على تفويض شرعي يستلزم توافر أهليّة سلوكية مجهرية في شخص الولي وقت إبرام العقد: [1]
أ. الشروط الاتفاقية لأهلية الولي
أجمع فقهاء الإسلام على اشتراط ركيزتين جوهريتين في الولي: الأولى أن يكون كامل الأهلية (بالغاً، عاقلاً، حراً)، والثانية اتحاد الدين بين الولي والمولى عليها؛ فلا ولاية لغير مسلم على مسلمة لقوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض).
ب. النزاع الفقهي في اشتراط "عدالة الولي" وموقف التشريع
ثار خلاف فقهي عميق حول مدى اشتراط العدالة في الولي وحظر تزويج الفاسق: [1]
- الاتجاه الأول: يذهب الإمامان الشافعي وأحمد (في أحد قوليهما) إلى أن العدالة شرط صحة؛ لقوله ﷺ: «لا نكاح إلا بولي مرشد»، والفاَسق لا يُعد مرشداً ولا يولى على غيره.
- الاتجاه الثاني: يذهب الإمامان أبو حنيفة ومالك، ويوافقهما المذهب الجعفري وفقه الزيدية المستقر، إلى أن العدالة ليست شرطاً إنقاذياً؛ فيجوز للأب الفاسق تزويج ابنته. غير أن الفقهاء قيدوا نفاذ عقد الفاسق المتهتك بـ "شرط المصلحة المحققة للمرأة"؛ فإذا زوجها من غير كفء أو بأقل من مهر المثل، وقع عقده باطلاً وموقوفاً، ويُعامل معاملة الأب المعروف بسوء الرأي والاختيار حماية للمرأة من التبديد، صوناً للقاعدة الفقهية الكبرى: «الضرر يُزال». [1]
2. عبارة المرأة في عقد النكاح وسلطان الإرادة
يُعد مدى استقلال المرأة البالغة العاقلة بتزويج نفسها دون ولي واحداً من أدق محاور فقه الأحوال الشخصية المعاصر: [1]
أ. رأي الجمهور وحظر الانفراد بالعقد
يذهب أئمة المذاهب الثلاثة (مالك، والشافعي، وأحمد) إلى الحظر المطلق لمباشرة المرأة العاقلة لعقد النكاح بنفسها أو بوكيل أجنبي تفتقر لولايته؛ واعتبروا أن عقود النكاح المبرمة بعبارة النساء هي عقود باطلة من أول الأمر لقوله ﷺ: «لا نكاح إلا بولي». [1]
ب. رأي أبي حنيفة والمرونة التشريعية اليمنية
انفرد الإمام أبو حنيفة بـ جواز تفرد المرأة البالغة العاقلة (بكراً أم ثيباً) بتزويج نفسها بعبارتها دون ولي، ولكن اشترط للزوم العقد واستقراره أن تضع نفسها في كفء وبمهر المثل، فإن وضعت نفسها في غير كفء، ثبت للأولياء حق الاعتراض والفسخ القضائي. وقد اقتبس قانون الأحوال الشخصية اليمني حلاً وسطاً عبقرياً يزاوج بين الآراء؛ فجعل رضى المرأة ركناً جوهرياً وحظر إكراهها، وجعل الولي متولياً للصيغة، فإن امتنع تعنتاً تداخل القاضي نيابة عنه. [1, 2]
3. التكييف القضائي لـ "العضل" والتمييز بين المنع المشروع والظلم
العضل فقهياً وقانونياً هو منع الولي لموليته البالغة العاقلة من الزواج بكفئها الصالح إذا طلبت ذلك ورغبت فيه بمهر المثل. ويقسم القضاء مسار الامتناع إلى منحيين حاسمين: [1]
أ. صور المنع المشروع (حالات انتفاء العضل)
لا يُعد الولي عاضلاً ولا ظالماً، وتثبت ولايته المطلقة، إذا كان امتناعه مستنداً لسبب شرعي مبرر ومستمد من مقتضيات المصلحة، ومن صوره: [1]
- عدم الكفاءة ومحل النزاع: إذا أثبت الولي أن الخاطب المتقدم غير كفء لموليته في الدين والخلق.
- شبهة بخس المهر: إذا عرض الخاطب مهراً يقل بصفة فاحشة عن مهر مثلها ولم ترتضِ العائلة ذلك حماية من عيوب الغبن.
- طلب المهلة العرفية للتريث: إذا طلب الولي مهلة معقولة ومتسامح فيها عادة وأعرافاً للتحري والاستكشاف عن سيرة الخاطب وأخلاقه، وهو ما قيدته المادة (19) من قانون الأحوال الشخصية اليمني بسقف زمني لا يتجاوز شهراً واحداً. [1]
ب. صور العضل الجائر (المنع غير المشروع)
ينقلب الولي عاضلاً وظالماً بقوة القانون وتنتقل الولاية عنه حتماً للقاضي في الحالات التالية:
- الابتزاز المالي للزوجة: إذا امتنع الولي عن تزويج موليته من كفء صالح حتى تهب له مهرها المقبوض، أو تتنازل له طوعاً وقسراً عن حصتها الشرعية في التركة والإرث العقاري المشترك.
- ابتزاز الخصم الخاطب (طلب الجباية): امتناع الولي وجحده للزواج حتى يسلم له الخاطب كفالة مادية أو يفرض مبالغ مالية باهظة ومستحدثة تخرج عن حدود المروءة وتجهيز المرأة مما يعتاد أوساط الناس عمله تكريماً لها.
- المنع لعلة تقليل المهر تيسيراً: إذا امتنعت الإدارة الأبوية عن تزويج البالغة الراضية بذريعة قبولها بمهْر يسير؛ فالقانون اليمني يعتبر المهر حقاً خالصاً للمرأة ولها إسقاطه تيسيراً وتبركاً بالحديث النبوي: «أعظم النساء بركة أيسرهن مئونة»، ومنعها من الاقتداء بالتيسير عضل موصل لإسقاط الولاية. [1, 2, 3]
4. أحكام "الكفاءة الزوجية" ومذاهب الفقهاء فيها
الكفاءة لغة هي المماثلة والتساوي، واصطلاحاً هي مقاربة مخصوصة بين الزوجين تمنع حدوث التعيير والأذى المعنوي للأسر والورثة وضياع استقرار المراكز المعيشية. وانقسمت المذاهب في تحديد عناصرها إلى اتجاهات معتبرة في قضاء الأحوال الشخصية: [1, .