تُعد مؤسسة الزواج والروابط الأسرية الركيزة الشرعية والاجتماعية الأولى لبناء مجتمع مسلم مستقر تسوده الطمأنينة، والمودة، والسكينة. ولأن عقد النكاح يرتب التزامات ومآلات مصيرية ممتدة تمس حياة الفرد، فقد اشترط الفقه الإسلامي والقانون اليمني توافر "الرضا الكامل والإرادة الحرة الحقيقية" لدى طرفي العقد كأصل ثابت لاستقرار العشرة وحفظ الأنساب. ومع ذلك، لا تزال ظاهرة "إكراه المرأة على الزواج" من قِبل بعض الأولياء العصبة تشكل تحدياً حقوقياً وقضائياً بارزاً في المجتمع؛ نتيجة تغلغل العادات والتقاليد الجائرة، أو الفهم المغلوط لدى العامة لبعض الاجتهادات الفقهية المتقدمة.
تكتظ محاكم الأحوال الشخصية بالجمهورية اليمنية بخصومات معقدة تطلب "إبطال وعزل عقود نكاح بنيت على القسر والإكراه"، لاسيما في قضايا زواج الأقارب أو إجبار الفتاة على الزواج لأغراض مادية وعشائرية، مما يفرز آثاراً مدمرة تعصف بالأبناء وتورث الشقاق والصراع بين العوائل. في هذه الدراسة المعمقة والموسعة (المستندة لأطروحات كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء للبروفيسور عبد المؤمن شجاع الدين)، نفند بالتأصيل الفقهي والتحليل التشريعي ماهية إكراه المرأة على الزواج، تكييفه وأثره على رتبة العقد، وموقف قانون الأحوال الشخصية اليمني مع بيان أوجه القصور الإجرائية والتوصيات العملية لإيجاع الحماية التشريعية الصارمة.
1. ماهية الإكراه على عقد الزواج وتكييفه الفقهي
يقوم نظام الإكراه في النكاح على سلب الإرادة والاختيار الواعي، وينقسم أثره بحسب الشخص الواقع عليه التعدي:
أ. التعريف الاصطلاحي للجريمة
يُعرف الإكراه شرعاً بتهديد المرأة البالغة العاقلة لإجبارها على الزواج، وهو ما يعادل سلب إرادتها وحملها على ما لا ترضاه. ويتمثل هذا الفعل في إجبار الولي للمرأة على الاقتران بمن لا ترغب، مما يمثل تكييفاً فقهياً مباشراً لجريمة الإكراه.
ب. أثر الإكراه الواقع على الولي من الغير
عندما يتعرض الولي لإكراه خارجي (تهديد أو حبس) لإجباره على تزويج من تحت ولايته، اختلف الفقهاء:
- الحنفية: ذهبوا إلى صحة ونفاذ عقد الزواج، قياساً على إجازة العقد مع الهزل، استناداً إلى حديث "ثلاث جدهن جد...".
- جمهور الفقهاء (مالك، الشافعي، أحمد، الزيدية، الظاهرية): يذهبون إلى بطلان العقد، مستدلين بحديث "رفع عن أمتي... ما استكرهوا عليه"، وبواقعة خنساء بنت خزام التي رد النبي ﷺ نكاحها، وهو القول الراجح.
2. أحكام إجبار البكر البالغة في الفقه الإسلامي
يُنظر في هذا السياق إلى نوعين من الآراء:
أ. القول الأول: ثبوت "ولاية الإجبار" للأب والجد
يرى الشافعية والحنابلة والمالكية أن للأب والجد الحق في تزويج البكر البالغة دون إذنها، مستندين إلى ظاهر حديث "إذنها صماتها" وأن البكارة تستوجب الحياء.
ب. القول الثاني: الحظر المطلق لإكراه البكر (القول المختار)
يذهب أصحاب الرأي، والأوزاعي، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني وغيرهم إلى أن إجبار البكر البالغة باطل، وأن العقد موقوف على إجازتها، مستدلين بحديث "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن". وقد أكد ابن القيم أن قواعد الشرع تمنع الولي من التصرف في أموال المرأة دون رضاها، فمن باب أولى في نفسها.
3. إكراه المرأة على الزواج في قانون الأحوال الشخصية اليمني
يواجه النص القانوني تحديات في التطبيق:
أ. حجية المادة (10) وعيب إسقاط الرضا من الأركان
تنص المادة (10) من القانون رقم (20) لسنة 1992م على بطلان عقد الزواج المبني على الإكراه. ومع ذلك، تغفل المادة (7) والـ(8) ذكر "الرضا" كشرط صحة صريح، مما يسبب تذبذباً قضائياً حول تكييف العقد (هل هو باطل مطلقاً أم فاسد).
ب. غياب المرأة وثغرات الإثبات الجمركي أمام الأمين
بسبب الأعراف، تبرم العقود غالباً في غياب المرأة، حيث يكتفي الأمين ببصمتها على بياض، مع شهادة الشهود على الولي فقط، مما يفرغ الحماية من مضمونها ويجعل التزوير ممكناً.
4. الخريطة الإجرائية والتوصيات التشريعية لتفعيل الحماية
لسد الثغرات، يقترح البحث:
أ. التعديلات التشريعية المستحقة لقانون الأحوال الشخصية
- صراحة رتبة العقد الباطل: تعديل المادة (10) للنص على البطلان المطلق، وإضافة الرضا كشرط جوهري في المادة (7).
- استحداث العقوبة الجزائية الرادعة: معاقبة الولي المكره بالسجن.
- إلزامية شهادة الشهود على الرضا: تعديل المادة (9) لتشمل توثيق الرضا الصريح للمرأة.
ب. الضوابط الإدارية والعملية لتنفيذ عقود النكاح
- تحديث نماذج وثائق الزواج لتتضمن توقيع المرأة.
- إلزامية حضور المرأة مجلس العقد للتحقق من هويتها ورضاها.
- تفعيل ورش العمل للأمناء للكشف عن عيوب الإرادة.
خلاصة واستنتاج وتوجيه عملي
إن إكراه المرأة على الزواج محظور قانوناً (المادة 10) وشرعاً، لكن الثغرات الإجرائية تعيق تطبيقه. يوصي البحث المحامين بالمسارعة في قيد دعاوى بطلان النكاح للإكراه وتوثيق الأدلة (شهادات، رسائل).