تقرير الطعن بالاستئناف الجنائي في القانون اليمني
الطعن بالاستئناف من أهم طرق الطعن العادية التي كفلها الدستور والقانون ضماناً لتحقيق العدالة، يرفع أمام محكمة أعلى درجة – محكمة الاستئناف – لإعادة النظر في الحكم الابتدائي بتصحيح ما قد يشوب الحكم من خطأ في تطبيق القانون أو في تقدير الوقائع والأدلة، بخلاف الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا الذي يقتصر على المسائل القانونية باستثناء أحكام الإعدام قصاصاً أو حداً أو تعزيراً.
وتكمن أهمية الطعن بالاستئناف في أنه أحد أهم الضمانات القانونية لأطراف الخصومة الجزائية في المحاكمة العادلة، وركيزة أساسية للعدالة، إذ الدعوى الجزائية لا يفصل فيها نهائياً من قبل قاضٍ واحد أو هيئة حكم ابتدائي، بل يتاح للأطراف عرض قضيتهم مرة أخرى أمام محكمة درجة أعلى وذلك لضمان عدم حصول تسرع في حكم محكمة أول درجة، كما أنه يتيح الفرصة لتصحيح الأخطاء في فهم تقدير الوقائع أو الأدلة، والخطأ في تطبيق أو تفسير النص القانوني بشكل غير دقيق.
مدة الطعن بالاستئناف
يكفي في الاستئناف تقريره من أطراف الخصومة الجزائية في دائرة كتاب المحكمة التي أصدرت الحكم أو دائرة كتّاب محكمة الاستئناف خلال مدة (15) يوماً، ومن النائب العام خلال مدة (40) يوماً، تبدأ من تاريخ النطق بالحكم، وللمتهم الفار من تاريخ تسليم نفسه أو من تاريخ القبض عليه، وإذا كان الحكم غيابياً فإنّ ميعاد الطعن لا تبدأ من تاريخ النطق بالحكم وإنما من تاريخ إعلان المحكوم عليه بالحكم أو من تاريخ سقوط حقه في المعارضة حسب المادة (421) من قانون الإجراءات الجزائية.
معنى عبارة تقرير الطعن بالاستئناف:
إنّ عبارة ( بتقرير ) الواردة في نص المادة 421 إ.ج، يعني ذلك المحضر الذي يحرره موظف قلم الكتاب يثبت فيه حضور صاحب الشأن أمامه وطلبه بتدوين إرادته استئناف الحكم، أما غير ذلك فلا يعد تقرير بالاستئناف ولو كانت عريضة استئناف بالأسباب التي لا حاجة لها أصلاً، لأن الحق للطاعن بالاستئناف يكفي بالإفصاح عن إرادته من خلال تدوين تلك الإرادة في محضر أمام المختص، ذلك أن الطعن بطريق الاستئناف إنما هو عمل إجرائي لم يشترط القانون لرفعه سوى افصاح الطاعن عن رغبته في الاعتراض على الحكم وبالشكل الذي رسمه القانون، وهو التقرير به خلال المدة المحددة في القانون، وذلك كافياً لحفظ الحق في الاستئناف.
لم يشترط القانون فيمن له حق الطعن بالاستئناف ( المحكوم عليه المتهم، والنيابة العامة، والمجني عليه، والمدعي بالحق المدني فيما يتعلق بالشق المدني من الحكم، والمسؤول مدنياً عن الفعل المجرّم)، من ضرورة تقديم عريضة بأسباب الاستئناف، فيجوز لمحكمة الاستئناف أن تقبله، وعلى أن يبدي المستأنف أسباب استئنافه شفاهة في الجلسة المعلن فيها الحضور، كما أن القانون أجاز فيما إذا استأنف أحد الخصوم الحكم في الميعاد كان للمستأنف عليه أن يقدم استئنافاً مقابلاً خلال (10) أيام بعد انقضاء ميعاد الاستئناف الأصلي، حسب المادتين ( 421، 424 ) من قانون الإجراءات الجزائية.
تطبيقات قضاء المحكمة العليا اليمنية:
وقد استقر قضاء المحكمة العليا في الجمهورية اليمنية على اعتبار التقرير بالاستئناف يكفي التقرير به في جلسة النطق بالحكم، ولا يستلزم معه مذكرة بالأسباب، وأرست المحكمة العليا مبادئ وقواعد في ذلك:
(1) طعن رقم 19948 لسنة 1425هـ جزائي – القواعد القانونية والقضائية الجزائية: [ القاعدة: الطعن بالاستئناف عمل إجرائي لم يشترط القانون لرفعه سوى التقرير خلال المدة المحددة في القانون. "من المقرر أن الطعن بطريقة الاستئناف هو عمل إجرائي لم يشترط القانون لرفعه سوى إفصاح الطاعن عن رغبته في الاعتراض على الحكم وبالشكل الذي رسمه القانون وهو التقرير به خلال الأجل المحدد في القانون، فمتى قرر طالب الاستئناف رغبته في رفع الاستئناف بالشكل الذي رسمه القانون فإن الاستئناف يكون قائماً قانوناً ولا يلزم لصحة الاستئناف أن يشمل أو يلحق بأسباب.. ولما كان ذلك فإن اعتبار المحكمة أن الاستئناف غير مقبول لعدم تقديم الطاعنين عريضة بأسباب استئنافهما خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ النطق بالحكم رغم تقريرهما بالاستئناف في الميعاد هو خطأ في تطبيق القانون ولا يغير منه خطأ الطاعنين في احتساب الميعاد من تاريخ تسليمهما نسخة الحكم لا من تاريخ النطق به لذلك يتعين نقض الحكم وإعادة القضية الى محكمة الاستئناف لنظر الاستئناف من حيث موضوعه"].
(2) طعن رقم 18009 لسنة 1425هـ جزائي – القواعد القانونية والقضائية الجزائية: [ القاعدة: لا يلزم لرفع الاستئناف سوى التقرير به في الميعاد ولا يشترط أن يشمل التقرير بالاستئناف على أسباب له. "إن الحكم المطعون فيه قد أقام قضائه بعدم قبول الاستئناف شكلاً بالاستناد الى تاريخ صدور الحكم الابتدائي ولم يعوّل على التقرير به في جلسة النطق بالحكم من قبل محامي الطاعن كما هو الثابت في محضر الجلسة مما يكون الحكم قد أقيم على غير أساس صحيح من القانون لما هو مقرر وفقاً لنص المادة 421 إ.ج أن التقرير بالاستئنافال الميعاد القانوني المقرر يكفي لحفظ الحق في الاستئناف ولا يشترط أن يشمل تقرير الاستئناف على أسباب له" ].
المحكمة المختصة بالفصل في الطعن بالاستئناف
إنّ المحكمة التي أمامها الاستئناف للنظر فيه يجب أن تكون محكمة استئناف محافظة، ومكوّنة من عدد من القضاة – شعبة من ثلاثة قضاة بحسب قرار تشكيلها -، وتراعى في جلساتها المبادئ الأساسية في إجراءات المحاكمة، وقبل أن تشرع في سماع أقوال المستأنف وبقية الخصوم وتمكينهم من تقديم دفوعهم وطلباتهم أن تكلّف أحد أعضائها بأن يضع تقريراً في الدعوى فيه ملخص القضية وأسباب الاستئناف والرد عليه إن وجد، ولا يجوز لواضع التقرير أن يبدي رأياً، ويجب تلاوة التقرير، وإنّ إغفال ذلك التقرير كلياً أو عدم تلاوته يترتب عليه البطلان، باعتبار أنّ إعداد التقرير وتلاوته هو من الإجراءات الجوهرية المتعلقة بالنظام العام لاتصالها بكفاءة وقدرة المحكمة على الفصل في موضوع الدعوى محل الاستئناف كما هو في نص المادة (396، 397، 427 إ.ج).
سلطات محكمة الاستئناف:
ولمحكمة الاستئناف سلطات واسعة، فهي لها أن: تؤيد الحكم المستأنف، أو تلغيه كلياً أو جزئياً، أو تعديله، كما لها إعادة توصيف التهمة بحسب نص المادة (366 إ.ج)، وكذلك الحكم بالبراءة أو الإدانة، ولا يجوز لها تشديد العقوبة على المحكوم عليه إذا كان الاستئناف مرفوعاً منه وحده، في هذه الحالة على المحكمة تأييد الحكم أو تعديله لمصلحة رافع الاستئناف، إذ لا يضار المستأنف من استئنافه، ، بيد أنه يجوز تشديدها إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة، إذ أنّ استئناف النيابة العامة يطرح الدعوى الجزائية برمتها على محكمة الاستئناف، ولها أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدّله سواء ضد المتهم أو لمصلحته، كما هو مبين في نص المادة (426 إ.ج).
تقرير الطعن بالاستئناف يترتب عليه آثار من أهمها:
الأثر الناقل للاستئناف:
ويعني ذلك أن الدعوى الجزائية تنتقل الى محكمة درجة أعلى - محكمة الاستئناف – بجميع عناصرها الواقعية والقانونية في حدود ما رفع عنه الطعن، ولمحكمة الاستئناف سلطة إعادة بحث الوقائع والأدلة وسلامة الإجراءات وصحة تطبيق القانون، ولا تتقيد محكمة الاستئناف بتقدير محكمة أول درجة - المحكمة الابتدائية -، بل لها أن تكوّن قناعتها المستقلة في حدود الأجزاء التي شملها الاستئناف، فإذا كان الاستئناف من المتهم وحده فلا يجوز تشديد العقوبة عليه، انطلاقاً من قاعدة: (لا يضار المستأنف باستئنافه)، حسب نصوص المواد: ( 417، 426) إ.ج.
الأثر الموقف:
أي وقف تنفيذ الحكم الجزائي الابتدائي بمجرد الطعن فيه بالاستئناف، وذلك أن الأصل في الاستئناف أنه يوقف تنفيذ الحكم الجزائي باستثناء الأحكام المشمولة في نص المادة (469، 475) إ.ج، التي تكون واجبة التنفيذ فوراً ولو مع حصول استئنافها.
أثر الاستئناف على الدعوى الجزائية:
ويعني ذلك أن بقاء الدعوى الجزائية قائمة ولم تكتسب حجية الأمر المقضي به، وعدم صيرورة الحكم نهائياً الا بعد الفصل في الاستئناف، لإمكانية تعديل الحكم كلياً أو جزئياً أو إلغائه.
أثر الاستئناف على الدعوى المدنية بالتبعية:
يكون ذلك إذا اشتمل الحكم الجزائي على شق مدني، فإن استئناف الحكم الجزائي يمتد أثره الى الشق المدني المرتبط به، وعلى ذلك يجوز للمدعي بالحق المدني استئناف الحكم فيما يخص التعويض، ولمحكمة الاستئناف تعديل مقدار التعويض أو إلغاؤه أو تأييده. حسب نصوص المواد: (414، 416، 418) إ.ج.
أثر الاستئناف على المركز القانوني للمتهم:
يضل المتهم بريئاً الى أن يصبح الحكم نهائي، ولا تنفذ العقوبة ما دام الاستئناف منظوراً، ما لم يكن الحكم واجب التنفيذ فوراً ولو مع حصول استئنافه، وفي حالة إلغاء الحكم فإن جميع الآثار الجزائية على المتهم تزول.
أثر الاستئناف على حجية الحكم:
بمعنى أن الحكم الابتدائي المستأنف لا يتمتع بحجية الأمر المقضي به، ولا تثبت الحجية الا بعد صدور حكم استئنافي نهائي.
القاضي شاكر محفوظ