يُعد موضوع انعدام الحكم القضائي من أهم الموضوعات القانونية؛ فهو يتناول الأسباب الجوهرية التي تفقد الحكم أركانه الأساسية، ويبين الآثار القانونية المترتبة على ذلك. كما يوضح طرق التمسك به سواء بالدفوع أو الدعاوى الأصلية، مستنداً في ذلك إلى أبرز القواعد الفقهية وأحكام محكمة النقض للتفرقة بين الحكم المعدوم والحكم الباطل.
فكرة انعدام الحكم القضائي
كفلت التشريعات القانونية المختلفة للحكم القضائي في ذاتيته قوة وحجية رفَعته لمرتبة أسمى وأعلى من كافة القرارات الأخرى الصادرة عن هيئات الدولة المختلفة، وتلك الحجية منحت للحكم القضائي لاعتبارات عدة تمثلت في كونه يمثل عنوان الحقيقة والعدالة المطلقة.
وفي ذلك يقول الفقه: "القاعدة أن الحكم القضائي متى صدر يظل مرتباً لآثاره
وأهمها حجية الأمر المقضي ما لم يتم إلغاؤه بإحدى طرق الطعن المقررة قانوناً، فإذا
كان الحكم مما لا يجوز الطعن فيه أصلاً، فإذا استنفدت طرق الطعن فيه صار صحيحاً
بصورة نهائية وفقاً للقاعدة عدم جواز المساس بالحكم، ولا يمكن التمسك ببطلانه عن
طريق الدعوى أو الدفع أو المنازعة في تنفيذه" (1).
بالرغم من ذلك، فقد تواترت آراء شراح القانون وأحكام محكمتنا العليا
على الاعتراف بعيوب تلحق بالحكم تحول دون اعتباره موجوداً منذ صدوره باعتبارها
حقيقة قانونية لا يمكن التغاضي عنها.
طبيعة الانعدام لدى فقهاء القانون:
ولقد انحازت محكمة النقض المصرية إلى هذه الفكرة وذهبت تواظب على
أعمالها في خصوص الأحكام القضائية، وتقوم هذه الفكرة في تطبيقات المحكمة على ضرورة
التصنيف في العيوب التي يمكن أن تشوب الأحكام والتنويع في آثارها بحسب جسامة
العيب.
فالعيب الجسيم هو العيب الذي يجرد الحكم من مقوماته وأركانه الأساسية
على نحو يفقده كيانه وصفته كحكم، ويطيح بما له من حصانة، ويحول دون اعتباره
موجوداً منذ صدوره، فلا يستنفذ سلطة القاضي ولا يرتب حجية الأمر المقضي ولا يرد
عليه التصحيح لأن المعدوم لا يمكن رأب صدعه (4).
فحالات الانعدام هي أعنف من حالات البطلان وأمعن في الخروج على
القانون، وكثيراً ما تدق التفرقة بينهما وتظهر أهميتها في أن الحكم الباطل يعد
قائماً مرتباً كل آثاره إلى أن يحكم ببطلانه بولوج طرق الطعن في الأحكام المقررة
في التشريع. أما الحكم المعدوم فهو والعدم سواء، ولا يرتب أي أثر قانوني، ولا يلزم
الطعن فيه للتمسك بانعدامه، وإنما يكفى إنكاره عند التمسك به بما اشتمل عليه من
قضاء، ويجوز رفع الدعوى مبتدأه بطلب انعدامه، ولا تزول حالة انعدام الحكم بالرد
عليه بما يدل على اعتباره صحيحاً (6).
من جماع ما تقدم، نرى أن غالبية الفقه قد أخذ بفكرة انعدام الحكم
القضائي، وكذلك نحت محكمة النقض ذات المنحى، إلا أنه ثمة رأي آخر يخالف ذلك يرى
عدم منطقية تلك الفكرة وقيامها على غير سند تشريعي وعدم إفادتها.
وتمثل هذا الاتجاه الفقهي في رأي الدكتور/ فتحي والي في كتابه
(الوسيط في قانون المرافعات المدنية)، والذي يقول فيه: "ورغم
التأييد الذي لقيته فكرة الانعدام، فإننا نرى رفضها لما يلي: إن القانون ينظم
البطلان، ويقصد بالعمل الباطل العمل الذي لا تتوافر فيه المقتضيات التي يتطلبها
القانون في عمل معين مما يؤدي إلى عدم إنتاج آثاره القانونية، ولا يمكن أن يقصد
بالانعدام القانوني غير هذا... وإذا كانت هناك حالات لا يلجأ فيها إلى المحكمة
فلأن الحاجة العملية لا تتطلب الالتجاء وهي غير مقيدة. والنتائج التي يرتبها
أنصارها عليها بعضها محل شك، والبعض الآخر يمكن أن يترتب على فكرة البطلان؛ فمن
ناحية يجب التقرير القضائي إليها لظهور تعيب العمل إلى درجة عدم منازعة أحد في
تعيبه، ومن ناحية أخرى فإن باقي النتائج يمكن ترتبها على فكرة البطلان، فيمكن
القول أن هناك بطلاناً يقبل التصحيح وبطلاناً لا يقبل التصحيح وهكذا، فليس هناك أي
مبرر للقول بالانعدام لتصل إلى هذه النتائج..." (8).
وإذا كان هذا الرأي الأخير يرى في البطلان الكفاية باعتبار أن هناك
حالات البطلان المتعلق بالنظام العام ويرى كفايتها لعدم اللجوء إلى فكرة الانعدام،
إلا أن الرأي الغالب في الفقه انحاز لفكرة الانعدام وتأييد بقضاء النقض الذي ذهب
إلى تقرير الانعدام والأخذ به في الكثرة الكاثرة من أحكامها.
الفصل الأول: العيب المعدم للحكم
يعرف الفقه المقارن الحكم القضائي بأنه ذلك القرار الصادر من محكمة
مشكلة تشكيلاً صحيحاً ومختصة، في خصومة رفعت إليها وفق قواعد قانون المرافعات،
سواء أكان صادراً في موضوع الخصومة أو في شق منه أو مسألة متفرعة منه (9).
وفي حكم آخر لها: "أن
يكون الحكم صادراً في خصومة من محكمة في حدود ولايتها القضائية مكتوباً شأنه شأن
أوراق المرافعات" (11).
ووفقاً للتعريف السابق، فإن للحكم أركان ثلاثة أساسية إذا تجرد منها
الحكم فإنه يكون مشوباً بعيب جوهري جسيم يصيب كيانه ويفقده صفته كحكم. وتتمثل
أركان الحكم الأساسية التي إذا ما تخلف أحدها يعد معدوماً في الآتي:
1. أن يصدر من محكمة تتبع جهة قضائية.
2. أن يصدر بما لها من سلطة قضائية أي في خصومة.
3. أن يكون مكتوباً شأن أي من أوراق المرافعات.
وقد حصر الفقه حالات انعدام الأحكام في تلك الأركان، وإن كان الفقه
لم يصل إلى وضع معيار ثابت للتفرقة بين الحكم المعدوم والحكم الباطل؛ فليس هناك
سوى تطبيقات قضائية أو تصورات فقهية تضع خطوطاً عريضة لتلك الفكرة في الأركان
الشكلية للحكم القضائي (12).
ومما يجب توجيه النظر إليه ابتداءً أن البطلان المتعلق بالنظام العام
لا يعدم الحكم ولا يفقده كيانه، وإذن لا يعد ضابطاً للتفرقة بين حالة البطلان
وحالة الانعدام.
المبحث الأول: من ناحية صدوره من محكمة تتبع جهة قضائية
أولاً: صفة القاضي
1. العوارض المطلقة (الوفاة – الحجر – العزل – الاستقالة – المعاش):
يعد معدوماً الحكم الصادر من شخص لا يعتبر قاضياً أو من لم يحلف
اليمين القانونية أو زالت ولايته بسبب العزل أو الإحالة على المعاش أو الاستقالة.
ويعد معدوماً الحكم الذي يصدر بعد العارض المطلق وبعد النطق بالحكم
في الدعوى وقبل كتابة مسودته (13).
وقضت في ذلك محكمتنا العليا أنه: *"الحكم لا يعتبر له وجود في
نظر القانون إلا إذا كان موقعه موظفاً عند التوقيع، وإذا فمتى زالت صفة القاضي عن
رئيس المحكمة الذي قضى في الدعوى فإن وضعه بعد ذلك أسباب الحكم ثم توقعه إياه لا
يكسب ورقته الصفة الرسمية ولا يجعل منها بالتالي حكماً مستوفياً الشكل القانوني..
(14).
2. توفي القاضي بعد المداولة وقبل النطق بالحكم:
وجب فتح باب المرافعة من جديد وإدخال عضو يحل محل المتوفى.
3. توفي القاضي بعد جلسة النطق بالحكم التي حضرها وقبل التوقيع على مسودته:
فإن الحكم يكون باطلاً ولا يكون معدوماً، إذ يعد قائماً دون أسباب،
أو بعبارة أدق توافر الضمانة التي يوفرها توقيع القضاة على المسودة عملاً بالمادة
(175).
4. إذا حجر على قاض:
فإن جميع ما أصدره من أحكام يعد معدوماً من وقت توقيع طلب الحجر عليه.
5. إذا أصبح العارض بعد النطق بالحكم وقبل توقيع نسخته الأصلية:
فإذا كان من زالت ولايته هو رئيس الدائرة، يرى البعض تطبيق المادة
(312) إجراءات جنائية في مجال قانون المرافعات لعدم وجود نص خاص ولتفادي المغالاة
في التمسك بالشكليات، بأن يقوم رئيس المحكمة الابتدائية أو الاستئنافية بتوقيع
نسخة الحكم الأصلية أو ندب أحد القضاة للتوقيع عليها بناءً على هذه الأسباب. أما
إذا لم يكن القاضي قد كتب هذه الأسباب فإن الحكم يكون باطلاً لخلوه من الأسباب.
إلا أن رأي العلامة د. وجدى راغب قد حسم هذا الأمر إذ يرى أن الحكم
يصدر صحيحاً بالنطق به وإيداع مسودته موقعاً عليه من القاضي أو القضاة الذين حضروا
المداولة، ومن ثم فقد تكاملت أركانه ولا يستطيع رئيس الدائرة أن يقوم بتعديله، ومن
ثم فلا يوجد ما يمنع رئيس المحكمة من توقيعه بدلاً منه أو أحد القضاة الذين حضروا
المداولة (ويفضل الأقدم)، وذلك لأن طبيعة توقيع نسخة الحكم الأصلية ليست سوى طبيعة
توثيقية بحتة تهدف لإخراج الحكم لحيز الوجود حتى يمكن الاحتجاج به (15).
العوارض المؤقتة (قيام سبب من أسباب عدم الصلاحية أو الرد):
إذا صدر الحكم من قاض غير صالح لنظر الدعوى لتوافر سبب من أسباب عدم
الصلاحية المقررة في المادة (146) أو المادة (165) أو (498)، فإنه يعد باطلاً وليس
معدوماً، ويتعين الطعن فيه وفقاً للقواعد المقررة، فإذا أغلقت سبل الطعن فيه صار
باتاً غير قابل لأي مطعن. كما يعتبر باطلاً وليس معدوماً الحكم الصادر من قاض يجوز
رده عملاً بالمادة (148)، وبافتراض أن طالب الرد لم يعلم بأسبابه إلا بعد صدور
الحكم (16). وإذا كان البطلان الناشئ عن عدم الصلاحية في حكم صادر من محكمة النقض
جاز للطاعن طلب إلغاؤه وإعادة النظر أمام دائرة أخرى (مادة 147/2) وذلك استثناءً
من نص المادة (272) مرافعات.
حظر تولي القاضي الفصل في بعض الدعاوى:
في بعض الحالات يحظر على القاضي أن يفصل في بعض الدعاوى ومن ثم تنتفي
ولايته بشأنها وإن ظلت قائمة بالنسبة لغيرها، كما في حالة الحظر على القاضي غير
المسلم أن يفصل أو يشترك في الفصل في الدعاوى بين المسلمين، وهي دعاوى الأحوال
الشخصية التي تطبق أحكام الشريعة الإسلامية في مجال الأحكام كدعاوى الطلاق
والتطليق والخلع والميراث والوصية والوقف (17).
وهذا الحظر -كما تقول محكمة النقض- من الأصول المقررة التي انعقد
عليها الإجماع في الشريعة الإسلامية استمداداً من الكتاب والسنة، فإذا خولف هذا
الحظر بأن فصل قاض غير مسلم أو اشترك في الفصل بين المسلمين في الدعاوى التي تطبق
الشريعة الإسلامية كان هذا الحكم منعدماً لأنه لا ولاية له بالفصل في هذه الدعاوى
(18).
ثانياً: تشكيل المحكمة وعدد أعضائها
بدايةً، يتعين أن تكون الزيادة أو النقصان في عدد أعضاء هيئة المحكمة
زيادة واقعية حقيقية لا أن تكون مجرد خطأ مادي وارد بالحكم؛ فالعبرة في ذلك بمحضر
الجلسة. يعتبر معدوماً الحكم الصادر من قاضيين بدلاً من ثلاثة بشرط أن يكون الحكم
قد صدر بالفعل منهما دون الثلاثة، فإذا ورد خطأ مادي في ديباجة الحكم بصدد عدد
أعضاء المحكمة فإنه لا يؤثر في صحته مادام قد ورد في محضر الجلسة أن الذين أصدروه
هم الثلاثة قضاة المذكورين في المحضر (19). ولكن يعد باطلاً وليس معدوماً الحكم
الصادر من أربعة قضاة بدلاً من ثلاثة.
ثالثاً: أن يكون صادراً من محكمة لها ولاية الفصل فيما عرض عليها مختصة بنظره
يجب حتى يعتد بالحكم أن يدخل موضوع الدعوى المطروحة على المحكمة في
ولاية القضاء، كما لو رفعت الدعوى على أحد الأشخاص الذين يتمتعون بالحصانة
القضائية أو بشأن عمل من أعمال السيادة؛ وجب عليها ومن تلقاء نفسها في أي حالة
كانت عليها الدعوى أن تحكم بانتفاء ولايتها لتعلق ذلك بالنظام العام.
فإذا فصل فيه رغم ذلك كان حكمها منعدماً ولا يحوز حجية الأمر المقضي
ولا يرتب أي أثر لأن القاضي يفقد صفته القضائية خارج حدود الولاية العامة للقضاء
(20).
المبحث الثاني: أن يصدر بما لها من سلطة قضائية أي في خصومة
الخصومة القضائية عبارة عن مجموعة الإجراءات القضائية المتتابعة،
يقوم بها الخصوم أو ممثلوهم والقاضي وأعوانه وفقاً لنظام معين يرسمه قانون
المرافعات بداية بالمطالبة القضائية وتسير بغرض الحصول على حكم في الموضوع (21).
ويقول الفقه في ذلك:
" يؤدي الإعلان إلى انعقاد الخصومة وهو ما يعني اكتمال إجراءات افتتاحها، ذلك أن إعلان صحيفة الدعوى إنما هو إجراء أساسي في افتتاحها مكمل لإجراء المطالبة القضائية، وإذا كانت المطالبة هي إجراء رفعها في مواجهة المدعى عليه وبما أن الخصومة كمنهج إجرائي تقوم على هذه المواجهة فقد قيل أنها تنشأ عن المطالبة القضائية، ولكنها تكون معلقة على شرط فاسخ هو عدم إعلانها قبل صدور الحكم فيها، فإذا صدر حكم فيها دون إعلانها إعلاناً صحيحاً كان منعدماً في غير خصومة. وإذا لم يتحقق الإعلان على نحو صحيح لا تكون ثمة خصومة قد انعقدت بين الطرفين ويكون قضاء القاضي فيها رغم ذلك قد ورد على غير محل" (22).
وإعلان صحيفة الدعوى إجراء لازم لانعقاد الخصومة بين طرفيها تحقيقاً لمبدأ مواجهة الخصوم ويكون وجود الخصومة الذي يبدأ بإيداع صحيفة الدعوى قلم الكتاب معلقاً على إعلانها إلى المدعى عليه صحيحاً، فإذا تخلف هذا الشرط حتى صدور الحكم الابتدائي أزالت الخصومة كأثر للمطالبة القضائية.
ولذلك إذا ما طعن في الحكم الابتدائي بالاستئناف وقضت المحكمة
بإلغائه تأسيساً على إعلان صحيفة افتتاح الدعوى، يتعين عليها الوقوف عند حد تقرير
البطلان ولا تفصل في الموضوع حتى لا يفوت درجة من درجات التقاضي على الخصوم لأن
بطلان إعلان صحيفة الدعوى يؤدي إلى زوال الخصومة التي بدأت معلقه على شرط الإعلان
الصحيح.
ومن ثم فإنه يعد معدوماً الحكم الصادر على من لم يعلن إطلاقاً بصحيفة
الدعوى أو ثبت إعلانه بإجراء معدوم كما لو كان الإعلان مزوراً. ويعد معدوماً أيضاً
الحكم الصادر على من أخرجته المحكمة من خصومة الدعوى لأنه لم يكن طرفاً فيها
وبالتالي لا حجية له في موازمته. ويعتبر معدوماً الحكم على من توفى أو فقد أهليته
قبل رفع الدعوى.
وقد قضت محكمة النقض أن:
"الخصومة لا تنعقد إلا بين
أطراف أحياء وإلا كانت معدومة، وإن الدفع بعدم انعقاد الخصومة بين الأطراف الواجب
اختصامهم قانوناً لا يسقط بعدم إبدائه في صحيفة طلاق الاستئناف، وأنه إذا علم
الخصم -أثناء نظر الاستئناف بوفاة المدعى عليه قبل رفع الدعوى جاز لكل ذي مصلحة
منهم الدفع بانعدام الحكم الابتدائي" (23).
وقد قضت محكمة النقض بأنه: "إذا كانت الخصومة
في الدعوى لا تقوم إلا بين أشخاص موجودين على قيد الحياة فإن رفعت الدعوى على
متوفى كانت لا ترتب معدومة ولا ترتب أثراً ولا يصحح أي إجراء لاحق" (24).
أولاً: إذا توفى المدعى قبل انعقاد الخصومة
إذا توفى المدعى قبل انعقاد الخصومة وقبل إعلانها وصدر حكم
فيها لورثته لصالح المدعى عليه وفي غفلة منهم ودون علمهم بالدعوى وانعقادها بإعلان
صحيفتها للمدعى عليه -بعد وفاة مورثهم- فتكون الخصومة في هذه الحالة معدومة، ويعد
معدوماً كل حكم فيها مادام الإجراءات لم تصحح ولم يتدخل الورثة من تلقاء أنفسهم أو
بإعلان المدعى عليه (25).
أما الحكم الصادر فيها على المدعى عليه فيكون قابلاً للإبطال رعاية
لمصلحة ورثة المدعى. أما وفاة المدعى بعد انعقاد الخصومة فمن البديهي أنها تؤدي
إلى انقطاعها عملاً بالمادة (130)، ويكون كل إجراء أو حكم بعد الانقطاع وأثناءه
باطلاً.
ثانياً: وفاة الخصم «المدعى عليه» أو فقده أهليته أثناء نظر الدعوى
ومع ذلك يعتبره القانون حكماً قابلاً لالتماس إعادة النظر. ولكن لا
يعد معدوماً الحكم الصادر في خصومة صحيفتها باطلة لعيب في الإعلان أو نقص
بياناتها، أو الحكم الصادر في موضوع الدعوى بالرغم من وجوب شطبها أو اعتبارها كأن
لم تكن لتخلف أحد أطرافها عن الحضور، أو الحكم بسقوطها، أو بانقضائها. وعله ذلك أن
البطلان في الأحوال السابقة لا يعدو الخصومة ولا يفقدها كيانها، ولا يجعلها والعدم
سواء، وإنما يصيب صحتها حتى ولو كان البطلان من النظام العام (26).
أحكام النقض:
طلب الطاعنة الحكم ببطلان صحيفة الدعوى والإجراءات التالية لها على
سند من إعلانها بالصحيفة في موطن وهمي بطريق الغش والتواطؤ؛ تكييفه الصحيح طلب
بانعدام الحكم الصادر في هذه الدعوى جواز إبدائه بدعوى مبتدأة. قضاء الحكم المطعون
فيه برفضه على أن إعلان الطاعنة في غير مواطنها والتلاعب في الإعلانات يبطل الحكم
ولا يجعله معدوماً فيظل قائماً ما لم يقض ببطلانه بالطعن عليه بطريق الدعوى
المبتدأة؛ مخالفة للقانون (27).
وقضى أيضاً أنه: "وإن
كانت القاعدة أن الحكم القضائي متى صدر صحيحاً يظل منتجاً آثاره فيمتنع بحث أسباب
العوار التي تلحقه إلا عن طريق التظلم منعاً بطرق الطعن.. إلا أن المسلم باستثناء
من هذا الأصل العام في بعض الصور القول بإمكان رفع دعوى بطلان أصلية أو الدفع
بذلك، وإذا تجرد الحكم من أركانه الأساسية بحيث يشوبه عيب جوهري جسيم يصيب كيانه
ويفقده صفته كحكم، ويحكم دون اعتباره موجوداً منذ صدوره، فلا يستنفذ القاضي في
سلطته، ولا يرتب الحكم حجية الأمر المقضي، ولا يرد عليه التصحيح لأن المعدوم لا
يمكن رأب صدعه، ومن قبيل ذلك الحكم على من ثبت وفاته قبل رفع الدعوى" (28).
وقضت كذلك: "لما
كانت الخصومة لا تقوم إلا بين طرفين من الأحياء فلا تنعقد أصلاً إلا بين أشخاص
موجودين على قيد الحياة وإلا كانت معدومة لا ترتب أثراً ولا يصححها إجراء
لاحق" (29).
المبحث الثالث: تحرير الحكم (أن يكون مكتوباً شأن أوراق المرافعات)
يفصل القاضي فيما يعرض عليه – في الغالب – بموجب حكم يزيل به عوارض
الحقوق والمراكز القانونية ويشبع به مصالح المتقاضي، والقاضي في تكوين إرادته
القضائية مقيد بتطبيق القانون واتباع إجراءات التقاضي، كما أنه ليس حراً في
الإعلان عن هذه الإرادة إذ لابد أن يتم هذا الإعلان في شكل قانوني معين، فالقانون
يتطلب مقتضيات شكلية معينة يلتزم القاضي بمراعاتها عند إصدار الحكم، ومن ثم فإن
الشكل الذي يتطلبه المشرع في إصدار الحكم يصبح ركناً في هذا الحكم يؤثر في وجوده
وصحته (30).
ويتطلب القانون بعد ذلك كتابة أصل الحكم بما يسمى نسخة الحكم الأصلية
يشتمل على بيانات الحكم كاملة، يوقع عليه رئيس هيئة المحكمة وكاتبها، ويوجب
القانون تحرير هذه الورقة وحفظها في الملف خلال أربعة وعشرين ساعة من إيداع
المسودة وسبعة أيام في القضايا الأخرى وإلا كان المتسبب في التأخير مسؤولاً
بالتعويض (المادة 179) (31).
يعتبر معدوماً الحكم غير المكتوب، أو الذي لم يوقع عليه رئيس الهيئة
التي أصدرته أو الكاتب، أو الذي لم يذكر فيه إطلاقاً اسم المحكوم عليه (32).
وجدير بالذكر أن الأوامر التي تصدر على العرائض ومحاضر الصلح التي
تتم عملاً بالمادة 101 وتعد من قبيل الأحكام، فلا تخضع للقواعد المقررة بالنسبة
إلى الأحكام؛ وكذا الحال بالنسبة إلى القرارات الصادرة من الهيئات الإدارية التي
يخولها المشرع سلطة الفصل في بعض التظلمات فهذه القرارات لا تخضع للقواعد المقررة
بالنسبة إلى الأحكام (33).
الفصل الثاني: التفرقة بين الحكم الباطل والحكم المنعدم وحجيتهما
فحالات الانعدام هي أعنف من حالات البطلان وأمعن في الخروج على
القانون، وكثيراً ما تدق التفرقة بينهما، وتظهر أهميتها في أن الحكم الباطل يعد
قائماً مرتباً كل آثاره إلى أن يحكم ببطلانه بولوج طرق الطعن في الأحكام المقررة
في التشريع. أما الحكم المعدوم فهو والعدم سواء، ولا يرتب أي أثر قانوني، ولا يلزم
الطعن فيه للتمسك بانعدامه، وإنما يكفي إنكاره عند التمسك به بما اشتمل عليه من
قضاء، ويجوز رفع الدعوى مبتدأة بطلب انعدامه، ولا تزول حالة انعدام الحكم بالرد
عليه بما يدل على اعتباره صحيحاً (34).
وتأكيداً لذلك المفهوم يقول الفقه: "الحكم المنعدم هو
الحكم الذي يفقد ركناً أساسياً من أركان وجوده، وذلك على عكس الحكم الباطل الذي
توافرت له أركان الوجود ولكن شابها أو شاب أحداها عيب متعلق بشروط صحته. والعيب
الذي يؤدي إلى انعدام الحكم القضائي هو عيب من الجسامة بحيث يجعل ما ورد به غير جدير
بالاحترام الواجب للتقديرات القضائية، وانعدام الحكم يجعله غير صالح لأداء وظيفته،
والأمر إذا وجد العيب المعدم للحكم فإنه من المتعين إهدار حجية هذا الحكم وإزالته
من الوجود" (35).
كما أن هناك من الآراء الفقهية من لا يعترف بانعدام الحكم القضائي
ويرى أنها لا تعدو أن تكون حالة من حالات البطلان. ويتمسك هذا الرأي بحجية الحكم
القضائي ويعلي من شأن تلك الحجية ولا يقبل ما يناقضها، ويرى أن العيب المعدم للحكم
لا يعدو كونه حالة من حالات البطلان المتعلق بالنظام العام، ولذا فإن ذلك البطلان
يزول إذا ما استنفدت طرق الطعن ومن ثم فإنه لا يرى مبرراً مقبولاً لإعمال فكرة
انعدام الأحكام والأخذ بها (36).
إلا أن فكرة الانعدام في مقتضاها قائمة على إهدار حجية الشيء المحكوم
فيه حتى ولو أصبح غير قابل للطعن، وجواز التمسك به في أي حالة كانت عليها المنازعة
حتى ولو بطريق الدعوى الأصلية، وقد حصر الفقه والقضاء حالات الانعدام في فقده لأحد
أركانه الأساسية السابق ذكرها دون غيرها (37).
وللفقه في وصف التفرقة بين الحكم المعدوم والحكم الباطل العديد من الأقوال فقيل في ذلك:
"إذا
شاب الحكم عيب جوهري أصاب كيانه، فإنه أيضاً يفقد صفته كحكم، أما إذا كان العيب
الذي يعتريه ليس من شأنه أن يفقده طبيعته كحكم، ولا يعدو أن يكون شائبة تصيب صحته
دون أن تمتد إلى انعقاده وكيانه فإنه يكون باطلاً وليس معدوماً. فحالات الانعدام
هي أعنف من حالات البطلان، وأمعن في الخروج على القانون. وكثيراً ما تدق التفرقة
بينهما، وتظهر أهميتها في أن الحكم الباطل يعد قائماً مرتباً كل آثاره القانونية
إلى أن يحكم ببطلانه بولوج طرق الطعن في الأحكام المقررة في التشريع، أما الحكم
المعدوم فهو والعدم سواء ولا يرتب أي أثر قانوني، ولا يلزم الطعن فيه للتمسك
بانعدامه وإنما يكفي إنكاره عند التمسك بما اشتمل عليه من قضاء، ويجوز رفع دعوى
مبتدأة بطلب انعدامه، ولا تزول حالة انعدام الحكم بالرد عليه بما يدل على اعتباره
صحيحاً أو بالقيام بعمل أو إجراء باعتباره كذلك، أما حالة بطلان الحكم فإنها تزول
بالرد عليه بما يدل على اعتباره صحيحاً شأنها شأن أي حالة أخرى من حالات البطلان،
ما لم يكن البطلان من النظام العام" (38).
وقيل أيضاً في فقه القانون الجنائي حول تطبيقات الانعدام: "أن الحق
في طلب إعادة النظر في الحكم مرتبط وجوداً وعدماً بحجية الشيء المحكوم فيه؛ فالحكم
الجنائي – حتى ولو كان باطلاً – يحوز حجية الشيء المحكوم فيه متى صار باتاً، أو
تظهره الصفة الباتة من عيوبه وتمنحه قوة ترقى به – في نظر القانون – إلى مرتبة
الحكم الصحيح وبناء عليه يجوز الطعن في الحكم الباطل بطلب إعادة النظر. أما الحكم
المنعدم – مع التجاوز في هذا التعبير لأنه في حقيقته ليس حكماً على الإطلاق – فلا
يحوز حجية الشيء المحكوم فيه، حتى ولو أصبح غير قابل للطعن لأن الصفة الباتة لا
تلحق غير الحكم الموجود سواء كان صحيحاً أو باطلاً – أما في حالة الحكم المنعدم
فهو لا وجود له، ويصبح هو والعدم سواء، وليس من المنطق أن يقال إن الحكم غير
الموجود يصبح له كيان لمجرد أن أحداً لم يطعن فيه خلال فترة معينة..." (39).
ويتضح من ذلك أن الفقه قد ذهب لإعلاء شأن فكرة انعدام الحكم القضائي
والأخذ بها وإهدار حجية الحكم المنعدم بشكل مطلق.
المبحث الأول: أثر الرد بما يفيد اعتبار الحكم الباطل أو المنعدم صحيحاً
ويظل البطلان قائماً حتى تغلق طرق الطعن عليه باستنفادها أو فوات
مواعيدها فيضحى بعد ذلك حائزاً للحجية ويمتنع بحث العوار الذي لحقه بأي طريق كان.
ويستتبع ذلك أن إنكار حجية الحكم المعدوم جائز في أي وقت كان، ذلك أنه ليس إلا
واقعة مادية وليست واقعة قانونية لها آثار يمكن التمسك بها. ومن ثم فإن التنصل من
حجيته جائز لكافة الناس، وعلى ذلك لا يكفي إقرار الخصم به لكون ذلك لا يعطيه الركن
الذي فقده.
المبحث الثاني: التمسك بانعدام الحكم أو بطلانه في صحيفة الطعن
إذا كان البطلان خاصاً متعلقاً بحماية مصلحة أحد الخصوم فإنه يتعين
إبداؤه في صحيفة الطعن وإلا سقط الحق في التمسك به، ولا يجوز التمسك به إلا لمن
شرع البطلان لمصلحته على أن لا يكون قد تسبب فيه. ولا تستطيع المحكمة الحكم به من
تلقاء نفسها بل يلزم التمسك به أمامها من الخصم المقرر البطلان لمصلحته في الوقت
المناسب.
أما إذا كان البطلان عاماً مقرراً لحماية مصلحة عامة فتقضي به
المحكمة من تلقاء نفسها ولا يسقط حق الطاعن في إبدائه حتى لو لم يبده صراحة في
صحيفة الطعن. ويجوز لكافة الخصوم التمسك به في أي حالة كانت عليها الإجراءات وأمام
أي من درجات التقاضي، غير أنه من المعروف أنه متى استنفدت طرق الطعن على الحكم أو
فاتت مواعيدها يضحى الحكم باتاً مرتباً لكافة آثاره (40).
أما عن الانعدام فيجوز إبداؤه حتى بعد استنفاد طرق الطعن عليه أو
فوات مواعيدها إذ إن ذلك لا يؤدي إلى صيرورته صحيحاً ولا يرتب عليه أية آثار.
ويكون التمسك بالانعدام عن طريق دعوى أصلية بانعدامه أو الدفع بانعدامه في دعوى
أخرى يحتج فيها بالحكم، كما يجوز التمسك بانعدامه عن طريق المنازعة في تنفيذه (41).
وقد قضت محكمة النقض بان: "الخصومة
لا تنعقد إلا بين أطراف أحياء وإلا كانت معدومة، وإن الدفع بعدم انعقاد الخصومة
بين الأطراف الواجب اختصامهم قانوناً لا يسقط بعدم إبدائه في صحيفة طعن الاستئناف،
وأنه إذا علم الخصم – أثناء نظر الاستئناف بوفاة المدعى عليه قبل رفع الدعوى – جاز
لكل ذي مصلحة منهم الدفع بانعدام الحكم الابتدائي" (42).
وقضت أيضاً: "طلب
الطاعنة الحكم ببطلان صحيفة الدعوى والإجراءات التالية لها على سند من إعلانها
بالصحيفة في موطن وهمي بطريق الغش والتواطؤ؛ تكييفه الصحيح هو طلب بانعدام الحكم
الصادر في هذه الدعوى جواز إبدائه بدعوى مبتدأة. قضاء الحكم المطعون فيه برفضه على
أن إعلان الطاعنة في غير مواطنها والتلاعب في الإعلانات يبطل الحكم ولا يجعله
معدوماً فيظل قائماً ما لم يقض ببطلانه بالطعن عليه بطريق الدعوى المبتدأة؛ مخالفة
للقانون" (43).
المبحث الثالث: أثر التنازل عن التمسك بانعدام الحكم أو بطلانه
أما عن الحكم المنعدم فلا يتوقف تقريره على إرادة الخصم وإنما لا يعد من قبيل الحكم ابتداءً، وإنما يمكن إهداره ولو عن طريق غض الطرف عنه كلياً باعتباره ليس من قبيل الأحكام وإنما لا يعدو كونه واقعة مادية.