يُعد ركن الإعطاء الركن المادي الجوهري الذي تقوم عليه جريمة الشيك وتدور في فلكه. وفي هذه الدراسة، نسلط الضوء على المفهوم القانوني الصحيح للإعطاء، وأسباب الإباحة التي ترفع المسؤولية، مدعمين ذلك بأحدث أحكام محكمة النقض والفقه الجنائي
1. المفهوم الصحيح لركن الإعطاء في جريمة الشيك
جريمة الشيك جريمة قوامها الإعطاء الإرادي الحر، وليس مجرد ”الإنشاء“ أو ”التحرير“ أو ”الإصدار“ أو ”التوقيع“ أو ”المناولة“، وإنما لابد من الإعطاء بمفهومه الاصطلاحي في ”القانون“. والإعطاء يختلف كل الاختلاف عن ”الإنشاء“ أو ”التحرير“ أو ”الإصدار“ أو ”التوقيع“ أو ”المناولة“....
ولا محل للخلط بينهما، فإنشاء أو تحرير أو توقيع أو مناولة الشيك لا يطلق الشيك في التداول، ولا تقوم به جريمة، حتى وإن كان الشيك محل الإنشاء بلا رصيد؛ لأن القانون لا يعاقب على مجرد ”إنشاء“ أو ”تحرير“ الشيك بدون رصيد، وإنما يعاقب على ”إعطائه“.. أي بإطلاقه في التداول عن طريق تسليمه للمستفيد تسليماً حراً غير مقيد. ولذلك تسمى الجريمة في المصطلح الفقهي والقضائي، وبإجماع، بجريمة ”إعطاء شيك“، وبهذا ”التعبير“ جرى نص المادة 336 عقوبات مصري الذي يقول: «على كل من أعطى بسوء نية شيكاً...».
وكذلك في نص المادة (311) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني وتنص: «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بالغرامة من أعطى شيكاً...».
2. الطبيعة القانونية للركن المادي لجريمة الشيك
فالإعطاء هو الركن المادي لجريمة الشيك، لا قيام لها بدونه، وهو لا يتحقق بمجرد كتابة أو تحرير أو إنشاء الشيك، بل لابد لتحققه من إطلاق الشيك –بعد إنشائه– في التداول، ولا يكون ذلك إلا بتسليمه للمستفيد تسليماً حراً غير مقيد.
فالمادة 337 عقوبات مصري تنص على أنه: ”يحكم بهذه العقوبات على كل من أعطى بسوء نية شيكاً لا يقابله رصيد قائم وقابل للسحب......“، وكذلك في نص المادة (311) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني وتنص: «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بالغرامة من أعطى شيكاً..."
وأحكام محكمة النقض متواترة على أن جريمة الشيك قوامها الإعطاء – وهو غير التسليم أو المناولة – والإعطاء لا يتحقق إلا بإطلاق الشيك في التداول بتسليمه للمستفيد تسليماً مطلقاً غير مقيد بأي قيد ولا شرط، بأن يكون التسليم – وكما قالت محكمة النقض مراراً– بنية التخلي نهائياً عن حيازة الشيك وطرحه في التداول، والتسليم غير مجرد المناولة، فلا يعد إعطاءً مجرد مناولة الشيك إلى وكيل أو أمين؛ لأن الساحب لا يكون عندئذ قد تخلى نهائياً عن الشيك (د. محمود محمود مصطفى – القسم الخاص – ط 8 – 1984 – رقم 485 – ص 573). ذلك أنه يشترط في ”الإعطاء“ أن يكون تسليماً بنية التخلي نهائياً عن حيازة الشيك كاملة وإطلاقه في التداول؛ فإذا جرى التسليم على سبيل الوديعة أو الأمانة فإن ركن الإعطاء لا يتحقق ولا تقوم الجريمة.
3. تطبيقات وأحكام محكمة النقض بشأن انتفاء إرادة الإعطاء
وفي قضاء محكمة النقض:
- ”الأصل أن إعطاء الشيك بتسليمه للمستفيد، إنما يكون على وجه يتخلى فيه الساحب نهائياً عن حيازته، بحيث تنصرف إرادة الساحب إلى التخلي عن حيازة الشيك، فإذا انتفت الإرادة لسرقة الشيك من الساحب (أو لتبديده على ما سيجيء) أو فقده له أو تزويره عليه، إنهار الركن المادي للجريمة وهو فعل الإعطاء“. (نقض 1/3/1971 – س 22 – رقم 44 – ص 183)
- وللهيئة العامة للمواد الجزائية لمحرري محكمة النقض (الدوائر مجتمعة) حكم مشهور صدر في 1/1/1963 (س 14 رقم 1 ص 1)، قررت فيه جملة مبادئ بالنسبة للشيكات:
- ”أولهما“: أن استعمال الحق المقرر بالقانون، وهو كل حق يحميه القانون أينما كان موضعه من القوانين المعمول بها، إنما يعد من أسباب الإباحة ودون حاجة إلى دعوى لحمايته.
- وثانيهما: ................
- وثالثهما: أن سرقة الشيك والحصول عليه بطريق التهديد، يدخلان في حكم الضياع الذي به تتخلف الإرادة وركن الإعطاء بالنتيجة، وهو الركن المحوري في جرائم الشيك.
- ورابعها: أن تبديد الشيك، والحصول عليه بطريق النصب، من حالات أسباب الإباحة [التي ترفع المسؤولية].
- وخامسها: أن القياس في أسباب الإباحة أمر يقره القانون بغير خلاف.
- وسادسها: أن مخالفة أي من القواعد المتقدمة، خطأ يستوجب النقض والإحالة. وما أورده هذا الحكم الضافي، بالنسبة لسرقة أو تبديد الشيك متواتر في الفقه ومتواتر في قضاء محكمة النقض.
- إذا انتفت ”إرادة الإعطاء“ بسرقة الشيك من الساحب (ومثلها التبديد) أو فقده له أو تزويره – ينهار الركن المادي للجريمة وهو فعل الإعطاء. ”الأصل أن إعطاء الشيك بتسليمه للمستفيد، إنما يكون على وجه يتخلى فيه الساحب نهائياً عن حيازته بحيث تنصرف إرادة الساحب إلى التخلي عن حيازة الشيك، فإذا انتفت الإرادة لسرقة الشيك من الساحب (ومثلها التبديد) أو فقده له أو تزويره عليه، إنهار الركن المادي للجريمة وهو فعل الإعطاء“. (نقض 1/3/1971 - س 22 - رقم 44 - ص 183)
- بمفهوم المخالفة: ”متى كانت المحكمة قد استظهرت أن تسليم الشيك لم يكن على وجه الوديعة، وإنما كان لوكيل المستفيد، وأنه تم على وجه تخلى فيه الساحب نهائياً عما سلمه لهذا الوكيل، فإن الركن المادي للجريمة يكون قد تحقق“ (ومفهوم المخالفة من ذلك أنه إن ثبت أن التسليم لم يكن نهائياً، وإنما كان على سبيل الوديعة فلا إعطاء، ولا ركن مادي، ولا جريمة). (نقض 27/5/1958 - س 9 – رقم 149 – ص 582)
- ”من المسلم به أنه يدخل في حكم الضياع السرقة، والحصول على الورقة بطريق التهديد، وحالتا تبديد الشيك والحصول عليه بطريق النصب“. (نقض 13/12/1970 - س 21 - رقم 291 - ص 1203) (وبمفهوم المخالفة نقض 27/5/1958 – س 9 – 149 – 582)
- من المسلم به أن يدخل في حكم الضياع السرقة، والحصول على الورقة بطريق التهديد، وحالتا تبديد الشيك والحصول عليه بطريق النصب – وكذا تزويره، – فانتفاء إرادة التخلي النهائي عن الشيك لسرقته أو فقده أو تزويره أو تبديده ينهار به الركن المادي للجريمة وهو فعل الإعطاء.
- نقض 21/3/1977 - س 28 – رقم 81 - ص 378
- نقض 2/3/1975 – س 26 – 43 – 197
- نقض 3/1/1994 – س 45 – 3 – 50 – الطعن 21223 / 59 ق
- نقض 9/3/1994 – الطعن 16415 / 61 ق
- نقض 1/2/1994 – الطعن 7242 / 61 ق (يراجع في الحكمين الأخيرين ”المستحدث“ من المبادئ التي قررتها الدوائر الجنائية لمحكمة النقض عن العام القضائي 93/ 94 أعداد المكتب الفنى لمحكمة النقض ص 169 – 172).
- وجدير بالذكر أن محكمة النقض قضت في 13/4/1994 – س 45 – 12 – 94 بأن ”الدفاع بتبديد الشيك –دفاع جوهري، وبأنه يتحتم على محكمة الشيك أن توقف الدعوى طبقاً للمادة 222 أ.ج ما دام الحكم فيها يتوقف على نتيجة الفصل في دعوى جنائية أخرى (جنحة تبديد الشيك) – وأنه يتعين على محكمة الشيك أن تمحص دفاع المتهم بإدانة المدعي بالحق المدني أمام محكمة أول درجة عن تبديد الشيك – بلوغاً إلى غاية الأمر فيه، أو الرد عليه بما يدفعه، وإلا عابه القصور والإخلال بحق الدفاع“. (نقض 13/1/1994 – س 45 – 12 – 94)
4. الخلاصة الفقهية والقضائية لركن الإعطاء
القاعدة إذن، أن ”الإعطاء“ هو قوام جريمة إعطاء شيك، وركنها المادي الذي لا قيام لها بدونه، وهو لا يتحقق بمجرد كتابة أو تحرير أو إنشاء أو إصدار أو توقيع أو مناولة الشيك، بل لابد لتحققه من إطلاقه حراً غير مقيد في التداول، ولا يكون ذلك إلا بتسليمه أي بإعطائه نهائياً للمستفيد، بأن يتخلى الساحب تخلياً نهائياً وإرادياً عن حيازة الشيك، ويطلقه إطلاقاً حراً غير مقيد في التداول.... وأنه إذا كان ”الإعطاء أو التخلي“ عملاً إرادياً، لابد أن يصدر عن إرادة حرة، فإن انتفاء هذه الإرادة الحرة بسبب فقد الشيك أو ضياعه أو تبديده أو لغير ذلك، يؤدي إلى انتفاء الإعطاء، وينهيار بالتالي الركن المادي للجريمة وهو فعل الإعطاء وتنتفي من ثم المسؤولية.
5. آراء الفقهاء وكبار الشراح في ركن الإعطاء
رأي الدكتور محمود نجيب حسني
يقول الأستاذ العميد الدكتور محمود نجيب حسني، في كتابه القسم الخاص (ط 1986) ص 1076 / 1077، ما نصه:
”يقوم ”الإعطاء“ على عنصرين: مادي، هو المناولة المادية، وعنصر معنوي، هو إرادة التخلي عن الحيازة لدى الساحب وإرادة اكتسابها لدى المستفيد“.
”فإذا لم تكن ثمة مناولة مادية، إذ اقتصر الساحب على تحرير الشيك الذي لا يقابله رصيد والتوقيع عليه ولكنه احتفظ به في حيازته فهو لا يرتكب جريمة إعطاء الشيك بدون رصيد، بل إنه لا يرتكب الجريمة إذا عرض هذا الشيك على المستفيد دون أن يناوله له. وإذا أرسل الساحب الشيك بالبريد إلى المستفيد فهو لا يرتكب الجريمة طالما لم يتسلم المستفيد الشيك، فإذا تسلمه اعتبر وقت التسلم هو لحظة الارتكاب الجريمة، وإذا ناول الساحب الشيك الذي لا يقابله رصيد إلى مودع لديه فهو لا يرتكب بذلك الجريمة، فالمودع لديه يحوز الشيك لحساب الساحب فهو بذلك لم يخرج من حيازته (الدكتور رؤوف عبيد ص 514، الدكتور عمر السعيد رمضان رقم 515 ص 613، الدكتورة فوزية عبد الستار رقم 986 ص 896).
وإذا ناول الساحب الشيك إلى وكيل عنه كي يسلمه فيما بعد إلى المستفيد فلا يرتكب بذلك فعل الإعطاء، إذ لم يخرج الشيك من حيازته، فحيازة وكيله هي امتداد لحيازته، وإنما يرتكب الإعطاء حين يسلم الوكيل الشيك إلى المستفيد. وإذا انتفى العنصر المعنوي للتسليم فلا يرتكب فعل الإعطاء، ويُفترض ذلك أن خروج الشيك من سيطرة الساحب لم يكن إرادياً؛ فإذا حرر الساحب الشيك الذي لا يقابله رصيد ووقع عليه ثم احتفظ به ولكنها سرق منه أو فقد، ثم دفع به سارقه أو ملتقطه إلى التداول فهو لا يرتكب بذلك فعل الإعطاء ولو ثبت أن مرجع السرقة أو الفقد إلى إهماله، ذلك أن الإهمال لا يخلق إرادة التخلي عن الحيازة، بل إنه يؤكد انتفاء هذه الإرادة، وبالإضافة إلى ذلك، فالجريمة عمدية ومن ثم لا يكفي الإهمال لقيامها“
(نقض 1 مارس سنة 1971 مجموعة أحكام محكمة النقض س 22 رقم 44 ص 183).
رأي الدكتور محمود مصطفى
يقول الأستاذ العميد الدكتور محمود مصطفى، في كتابه القسم الخاص (ط 1984) رقم 485 – ص 573:
”الأفعال السابقة على الإعطاء مثل تحرير الشيك وتوقيعه لا تعد إعطاءً، – ولا يعد إعطاءً مناولة الشيك لوكيل، لأن الساحب لا يكون عندئذ قد تخلى نهائياً عن الشيك“.
”الإعطاء“ هو إذن قوام جريمة الشيك، وبانتفاء ”الإعطاء“ الإرادي الحر ينتفي الركن المادي وتنتفي الجريمة.
اعداد المحامي/عدنان محمد عبدالمجيد