recent
جديد المشاركات

أحكام الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة في القانون اليمني

أحكام الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة في القانون اليمني- المحامي عبدالرقيب القاضي

تعريف المصلحة وبيان المقصود بها

تعريف شرط المصلحة في الدعوى

هذا الشرط - بخلاف شرطي الأهلية والصفة - قاصر على الطرف المدعي دون المدعى عليه، سواء كان مدعياً أصيلاً أو فرعياً (1). وقد خاض الفقه كثيراً في تعريف المصلحة وبيان المقصود بها كشرط في الدعوى القضائية (2). ومن مجمل ذلك نخلص إلى أنّ المصلحة هنا: هي المنفعة العملية المشروعة - مادية كانت أو معنوية - التي يريد المدعي تحقيقها بالالتجاء إلى القضاء للحكم له بطلباته كلها أو بعضها.

المقصود بالمصلحة كشرط في الدعوى القضائية 

ومعنى كون المصلحة "منفعة": أنّه لا يجوز الالتجاء إلى القضاء عبثاً، دون رغبة في تحقيق فائدة ما. ومعنى كون المنفعة "عملية": أنّ المسائل النظرية لا تصلح في ذاتها لأن تكون محلاً لدعوى قضائية؛ فالقضاء لا يفتي، ومجاله ليس للمجادلات النظرية الصرفة (3)، وأن تكون تلك المنفعة التي يحميها القانون (4).

قاعدة المصلحة مناط الدعوى

ومن هذا المفهوم انبثقت قاعدة "المصلحة مناط الدعوى" أو "لا دعوى دون مصلحة"، ومن ثم فشرط المصلحة لازم في الدعوى المستعجلة، شأنها شأن العادية. ولا يشترط أن تكون المنفعة التي يجنيها المدعي كبيرة، فالمصلحة ولو كانت بسيطة فهي جديرة بالحماية ما دامت المنفعة التي يجنيها المدعي مشروعة. ويرى البعض أنّ المصلحة جديرة بالحماية ولو كانت تافهة (5)، إلا أنّنا نميل إلى الرأي المخالف القائل بأنّ: المصلحة التافهة أو الحقيرة في حكم المعدومة (6)؛ إذ لا يستساغ شغل وقت القضاء في التوافه والمحقرات من الأمور.

رأي فقهاء القانون في شرط المصلحة في الدعوى

ومن فقهاء القانون من يرى أنّه إذا اعتدي على حق الشخص، فقد تحققت له مصلحة في الالتجاء إلى القضاء، وهو أيضاً يبتغي منفعة من هذا الالتجاء (7). وعليه يخلص هؤلاء إلى القول بأنّ: "المصلحة إذن هي الباعث على رفع الدعوى، وهي من ناحية أخرى الغاية المقصودة من اللجوء إلى القضاء" (8). ونحن نشاطرهم هذا الرأي في شطره الأخير، مع التحفظ على شطره الأول (9)، إلا إذا كان مقصودهم مُطلق المصلحة؛ مشروعة كانت أو غير مشروعة، أمّا إذا كان المقصود المصلحة المشروعة، فإنّ الباعث على رفع الدعوى - باعتبارها وسيلة اللجوء إلى القضاء - ليست المصلحة المجردة؛ بل أساس المشروعية الذي كفل حماية هذه المصلحة، سواء كان في شكل نص أو مبدأ قانوني أو في شكل وقائع مادية؛ فأساس المشروعية إذن يمثل "سبب الدعوى"، والسبب ركن من أركان الدعوى مستقل بذاته؛ فبدون أساس شرعي يكون المدعي قد أساء استخدام حق التقاضي، مما يقتضي رفض دعواه؛ لانعدام أو اختلال ركن السبب فيها، وليس لعدم المصلحة. ومما يؤكد سلامة تحفظنا أن د. أبو الوفا نفسه قد فرق بين الدعوى وبين الحق الذي تحميه (10). ووفقا لهذه التفرقة الدقيقة قد يكون لشخص ما مصلحة في رفع دعوى ضد آخر تتمثل في مجرد الكيد به، ولكن ليس له مصلحة في حماية الحق الذي يدعيه؛ إذ لا حق له أصلا، وإن كانت بعض القوانين تشترط لقبول دعوى المدعي أن يكون حسن النية، كالقانون اللبناني (مادة 31 أصول محاكمات مدنية). وقد علّق بعض فقهاء القانون على هذا الشرط بالقول: إنّ حسن النية شرط بديهي يتضمنه شرط كون المصلحة قانونية (11)، بينما نرى أنّ النية محلها القلب ولا يمكن للقاضي القطع بحسن أو سوء نية المدعي إلا في اللحظات الأخيرة، بعد أن تكون الدعوى قد قُبلت، وتم الخوض في موضوعها، بل والفصل فيه.

"إنّما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذن منه شيئا؛ فإنما أقطع له قطعة من النار" (12)، كما أنّ المدعي قد يكون سيء النية رغم أنّ له مصلحة، خاصة إذا كانت المصلحة التي يبتغي تحقيقها بسيطة أو تافهة. ومن جهة أخرى فإنّ كون المصلحة قانونية يعني - كما سيأتي - أنّ القانون يقرها، ونصوص القانون، كما هو معلوم، توضع باعتبار ظاهر الحال، لا بالنوايا.

شرط المصلحة في الدعوى في القانون اليمني

هذا وتأكيدا على أهمية اشتراط مصلحة المدعي نص عليها الدستور اليمني في المادة (51) بقوله: "يحق لكل مواطن أن يلجأ للقضاء لحماية حقوقه ومصالحه المشروعة...". كما ينص القانون في كل من اليمن ومصر على حيث تنص المادة (75) من قانون المرافعات اليمني أنّه: "لا تقبل أي دعوى أو طلب أو دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون، ومع ذلك تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه" (مادة 75 مرافعات يمني، و 3 مرافعات مصري) (13). كما نص قانون المرافعات اليمني في المادة (76) على أن: "تحكم المحكمة بعدم قبول الدعوى أو الطلب أو الدفع إذا تبينت (ولو من تلقاء نفسها) أن لا صفة أو مصلحة فيها، في أي مرحلة من مراحل الدعوى".

شروط توافر شرط المصلحة في الدعوى في القانون اليمني

ويظهر من هذه النصوص أنّ المصلحة المجردة لا تكفي، بل يشترط في المصلحة الجديرة بالحماية أن تكون قائمة (حالة) - إلا في دعاوى الاستعجال فيكفي أن تكون محتملة - وأن تكون مشروعة ومباشرة (14)، على نحو ما سنفصله في ما يلي:

أولاً: أن تكون مصلحة المدعي مشروعة:

معنى كون المصلحة مشروعة؛ أن يقرها القانون المادة (75) من قانون المرافعات اليمني. وتكون المصلحة كذلك إذا كانت تستند إلى حق أو مركز يحميه القانون (15). وتقدير القاضي لهذه المشروعية يختلف من بلد إلى آخر؛ فما هو مشروع في بلد قد لا يكون كذلك في بلد آخر، وما يكون محظورا في بلد قد يكون مشروعا في غيره. فعلى سبيل المثال لا يصح في جميع القوانين أن يطلب شخص الأمر أو الإذن ببيع مخدرات قابلة للتلف، أما إذا كان المطلوب بيعه خمرا، فالأمر يختلف من دولة إلى أخرى؛ فتجارة الخمور غير محظورة قانونا في بعض الدول، ومن ثم يجوز للقاضي في أي من تلك الدول أن يأمر أو يأذن ببيعها، بينما تجارة كهذه محظورة في دول أخرى - من بينها اليمن - وبالتالي فليس للقاضي اليمني أن يقبل طلبا كهذا، ولو كانت الخمور معرضة للتلف؛ لأن الواجب إتلافها. وكذلك الحال في الطلبات المستعجلة بأي من العقود والالتزامات غير القانونية.

ثانياً: أن تكون مصلحة المدعي قائمة (حالة):

المقصود بكون المصلحة قائمة: أن تكون مصلحة المدعي (16) - في الحكم له بطلباته أو بعضها - حالة قائمة أثناء نظر الدعوى. ولا يكفي أن تكون مصلحة المدعي قائمة أثناء نظر الدعوى؛ بل يجب أن تبقى كذلك إلى ما بعد الحكم في الدعوى بصورة نهائية - ابتدائية كانت أو استئنافية - فإن زالت المصلحة أثناء الخصومة (17)، وبالتالي يجب الحكم بعدم قبول الدعوى أو الطعن بحسب الأحوال. وهذا ما قضت به المحكمة العليا في اليمن مقررة بأنّ: المصلحة "يجب أن تظل قائمة حتى صدور الحكم في الموضوع، أي حتى يتم الفصل فيه في مرحلة الاستئناف فيكون الحكم فيها نهائيا وقابلا للتنفيذ، ومن ثم يكون وجوده كعدمه" (18). وبنحو ذلك قضت محكمة النقض المصرية؛ بقولها: "قاعدة المصلحة مناط الدعوى - وفق المادة الثالثة من قانون المرافعات - تطبق لحين الطعن بالنقض" (19).

وبما أنّ المادة (104/و) من قانون المرافعات اليمني تقضي باستيفاء شروط الدعوى - بما في ذلك الصفة والمصلحة - قبل إعلان المدعى عليه بالدعوى، فمعنى ذلك أنّها توجب توافر شرط المصلحة وقت رفع الدعوى (20). وهو ما يذهب إليه بعض فقهاء القانون (21)، بيد أنّ منهم من يرى أنّه قد ترفع دعوى مبتدأة من شخص لا مصلحة قائمة له، فيتم الدفع بانعدام مصلحته، ثم وقبل الفصل في الدفع، تتحقق له المصلحة، ففي حالة كهذه تقبل دعواه. وهو ما نميل إليه؛ فالقاعدة: أنّ الشرط يدور مع المشروط وجوداً وعدماً.

الاستثناء من شرط كون المصلحة قائمة:

الأصل - كما سلف القول - عدم جواز قبول الدعوى ما لم تكن مصلحة المدعي قائمة، ومع ذلك ونظرا للطبيعة الخاصة للدعاوى المستعجلة، فإن مجرد وجود مصلحة محتملة لمدعي الاستعجال كاف لقبول طلبه. وهذا ما قرره القانون؛ فبعد اشتراط كون المصلحة قائمة أضاف قائلا: "... ومع ذلك تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه" (مادة 75 مرافعات يمني، و 3 مرافعات مصري) (22).

وننوه هنا إلى أهمية التفرقة بين المصلحة "المحتملة" والمصلحة "المستقبلة"؛ فرغم أنّ المصلحة في الحالتين لم تتولد بعد، أي أنّ تحققها متعلق بالمستقبل، إلا أنّ المصلحة "المستقبلة" أقرب إلى المصلحة القائمة (الحالة)؛ فهي موجودة حكما، كل ما هنالك أنّ حلولها مقترن بشرط أو بأجل، أمّا المصلحة المحتملة فقد تتحقق مستقبلا وقد لا تتحقق (23). وكما هو ظاهر من النص أعلاه فإنّ قبول المصلحة المحتملة للمدعي ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بتوافر إحدى حالتين: أولاهما: الاحتياط لدفع ضرر محدق. وتحت هذه الحالة الأولى تدخل جميع الطلبات المستعجلة. والأخرى: الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه. وتحت هذه الحالة يدخل طلب إثبات الحالة، وطلب سماع شاهد (24). هذا ويذهب البعض - وهو ما نميل إليه - إلى أنّ الاكتفاء بمصلحة المدعي المحتملة استثناء قاصر على دعاوى الاستعجال دون الدعاوى العادية (25).

ثالثاً: أن تكون مصلحة المدعي مباشرة (شخصية):

كون المصلحة مباشرة يعني: أنّ الحكم للمدعي بطلباته كلها أو بعضها سيعود بفائدة لشخصه، سواء كانت تلك الفائدة مادية أو معنوية (26). وهذا ما قضت به المحكمة النقض المصرية بقولها: "من المقرر أنّ المصلحة المباشرة هي مناط الدعوى، بحيث إذا تحققت كانت الدعوى مقبولة" (27). وهذه القاعدة تسري أيضا على الدعاوى المستعجلة أيضا (28).

فمعنى كون مصلحة المدعي مباشرة لا يعني أن الفائدة تعود عليه حصراً؛ فليس ثمة ما يمنع من استفادة الغير بالتبعية؛ كطلب قسمة تركة المؤرث من قبل أحد الورثة، وكذا الطلب المستعجل بوضعها تحت الحراسة إلى أن تتم القسمة؛ فالحكم بهذين الطلبين أو بأحدهما يعود بالفائدة على بقية الورثة وإن لم يكونوا طرفاً في أي من ذلك. وكذلك الحال بالنسبة للطلبات المستعجلة التي قد يتقدم بها الشريك على الشيوع؛ كمالك شقة في عمارة بشأن حماية الأجزاء المشتركة فيها كالسلم والمصعد والسطح (29).

الاستثناء من شرط المصلحة المباشرة:

مع أنّ الأصل في مصلحة المدعي أن تكون مباشرة لشخصه، إلا أنّ المقنن اليمني قد توسع بشأن المصلحة المباشرة في طائفتين من الدعاوى:

الطائفة الأولى: المنازعات الانتخابية: 

فقد منح القانون اليمني لكل مواطن - في إطار دائرته الانتخابية - حق الطعن أمام المحكمة الابتدائية في قرارات لجنة مراجعة جداول الناخبين، كما توسع أكثر عندما مَنَحَ كل مواطن حق الطعن بالاستئناف في قرارات المحكمة الابتدائية (مادة 16 انتخابات يمني). ومَنَحَ كل ناخب - شارك في الانتخابات - حق الاعتراض في نتائج الانتخابات (عمليات التصويت) بالطعن أمام المحكمة العليا (مادة 72 انتخابات)، وكذا حق الطعن في صحة العضوية (مادتان 75، 76 انتخابات).

الطائفة الأخرى: المنازعات الدستورية:

لما كان الدستور والقانون في اليمن قد جعل الرقابة على الدستورية من اختصاص المحكمة العليا، ولأنّ إجراءات التقاضي أمام هذه المحكمة تتم وفقاً لقانون المرافعات - شأنها شأن غيرها من طبقات المحاكم - فإنّ وسائل الرقابة الدستورية، تشمل رفع الدعوى المباشرة (30). وإعمالاً للقواعد العامة يحق لكل ذي مصلحة رفع دعوى مباشرة أمام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا. ولا شك أنّ حماية مبدأ المشروعية يمثل مصلحة قائمة على الدوام بالنسبة لكل مواطن، كل ما هنالك أنّ المصلحة هنا ليست مباشرة.

المصلحة هنا ليست مباشرة، وهو ما يسمى بـ"المصلحة المفترضة" (31)؛ لذا لا يغيب عنّا الفرق بين كون المصلحة "غير مباشرة" وبين كونها "محتملة"؛ فالمصلحة في دعاوى كهذه لا تتمثل في كون المدعي يدفع ضررا محتملا قد يصيبه فيما لو طبق القانون عليه، بحيث يشترط لقبول دعواه أن يكون حال رفعها ممن يخضعون لأحكام القانون محل الدعوى (32). كما أنّ اعتبار مصلحة المدعي هنا احتمالية، لا يتفق والنص القانوني الذي تضمّن الاستثناء من شرط المصلحة القائمة (مادة 75 مرافعات يمني، ومادة 3 مرافعات مصري)؛ فلا يمكن اعتبار دعوى عدم الدستورية من قبيل "الاحتياط لدفع ضرر محدق"، كما أنّ رفعها - ليس من قبيل "الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه"؛ ومن ثَمّ لا تدخل هذه الدعوى ضمن الاستثناء، ويشترط لقبولها أن تكون المصلحة قائمة (حالة)، ولا يمكن أن تكون المصلحة كذلك، في دعاوى عدم الدستورية، إلا إذا كانت حماية مبدأ المشروعية. وتجدر الإشارة إلى أنّ المنازعات الدستورية في مصر لا تخضع لقانون المرافعات بل لقانون خاص، هو قانون مجلس الدولة، ومن ثمّ فإنّ قضاء المحكمة الدستورية العليا في مصر قد جرى على اشتراط المصلحة المباشرة بحجة "أنّ القول بأنّ لكل مواطن صفة مفترضة في اختصام النصوص التشريعية المُدّعى مخالفتها للدستور ... هو انتقال بالرقابة القضائية على الدستورية إلى مرحلة لم يبلغها بعد قانون المحكمة الدستورية" (33)، فقوله: "إلى مرحلة لم يبلغها بعد قانون المحكمة الدستورية"، فيه إشارة ضمنية إلى أنّ القضاء يطمح إلى بلوغ هذه المرحلة، لولا القيود التي فرضها المقنن المصري على ولاية القضاء، ولا وجود لقيود كهذه في اليمن؛ ومن ثم لا محل للقياس هنا.

الفرق بين شرط الصفة وشرط المصلحة المباشرة في الدعوى

وننوه إلى أنّ من الفقه (34) من يرى أنّ شرط المصلحة المباشرة للمدعي هو ذاته شرط الصفة (سلطة المخاصمة)؛ أي كون المدعي مالكا للمدعى به أو حائزا له. ولاشك أنّ ثمة ارتباطا كبيرا بين الصفة بهذا المعنى وبين المصلحة المباشرة للمدعي، بيد أنّ الذي يميز بينهما - في رأينا - أمران:

الأمر الأول الذي يميز بين الصفة والمصلحة المباشرة في الدعوى

أنّ المصلحة - كشرط لقبول الدعوى - إنّما تشترط في الطرف المدعي فقط، بخلاف الصفة، فهي شرط لازم في الطرفين، على نحو ما سلف من تفصيل بهذا الخصوص. ومن جهة أخرى فإنّ "المدعي هو من معه أخفى الأمرين، وهو من يدعي خلاف الظاهر، والمدعى عليه من معه أظهر الأمرين" (مادة 3 إثبات يمني). وعليه فمن مصلحة المدعى عليه - ولاشك - عدم رفع الدعوى، ومن هذا المنطلق اشترط لقبول الدعوى: أن تكون قد رفعت من ذي صفة على ذي صفة (35)، ولم يقل أحد بلزوم رفعها من ذي مصلحة على ذي مصلحة.
هذا بالنسبة للدعوى كعمل مادي وإجرائي معا، أمّا الدعوى كخصومة (قضية)، فلا شك أنّ مصلحة الخصم المدعى عليه على خصمه المدعي، وإن لم يكن له طلبات، لما يترتب على ذلك الحكم من تثبيت وترسيخ لحقه في مواجهة المدعي وخَلَفِه العام، ومن باب أولى إذا تغيرت المراكز القانونية وصار المدعى عليه مدعيا فرعيا، بيد أنّ الحديث عن المصلحة في هذه المرحلة (مرحلة الدعوى خصومة) ليس مقصود القانون والفقه، فالحديث في هذه المرحلة إنما هو عن محكوم له ومحكوم عليه، لا عن مدع ومدعى عليه.

الأمر الآخر الذي يميز بين الصفة والمصلحة المباشرة في الدعوى

أنّ المدعي قد يكون غير ذي صفة؛ كأن يكون غير مالك للمدعى به أو غير حائز عليه، ومع ذلك فقد تكون له مصلحة مباشرة في الحكم له ولو ببعض طلباته، بل قد تقتصر مصلحته في مجرد الكيد للمدعى عليه؛ لهذا اشترط أن تكون مصلحة المدعي مشروعة. لكن القاسم المشترك بين الصفة والمصلحة تكون في الحالة العكسية، وهي أنّ كل ذي صفة لاشك له مصلحة في حماية حقه.

والملاحظ أنّ الذي جعل البعض يجمعون بين "الصفة" و"المصلحة المباشرة"، هو كونهم يرون أنّ مجرد الاعتداء على حق الشخص - أو منازعته بشأن ذلك الحق - يحقق له مصلحة في الالتجاء إلى القضاء، وبأنه يبتغي أيضاً منفعة من هذا الالتجاء (36). وهذا - كما سلف - غير دقيق، فالاعتداء على الحق محل الدعوى أو المنازعة بشأنه هو مجرد واقعة، هذه الواقعة تمثل ركن السبب في الدعوى كما سيأتي، أمّا المصلحة - كما يراها جمهور الفقهاء بمن فيهم أصحاب هذا الرأي - إنما تكمن في المنفعة العملية المشروعة التي سيجنيها المدعي من لجوئه للقضاء للحكم له بطلباته أو بعضها (37).


قائمة الحواشي والمراجع:

  1. فإذا رد المدعى عليه على الدعوى فقد صار مدعيا، وبالتالي يلزم أن تكون له مصلحة في ذلك الدفع.
  2. راجع بهذا الشأن د. أحمد أبو الوفا: ص 110. ومحمد علي راتب ومن إليه: ص 151. ود. سيد أحمد محمود: ص 26. ود. أمينة النمر: ص 338. ود. خميس السيد إسماعيل: ص 56. ود. عبداللطيف هداية الله: ص 333. ومحمد منقار بنيس: ص 63. ود. علي صالح القعيطي: ص 49. ود. إبراهيم محمد الشرفي: ص 84. ود. سعيد خالد الشرعبي: ص 132. ود. عباس العبودي: ص 189 (مراجع سابقة). ود. أحمد مسلم: أصول المرافعات، ص 304. ود. محمد محمود إبراهيم: أصول المرافعات، ص 16.
  3. د. أحمد مسلم: أصول المرافعات، ص 304.
  4. د. محمد محمود إبراهيم: أصول المرافعات، ص 16.
  5. محمد علي راتب ومن إليه: ص 151. وعز الدين الدناصوري وحامد عكاز: ص 741 (مراجع سابقة).
  6. د. أحمد مسلم: قانون القضاء المدني، منشورات دار النهضة العربية - بيروت 1966م، ص 153.
  7. ود. أمينة النمر: ص 338. ود. أحمد أبو الوفا: ص 110. محمد علي راتب ومحمد نصر الدين كامل ومحمد فاروق راتب: ص 151. وعز الدين الدناصوري وحامد عكاز: ص 741 (مراجع سابقة).
  8. د. أحمد أبو الوفا: ص 110. ود. أمينة النمر: ص 338 (مراجع سابقة).
  9. حتى من حيث مقاصد ومدلولات اللغة، فثمة فرق بين "الباعث" وبين "الغاية"؛ فالباعث (السبب) أيا كان لا بد أن يكون مصاحبا للحال، بخلاف الغاية؛ فلا يتصور إلا أن تكون مستقبلة وإلا فليست غاية.
  10. راجع التفاصيل بشأن هذه التفرقة د. أحمد أبو الوفا: المرجع السابق، ص 105 - 109.
  11. د. أحمد مسلم: قانون القضاء المدني، ص 152.
  12. متفق عليه؛ رواه البخاري برقم (6452)، ورواه مسلم في صحيحه برقم (3231).
  13. وقد أضاف المقنن المصري إلى المادة (3) مرافعات قوله: "ويجوز للمحكمة - عند الحكم بعدم قبول الدعوى لانتفاء شرط المصلحة - أن تحكم على المدعي، بغرامة إجرائية لا تزيد عن خمسمائة جنيه إذا تبينت أن المدعي قد أساء استعمال حقه في التقاضي". ونأمل أن يحذو المقنن اليمني حذوه بتبني هذه الأحكام في أقرب تعديل لقانون المرافعات؛ لما في هذه الأحكام من ردع للخصوم عن إساءة استخدام حقهم في التقاضي.
  14. وقد أضاف البعض شرط: أن تكون المصلحة معلومة، على اعتبار أن الدعوى لا تصح بالمجهول. والواقع أنّ شرط كون المدعى به معلوما، متعلق بمحل الدعوى وهو - كما سيأتي - ركن مستقل بذاته عن ركن الأطراف الذي نحن بصدده. وأما شرط كون طلب المدعي ممكنا لا مستحيلا، فمتعلق بموضوع الدعوى - وليس بأطرافها - وهو الآخر ركن مستقل بذاته.
  15. محمد علي راتب ومحمد نصر الدين كامل ومحمد فاروق راتب: ص 151. ود. سيد أحمد محمود: ص 26. وعز الدين الدناصوري وحامد عكاز: ص 741. ود. خميس السيد إسماعيل: ص 58. ود. عبداللطيف هداية الله: ص 334. ومحمد منقار بنيس: ص 64. ود. علي صالح القعيطي: ص 49. ود. سعيد خالد الشرعبي: ص 134. ود. عباس العبودي: ص 190 (مراجع سابقة). ود. محمد محمود إبراهيم: أصول المرافعات، ص 22.
  16. ومن في حكمه كالمتدخل والـطاعن والمتظلم.
  17. د. محمد محمود إبراهيم: أصول المرافعات، ص 31. محمد منقار بنيس: المرجع السابق، ص 64. وبالمعنى نفسه د. خميس السيد إسماعيل: المرجع السابق، ص 57.
  18. راجع الحكم في الطعن الإداري رقم (26920)، الصادر بتاريخ 2006/12/16م وبرقم (27) لسنة 1427هـ.
  19. الحكم الصادر في 1980/12/23م، مجموعة القواعد السنة 46 قضائية، رقم 989.
  20. د. خميس السيد إسماعيل: ص 57. ومحمد منقار بنيس: ص 63. ود. عبداللطيف هداية الله: ص 334 (مراجع سابقة).
  21. د. أحمد أبو الوفا: المرجع السابق، ص 116.
  22. وبمعنى هذا النص جاء القانون اللبناني (مادة 30 أصول محاكمات). والقانون السوري (مادة 11 أصول محاكمات). أما القانون المغربي فلم ينص على استثناء كهذا. ومع ذلك فالفقه هنالك يرى أنّ عدم النص على المصلحة المحتملة ليس نقصا في القانون المغربي؛ على اعتبار أنّ ورود لفظ "المصلحة" مجردا وعاما، يقتضي فهمه على إطلاقه فيشمل حتى المصلحة المحتملة (راجع د. عبداللطيف هداية الله: المرجع السابق، ص 335. ومأمون الكزبري وإدريس العلوي العبداوي: المرجع السابق، ص 64).
  23. د. أحمد مسلم: أصول المرافعات، ص 304.
  24. تجدر الإشارة إلى أنّ المادة (240) من قانون المرافعات اليمني التي أوردت أمثلة للمسائل المستعجلة قد تضمنت "طلب سماع شاهد"، و"طلب إثبات الحالة". وفي ما عدا ذلك لم يتضمن القانون اليمني أي تنظيم لهما باعتبارهما من المسائل المستعجلة كما هو الحال في القانون المصري، بل يفهم من قانون الإثبات اليمني خلاف ذلك، وهذا ما خلصنا إليه في كتاب "القضاء المستعجل"، ففي المبحث السادس من الباب الثاني تعرضنا لكل من هذين الطلبين وفقا للقانون المصري، واختتمنا المبحث ببيان طبيعة الطلبات المستعجلة المتعلقة بالإثبات في القانون اليمني، ص 291 - 334).
  25. محمد منقار بنيس: ص 63. وبالمعنى نفسه محمد علي راتب ومحمد نصر الدين كامل ومحمد فاروق راتب: ص 151 وما بعدها (مراجع سابقة). ود. أحمد مسلم: أصول المرافعات، ص 304 وما بعدها.
  26. د. محمد محمود إبراهيم: أصول المرافعات، ص 22.
  27. الحكم الصادر في 1967/1/27م، مجموعة القواعد السنة 19 قضائية، ص 1414.
  28. د. خميس السيد إسماعيل: ج5، ص 60. ود. أمينة النمر: ص 346 (مراجع سابقة). ود. عبدالملك الجنداري: القضاء المستعجل، ص 485، أو ص 492 في الطبعة الثالثة.
  29. محمد منقار بنيس: المرجع السابق، ص 63.
  30. بالإضافة إلى وسيلة الدفع من قبل الخصوم بصدد قضية منظورة أمام القضاء. وقد اقتصر المقنن في مصر على هذه الوسيلة بالإضافة إلى وسيلة التصدي القضائي والإحالة (مادة 29 محكمة دستورية).
  31. فالدستور - كما هو معلوم - عقد اجتماعي بين مواطني الدولة، ولما كان هذا العقد يمثل المشروعية التي ينبغي أن تستند إليها القوانين واللوائح ونحوها، فلكل مواطن مصلحة قائمة في حماية هذه المشروعية من أي خرق أو انتهاك قد يصيبها، عن طريق دعوى عدم الدستورية.
  32. كالموظف العام بالنسبة لقانون الخدمة المدنية، والقاضي بالنسبة لقانون السلطة القضائية.
  33. راجع حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بتاريخ 1994/5/7م، في الطعن رقم 1 لسنة 15 دستورية (ذكره د. محمد محمود إبراهيم: أصول المرافعات، ص 19، 20).
  34. د. أحمد أبو الوفا: ص 116. ود. رمزي سيف: ص 140. وعز الدين الدناصوري وحامد عكاز: ص 741. ومحمد منقار بنيس، ص 65 (مراجع سابقة).
  35. د. أبو أحمد الوفا: ص 123. محمد على راتب ومن إليه: ص 156. محمد منقار بنيس: ص 70 (مراجع سابقة).
  36. راجع د. أحمد أبو الوفا: ص 110. ومحمد على راتب ومحمد نصر الدين كامل ومحمد فاروق راتب: ص 151. ود. أمينة النمر: ص 338.
  37. د. أحمد أبو الوفا: ص 110. ومحمد على راتب ومحمد نصر الدين كامل ومحمد فاروق راتب: ص 151. ود. أمينة النمر: ص 338. ود. سيد أحمد محمود: ص 26. ود. خميس السيد إسماعيل: ص 56. ومحمد منقار بنيس: ص 63. ود. علي صالح القعيطي: ص 49. ود. سعيد خالد الشرعبي: ص 132. ود. إبراهيم محمد الشرفي: ص 84 (مراجع سابقة).
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent