يُعد "التحكيم" قضاءً خاصاً يرتكز في جوهره على الثقة والعدالة، ولضمان هذه العدالة، أوجب المشرع على هيئات التحكيم الالتزام بقواعد النظام العام وضمانات حق الدفاع، وعلى رأسها مبدأ "المواجهة". وتتجلى خطورة الإخلال بهذه الضمانات حينما يتجاوز المحكم سلطته القضائية وينصبُّ نفسه خبيراً فنياً في مسائل دقيقة تتطلب تخصصاً ومؤهلات علمية، متجاهلاً بذلك القواعد الآمرة التي تفرض الاستعانة بأهل الخبرة.
في هذا المقال، نسلط الضوء على إشكالية قانونية بالغة الأهمية؛ وهي "بطلان أحكام المحكمين" حينما يبني المحكم قضاءه على علمه الشخصي في مسائل فنية (محاسبية أو هندسية) دون تعيين خبير متخصص، ودون منح الأطراف فرصة لمناقشة هذا الدليل، مما يعد إهداراً صارخاً لحق الدفاع ومخالفةً جسيمةً للنظام العام. ومن خلال نصوص قانون الإثبات وقانون التحكيم اليمني، سنبين لماذا يُعد هذا المسلك طريقاً محتوماً لبطلان الحكم، ولماذا لا يجوز للمحكم أن يجمع بين صفتي "الخبير والحكم" في آنٍ واحد.
أهمية الاستعانة بالخبراء في المسائل الفنية
تُعد الاستعانة بالخبراء والعدول للقيام بأعمال فنية من طرق الإثبات وأدلته، وفقاً لما قضت به المادة (13) من قانون الإثبات الشرعي بقولها:
[طرق الإثبات هي: 1-... : 7- تقرير الخبراء.]
وقد أوجب المشرع الاستعانة بالخبراء في الأعمال الفنية في المسائل الحسابية والهندسية التي يدق فهمها، وفقاً لما نصت عليه المادة (165) من قانون الإثبات بقوله:
[على المحكمة في المسائل الفنية كمسائل الطب والهندسة والحساب وغيرها مما يدق فهمه أن تعين خبيراً (عدلاً) أو أكثر من المؤهلين علمياً وفنياً أو ممن لهم خبرة خاصة المشهورين بذلك لتستعين بهم في كشف الغامض من هذه المسائل مما يفيد إثبات الواقعة المراد إثباتها.]
ولا يجوز القيام بأعمال الخبرة (العدول) بعيداً عن طرفي الخصومة؛ فيجب أن يكون تعيين الخبراء وقيامهم بالمهمة الموكل إليهم بمواجهة الأطراف، والتعيين حتماً لا يتم إلا بمحضر جلسة وأثناء إجراءات نظر الخصومة، وفقاً لما نصت عليه المادة (170) من ذات القانون بقولها:
[يكون أداء المهمة بحضور الخصوم كلما أمكن ذلك، ويجب على الخبير استدعاؤهم لذلك وأن يحرر محضراً بالإجراءات التي تمت يوقع عليه مع الخصوم الحاضرين، ويثبت غياب من غاب منهم واستدعاءه له.]
ويجب على الخبراء إيداع وتسليم التقرير إلى هيئة الحكم قبل إقفال باب المرافعة، وهو ما نصت عليه صراحةً المادة (172) من ذات القانون بقولها:
[على الخبير أو الخبراء تقديم تقاريرهم في الميعاد الذي حددته المحكمة، ويجوز للخبراء إذا تعددوا تقديم تقرير مشترك متفق عليه بينهم وموقع عليه منهم، كما يجوز لكل منهم أن يقدم تقريراً مستقلاً برأيه موقعاً عليه منه.]
الاستعانة بالخبراء في قانون التحكيم
لا يختلف ذلك كله في إجراءات التحكيم، وفقاً لما نصت عليه المادة (42) من قانون التحكيم بقولها:
[يجوز للجنة التحكيم أن تعين خبيراً أو أكثر لتقديم تقرير مكتوب أو شفوي بشأن ما تراه من قضايا متعلقة بموضوع النزاع. وعلى أطراف النزاع تقديم المساعدة اللازمة لتمكين الخبير أو الخبراء من إكمال المهمة على خير وجه...]
ولما كان الحال كذلك، فإن أي نزاع يكون موضوعاً أمام هيئة التحكيم يستوجب أعمالاً محاسبية تجارية، يجب على المحكم تعيين خبير لإجراء المحاسبة، ولا يجوز للمحكم أو القاضي القيام بها بنفسه لعدة أسباب، أبرزها:
أسباب بطلان حكم التحكيم في أعمال الخبرة
1. قيام المحكم أو القاضي بأعمال الخبرة الفنية مخالف للنظام العام
فالقاعدة الآمرة المنصوص عليها في المادة (165) من قانون الإثبات تفيد الوجوب والإلزام في تعيين خبير متخصص، وقد استدل أهل العلم على وجوب الاستعانة بأهل الخبرة بقول الله تعالى: ((ولا ينبئك مثل خبير)) وقوله تعالى: ((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)).
فإذا كان القاضي منهياً عن القيام بأعمال المحاسبة والأعمال الفنية، فإن المحكم يكون أشد منعاً، وبالتالي فإن قيام المحكم بنفسه بأعمال الخبرة يجعل من الحكم مخالفاً للقواعد القانونية الآمرة، ومخالفاً لأحكام الدين الإسلامي، مما يعني توافر حالة من حالات البطلان المنصوص عليها في المادة (53) الفقرة (ز) من قانون التحكيم.
2. وجوب حياد القاضي وعدم جواز أن يكون شاهداً وحكماً
يُعد الإخلال بقواعد النظام العام من حالات بطلان أحكام التحكيم، وفقاً للمادة (32) من قانون التحكيم، وبالتالي يكون اصطناع المحكم دليلاً بنى عليه حكمه وقضاءه بعلمه مخالفاً لما نصت عليه المادة (10) من قانون المرافعات: [لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه إلا ما وصل إليه عن طريق مجلس قضائه].
3. عدم جواز مفاجأة الأطراف ووجوب إعمال مبدأ المواجهة
جسد قانون التحكيم مبدأ المواجهة في المادة (33) التي تلزم لجنة التحكيم بمعاملة الأطراف على قدم المساواة، وتلك قاعدة آمرة تتصل بالنظام العام والدستور اليمني (مادة 49). إن اشتمال الحكم على أعمال خبرة دون مواجهة الأطراف يهدم حماية الأطراف ويوقعهم في ضرر مواجهة حكم حائز على حجية الأمر المقضي به قائم على مخالفات جسيمة.
4. تفويت وإهدار حق الأطراف في الدفاع لعدم مواجهتهم بالتقديرات
إن ظهور النتائج المحاسبية في منطوق حكم التحكيم يجعل من المواجهة مستحيلة، مما يستوجب معه التقرير بإلغاء الحكم؛ لما قرره المشرع في المادة (37) من قانون التحكيم من وجوب عرض ما يلزم عرضه على أي من طرفي النزاع.
الخلاصة:
أن إهدار مبادئ وحقوق الدفاع في أحكام التحكيم يستوجب على التقرير ببطلان حكم التحكيم؛ إذ لا يوجد ما هو أشد لزوماً من مواجهة الأطراف بأدلة الإثبات للمناقشة، وعدم مفاجأتهم لحظة النطق بالحكم، والمشرع اليمني منزه عن شرعنة احكام المحكمين بغير استناد لإجراءات عادلة.