recent
جديد المشاركات

طرق اثبات الصورية في القانون اليمني

بيان طرق إثبات الصورية في العقود وفقاً للقواعد العامة وقانون الإثبات

تُعد "الصورية" (Simulation) في المعاملات المدنية والتجارية من المسائل الشائعة التي تشهد نزاعات قضائية واسعة أمام المحاكم؛ والمقصود بها هو قيام المتعاقدين بإخفاء إرادتهما الحقيقية تحت ستر عقد ظاهر وكاذب (العقد الصوري) لغرض معين، بينما توجد اتفاقية أخرى مستترة تُعبر عن الحقيقة (عقد الضد).
وفي هذا الصدد، يضع الفقيه القانوني والمستشار الكبير أحمد نشأت في مؤلفاته تأصيلاً دقيقاً للقواعد العامة الحاكمة لهذه المسألة؛ حيث يُقرر أن الصورية بين المتعاقدين لا يجوز إثباتها إلا وفقاً للقواعد العامة للإثبات المكتوب. وفي هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل طرق إثبات الصورية الـ 4 وسندها في قانون الإثبات والقانون المدني اليمني.

أولاً: ما هي طرق إثبات الصورية بين المتعاقدين؟

وفقاً للفقه المستقر للمستشار أحمد نشأت والقواعد العامة، إذا كان العقد الظاهر مكتوباً، فلا يجوز لأحد المتعاقدين أو ورثتهم إثبات صورية هذا العقد إلا من خلال طرق محددة حصراً، وهي كالتالي:

1. الإثبات بالكتابة (ورقة الضد)

تُعد الكتابة هي الأصل والأقوى لإثبات الصورية؛ فالقاعدة العامة تقضي بأنه لا يجوز إثبات عكس ما ثبت بالكتابة إلا بالكتابة. وبناءً عليه، إذا أراد أحد المتعاقدين إثبات أن البيع أو التنازل الظاهر غير حقيقي، فعليه تقديم مستند مكتوب وموقع من الطرف الآخر يقر فيه بالصورية، وهو ما يُعرف قانوناً بـ "ورقة الضد".
  • التطبيق في القانون اليمني: تتبنى المادة (215) مدني والمادة (100) إثبات يمني هذا المبدأ؛ فالمحرر الرسمي أو العرفي المستوفي للشروط يعد حجة قاطعة على أطرافه، ولا يُقبل نقض مضمون البصائر أو العقود المكتوبة صراحة بمجرد شهادة الشهود، بل يتطلب مستنداً كتابياً موازياً له في القوة.

2. مبدأ الثبوت بالكتابة

إذا لم يمتلك المدعي "ورقة ضد" كاملة، يمكنه الاستناد إلى "مبدأ الثبوت بالكتابة". والمقصود به هو وجود أي كتابة أو ورقة صادرة من الخصم نفسه (مثل رسالة بخط يده، أو سند قبض جزئي، أو مراسلة عبر البريد الإلكتروني) تجعل من تصرف الصورية المحتمل قريباً جداً من التصديق.
  • التطبيق في القضاء اليمني: يُجيز قانون الإثبات اليمني للمحكمة في حال توافر مبدأ الثبوت بالكتابة، أن تسمح للمدعي بإكمال النقص عبر "شهادة الشهود" أو "القرائن القضائية" لإثبات الصورية، وهو استثناء ذكي يسهل حسم الخصومات.

3. اليمين الحاسمة

إذا عجز المدعي تماماً عن تقديم أي دليل مكتوب أو مبدأ ثبوت بالكتابة، فإنه يملك خياراً أخيراً طبقاً للقواعد العامة وهو توجيه "اليمين الحاسمة" إلى خصمه لكي يحلف أمام القاضي صراحة بعدم وجود صورية في العقد.
  • التطبيق في القانون اليمني: نظمت المواد من (105) إلى (118) من قانون الإثبات اليمني أحكام اليمين؛ فإذا حلف الخصم المنكر اليمين المغلظة كسب الدعوى واستقر العقد الظاهر، وإذا نكل (رفض الحلف) حكم القاضي بثبوت الصورية لصالح المدعي.

4. استجواب الخصم

يُعد استجواب الخصم أمام المجلس القضائي وسيلة فعالة لاستخلاص الإقرارات؛ حيث يطلب محامي المدعي من المحكمة مناقشة الخصم وتوجيه أسئلة دقيقة ومباغتة له حول ظروف التعاقد، دفع الثمن، الحيازة، وملابسات العقد الظاهر.
  • التطبيق في القضاء اليمني: يستند القضاة في اليمن إلى ميزة الاستجواب لاستخراج "الإقرار القضائي" أو إيقاع الخصم في التناقض الذي يُعد قرينة قاطعة، علماً بأن المادة (198) مدني تؤكد أن المرء مؤاخذ بإقراره وهو سيد الأدلة.

ثانياً: استثناء هام جداً (إثبات الصورية بكافة الوسائل للغير)

يُشدد المستشار أحمد نشأت على تفريق جوهري أقره أيضاً المشرع اليمني حمايةً للحقوق:
  • بين المتعاقدين: ملتزمون بالوسائل الـ 4 السابقة (الكتابة ضد الكتابة).
  • بالنسبة للغير (الخلف الخاص أو الدائنين): إذا وقعت الصورية إضراراً بحقوق الغير (مثل قيام الأب ببيع أملاكه صورياً لأحد أبنائه لحرمان بقية الورثة)، فإن الورثة المتضررين أو الدائنين يُعتبرون "غيراً" ويحق لهم إثبات صورية هذا العقد بكافة وسائل الإثبات القانونية بما فيها شهادة الشهود، والقرائن، دون التقيد بشرط الكتابة، لأن العقد الصوري يُشكل بحقهم "واقعة مادية وضرر محض".
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent