recent
جديد المشاركات

خصائص جريمة النصب في القانون اليمني

بيان خصائص وأركان جريمة النصب في القانون اليمني

تُعتبر جريمة "النصب والاحتيال" من الجرائم الجنائية الخطيرة التي تشهد تفشياً واسعاً في المعاملات المالية اليومية داخل المجتمع اليمني. وتتميز هذه الجريمة بطابعها الذكي؛ إذ لا يعتمد الجاني فيها على العنف أو الإكراه المادي كسرقة المال بالقوة، بل يعتمد على "سلب إرادة المجني عليه" وإيقاعه في الغلط والخديعة ليسلم ماله طواعية ورضا.

وقد حدد الفقيه الجنائي الكبير الدكتور نجيب حسني أربع خصائص جوهرية تلخص طبيعة هذه الجريمة. في هذا المقال، سنقوم بقراءة تحليلية لهذه الخصائص وموقعها وتطبيقاتها في قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994م.

1. النصب جريمة اعتداء على الأموال

الخاصية الأولى والمباشرة لجريمة النصب هي أنها تندرج تحت مظلة الجرائم الواقعة على المال؛ فالهدف النهائي والوحيد للمحتال هو السيطرة على الثروة المملوكة للغير ونقل حيازتها لنفسه دون وجه حق.
  • تطبيقها في القانون اليمني: أفرد المشرع اليمني الفصل الثالث من الباب الحادي عشر في قانون العقوبات لتنظيم هذه الجريمة، حيث نصت المادة (310) عقوبات يمني على تجريم فعل كل من توصل بالاحتيال إلى الاستيلاء على مال منقول أو عقار أو سندات. وبذلك، فإن القانون اليمني لا يحمي بالنصب الأموال المنقولة (كالنقود والسيارات) فحسب، بل يمد حمايته لتشمل العقارات (كالأراضي والبيوت) والسندات المالية الرسمية والعرفية.

2. قيام الجريمة على تغيير وتشوية الحقيقة (صلتها بالتزوير)

تقوم جريمة النصب في جوهرها على الكذب وتشويه الواقع؛ فالجاني يسعى جاهداً لخلق صورة وهمية ومزيفة في ذهن المجني عليه، ليدفعه إلى الاعتقاد بأن هذا الوهم هو الحقيقة المطلقة، وتقترب هذه الجريمة في هذا الجانب من جريمة التزوير.
  • تطبيقها في القانون اليمني: حددت المادة (310) وسائل الاحتيال التي تقع بها هذه الخاصية، ومنها: استخدام طرق احتيالية، أو الإيهام بوجود مشروع كاذب، أو إحداث الأمل بحصول ربح وهمي، أو اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة.
  • الفرق والصلة بالتزوير: تلتقي الجريمتان في عنصر "تغيير الحقيقة"، ولكن في حين أن التزوير يقع على "محرر ومستند مكتوب" لتهديد الثقة العامة، فإن النصب يقع على "عقل وإرادة المجني عليه" بشكل مباشر لسلب ماله.

3. النصب جريمة مركبة (تعدد الأفعال الجنائية)

على عكس جريمة السرقة البسيطة التي تقوم على فعل واحد وهو (الاختلاس وسحب المال)، فإن جريمة النصب هي جريمة مركبة؛ حيث يصدر عن المتهم عدة أفعال متلاحقة ومتشابكة في السلوك الإجرامي ليتمكن من الوصول لغايته.
  • التحليل الجنائي: يمر السلوك الإجرامي للمحتال بمرحلتين متتابعتين:
    1. المرحلة الأولى: إتيان الكذب والوسائل الاحتيالية المخادعة (السلوك).
    2. المرحلة الثانية: إيقاع المجني عليه في الغلط، ومن ثم دفعه برضاه لتسليم المال (النتيجة).
  • موقف القضاء اليمني: تستقر أحكام الدوائر الجزائية في اليمن على أن مجرد "الكذب الشفهي العادي" لا يكفي وحده لتشكل جريمة النصب، بل يجب أن يقترن الكذب بمظاهر خارجية وأفعال مادية ملموسة (كإبراز وثائق مزورة، أو الاستعانة بشخص آخر لتأييد الأكاذيب) لإقناع الضحية، وهو ما يثبت الطبيعة المركبة للجريمة.

4. النصب جريمة وقتية لا تستغرق زمناً

من الناحية الفنية التوقيتية، يُصنف النصب بأنه جريمة وقتية؛ والسبب في ذلك أن الركن المادي للجريمة يتم ويتحقق كاملاً بمجرد "استلام الجاني للمال" أو السند من الضحية. فالزمن هنا لا يمثل عنصراً مستمراً في الجريمة.
  • الأثر القانوني في اليمن: يترتب على تصنيف النصب كجريمة وقتية أثر بالغ الأهمية في المحاكم اليمنية، وهو تحديد "بدء سريان مدة التقادم". فوفقاً لقانون الإجراءات الجزائية اليمني، تبدأ مدة تقادم الدعوى الجزائية وسقوطها بمضي المدة من "يوم وقوع الجريمة"، وهو بالتحديد يوم تسليم المال وقبضه من قِبل النصاب، ولا عبرة بالوقت الذي استغرقته أعمال الخديعة السابقة أو مدة بقاء المال تحت يد الجاني لاحقاً.

عقوبة جريمة النصب في قانون العقوبات اليمني

حسم المشرع اليمني عقوبة هذه الجريمة التعزيرية في المادة (310) عقوبات، حيث قرر معاقبة كل من ارتكب جريمة النصب والاحتيال بـ: «الحبس مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، أو بالغرامة المالية»، وذلك بجانب التزامه التام برد الأموال المستولى عليها أو العقارات إلى أصحابها تعويضاً عن الضرر.

author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent