recent
جديد المشاركات

الفرق بين التفسير والتأويل في القانون اليمني

تُعد عملية فهم النصوص التشريعية واستباط الأحكام منها من أدق المهام التي يضطلع بها القضاة والمحامون في المنظومة القضائية بالجمهورية اليمنية. ونظراً لأن التشريع اليمني مستمد في أصله من الفقه الإسلامي، فإن القضاء يعتمد بشكل كلي على القواعد الأصولية للغة العربية والتشريع لفهم المقاصد وحسم النزاعات. ومن أبرز المصطلحات التي يكثر دمجها والخلط بينها في صياغة المذكرات وحيثيات الأحكام هما مصطلحا: "التفسير" و"التأويل".

وعلى الرغم من أن كلاً منهما يهدف إلى كشف مراد المشرع، إلا أن هناك فرقاً جوهرياً ودقيقاً بينهما من حيث النطاق، والآلية، والجهة الصالحة للتمسك به. في هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل الفروق القانونية والأصولية بين التفسير والتأويل وتطبيقاتهما في القانون والقضاء اليمني.

أولاً: التفسير للقوانين اليمنية (كشف الظاهر والواضح)

التفسير (Interpretation) في الفقه والقانون هو إيضاح النص التشريعي وكشف معناه وبيان مدلوله بالطرق اللفظية والسياقية، وذلك عندما يكون النص غامضاً أو مبهماً في لفظه ولكنه لا يحتمل إلا معنى مستقيماً واحداً.

خصائص التفسير وضوابطه في اليمن:

  • نطاق العمل: يتعامل التفسير مع "ظاهر النص" ومنطوق الكلمات وسياقها المباشر، ولا يخرج عن المفهوم الحقيقي للألفاظ التي خطها المشرع.
  • سنده في القانون اليمني: قننت المادة (221) وما يليها من القانون المدني اليمني أحكام تفسير العقود والنصوص؛ حيث نصت على أن العبرة بالمقاصد والمعاني الظاهرة من السياق، ويتم التفسير بالبحث عن الإرادة الحقيقية الظاهرة من اللفظ دون تعسف.
  • أنواع التفسير القضائي: ينقسم إلى تفسير تشريعي (يصدر من مجلس النواب)، وتفسير قضائي (تصدره المحكمة العليا عبر دوائرها التفسيرية لتوحيد المفاهيم)، وتفسير فقهي (يقوم به شراح القانون والمحامون).

ثانياً: التأويل للنصوص القانونية (صرف اللفظ عن ظاهره لقرينة)

التأويل (Construction) هو خطوة أعمق وأدق؛ ويعني صَرف اللفظ التشريعي عن معناه الظاهر المتبادر إلى الذهن، وحمله على معنى آخر محتمل ومستتر، وذلك لوجود قرينة قانونية أو شرعية قوية تمنع من الأخذ بالمعنى الظاهر، تقديماً لروح القانون على حرفيته.

خصائص التأويل وضوابطه في اليمن:

  • نطاق العمل: يتجاوز التأويل حرفية اللفظ الظاهر ليبحث في "حكمة التشريع" (Ratio Legis) والخلفية التاريخية والغاية الإنسانية التي دفع المشرع لصياغة هذا النص.
  • الفرق الأصولي الفقهي: يستند القضاء اليمني إلى القاعدة الأصولية: (التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية)؛ بمعنى أن التفسير شرح للفظ، والتأويل استنباط للمقصد البعيد.
  • شرط قبول التأويل: لا يجوز للقاضي أو المحامي التأويل بالهوى أو التخمين؛ بل يُشترط أن يكون المعنى المؤول إليه محتملاً للفظ لغةً وقانوناً، وأن يستند إلى قرينة قاطعة (مثل تعارض النص الظاهر مع مادة دستورية أو قاعدة فقهية كبرى كقاعدة لا ضرر ولا ضرار).

ثالثاً: تطبيقات عملية من واقع القضاء اليمني

لتوضيح الفرق بين المصطلحين في العمل القضائي الفعلي داخل المحاكم اليمنية، نسوق الأمثلة التالية:
  1. مثال التفسير: عند قراءة المادة (4) من قانون الإثبات اليمني التي تنص على: (الأصل براءة الذمة) [1.2.2، 1.2.5]؛ فإن القاضي يقوم بـ تفسيرها بمدلولها الظاهر المباشر، وهو أن المدعى عليه غير مطالب بتقديم بينة تثبت براءته لأن ذمته سالمة يقيناً حتى يقدم المدعي البرهان [1.2.2، 1.2.5].
  2. مثال التأويل: عند قراءة أحكام المادة (1118) مدني بشأن التقادم ومضي ثلاثين سنة على الحيازة؛ فإن النص بظاهره يبدو كأنه يُكسب السارق أو الغاصب الملكية بمجرد مرور الزمن. هنا يتدخل القضاء اليمني بـ تأويل النص وصرفه عن ظاهره؛ مستنداً إلى قرينة المادة (1104) مدني والقاعدة الشرعية الصارمة (ليس لعرق ظالم حق)، فيؤول النص بأن التقادم لا يحمي الغاصب مطلقاً مهما طال الزمن، لأن الحيازة المستحقة للحماية هي الحيازة المشروعة الخالية من الإكراه والغصب.

جدول مقارنة سريع لتسهيل الفهم:

وجه الاختلافالتفسير القانونيالتأويل القانوني
المدلول الأصوليبيان المعنى الظاهر والمباشر للنص [0.5.1، 0.5.5].صرف النص عن ظاهره إلى معنى محتمل لقرينة [0.5.6، 0.5.12].
محور التركيزحرفية اللفظ وسياق الكلمات المنطوقة والمكتوبة.روح القانون، ومقاصد المشرع، وحكمة التشريع.
شروط الاستخداميُلجأ إليه عند وجود غموض فرعي أو خفاء في اللفظ.يُلجأ إليه عند تعارض ظاهر النص مع العدالة أو القواعد الكبرى.
المرجعية الفقهيةيتعلق بالبيان اللفظي واللغوي المباشر للمادة.يتعلق بالاستنباط والاجتهاد الأصولي السليم.

author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent