recent
جديد المشاركات

أحكام وأساس المسؤولية التضامنية في القانون اليمني

تُعد "المسؤولية التضامنية" (Joint and Several Liability) من أخطر الضمانات القانونية التي تقررها التشريعات لحماية الدائنين واستيفاء الحقوق؛ إذ بموجبها يحق للدائن مطالبة أي من المدينين المتضامنين بكل الدين، دون أن يحق للمطالَب الدفع بتجزئة الدين أو بمطالبة المدينين الآخرين أولاً.

ونظراً لخطورة هذا الالتزام وما يترتبه عليه من إشغال كامل للذمم المالية، فإن الفقه والقضاء استقرا على أن التضامن لا يفترض ولا يؤخذ فيه بالظن أو التخمين، بل يجب أن يرتكز على أساس قانوني صلب [1.2.2، 1.2.5]. وفي هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل أساس المسؤولية التضامنية في القانون اليمني، والالتزامات الصارمة المفروضة على الأحكام القضائية لبيان هذا الأساس، استهداءً بالقواعد الفخمة المقررة في قضاء محكمة النقض المصرية.

أولاً: القاعدة الذهبية (التضامن لا يفترض) وسندها في القانون اليمني

المدلول المستقر قانوناً هو أن الأصل في تعدد المدينين بالالتزام الواحد هو انقسام الدين بينهم بحصص متساوية ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك. وبالتالي، فإن المسؤولية التضامنية تعتبر استثناءً من الأصل، والاستثناء يُفسر في أضيق الحدود ولا يتوسع فيه [0.5.6، 0.5.12].

1. التضامن بين المدينين لا يؤخذ بالظن

أرست محكمة النقض المصرية مبدأها الراسخ في الطعن رقم 6648 لسنة 64 ق (جلسة 8/ 6/ 2019م) قاطعةً بأن: "التضامن لا يفترض، ولا يؤخذ فيه بالظن، بل يجب رده إلى نص قانوني أو اتفاق صريح أو ضمني".

2. التطبيق والسند في القانون المدني اليمني

يتطابق المشرع اليمني تماماً مع هذا التأصيل الفقهي والقضائي الحاسم؛ حيث نصت المادة (351) من القانون المدني اليمني صراحة على أنه: (لا يكونُ التضامنُ بين المدينينَ إلا بناءً على اتفاقٍ أو نصّ في القانون). وبناءً على ذلك، إذا تخلف النص القانوني وتخلف الاتفاق الصريح أو الضمني بين الأطراف، انتفت المسؤولية التضامنية فوراً وعاد الحق إلى أصله وهو انقسام الالتزام

ثانياً: مصادر وأساس نشوء التضامن في التشريع اليمني

لكي يحتج الدائن بوجود مسؤولية تضامنية في اليمن، يجب عليه إرجاعها إلى أحد المصدرين التاليين:

1. النص القانوني (التضامن بحكم القانون)

وهي الحالات التي يفرض فيها المشرع اليمني التضامن حماية للعدالة أو التجارة، ومن أبرزها:
  • التضامن في العمل غير المشروع (المسؤولية التقصيرية): نصت المادة (303) مدني يمني على أنه إذا تعدد المسؤولون عن فعل ضار (كحادث سير تسبب فيه أكثر من شخص، أو اعتداء مشترك)، كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر.
  • التضامن بين الشركاء في المعاملات التجارية: يقضي القانون التجاري وقانون الشركات اليمني بأن الشركاء في شركات التضامن مسؤولون بالتضامن في جميع أموالهم الشخصية عن ديون الشركة الالتزامية.

2. الاتفاق (التضامن التعاقدي الصريح أو الضمني)

وهو التضامن الناشئ عن إرادة المتعاقدين في صلب العقد؛ كأن يوقع شخص كـ "كفيل غارم متضامن" مع المدين الأصلي في عقد قرض مالي، فيحق للدائن هنا مطالبة الكفيل مباشرة استناداً لبند التضامن التعاقدي ومبادئ المادة (1019) مدني يمني.

ثالثاً: تسبيب الأحكام القضائية (قعود الحكم عن بيان أساس التضامن _ قصور)

بناءً على خطورة آثار التضامن والفرضية القضائية التي توجب حماية ذمم الناس من الإشغال بغير حق يقيناً، فإن هناك واجباً ثقيلاً يقع على عاتق قضاة المحاكم الابتدائية والاستئنافية عند صياغة أحكامهم:
  • وجوب بيان الأساس: يلتزم الحكم القضائي الذي يرتب المسؤولية التضامنية ويلزم الخصوم بها، بأن يذكر بوضوح وجلاء في تسبيبه وحيثياته الأساس القانوني أو التعاقدي الذي استند إليه لتقرير هذا التضامن.
  • القعود عن البيان يُبطل الحكم (قصور في التسبيب): إذا أصدر القاضي حكماً بإلزام ثلاثة خصوم بدفع مبلغ مالي بالتضامن دون أن يوضح في الحيثيات المادة القانونية التي أوجبت تضامنهم، أو البند العقدي الذي ارتضوه، فإن الحكم يكون معيباً بعيب "القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال".
  • النتيجة في قانون المرافعات اليمني: إن قعود الحكم عن بيان أساس التضامن يجعله قاصراً، ويمنح الخصم المحكوم عليه حق الطعن فيه بالاستئناف أو بالنقض أمام المحكمة العليا اليمنية لإلغائه؛ استناداً للمبادئ المستقرة بـ المادة (230) مرافعات يمني التي توجب التسبيب اليقيني والدقيق للأحكام القضائية وإلا كانت باطلة.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent