تُعد "الشراكة العرفية" (وهي الشراكة القائمة بين الأشخاص بناءً على الخلطة الفردية أو العائلية في الأموال والتكافؤ في الأعمال دون صياغة عقد مكتوب وموثق) من المعاملات الشائعة جداً في الأسواق والبيئات التجارية والزراعية بالجمهورية اليمنية [1.3.1، 1.3.2]. ونظراً لغياب المستندات الرسمية، فإن منازعات هذا النوع من الشركات تُعد من أعقد النزاعات أمام الدوائر المدنية والتجارية.
ولحسم هذه الخصومات، وضع المشرع اليمني عبر قانون الإثبات والقانون المدني، إلى جانب المبادئ المستقرة الصادرة عن المحكمة العليا اليمنية في صنعاء، قواعد وضوابط صارمة لإثبات وجود هذه الشراكة وحصص الشركاء وكيفية تصفيتها [1.2.2، 1.3.1، 1.3.2]. في هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل طرق إثبات الشراكة العرفية وموقف القضاء اليمني منها.
أولاً: أصل الشراكة العرفية ومبدأ المناصفة التلقائية
تخضع الشراكة العرفية المطلقة (التي يقر أطرافها بوجودها ولكن دون تحديد نصيب كل طرف) لقواعد الإقرار الكلية المتفرعة عن أحكام الشريعة والقانون المدني اليمني:
- قاعدة التساوي والتنصيف: الأصل الفقهي والقانوني في مطلق الشراكة والخلطة العرفية هو التنصيف (المناصفة بنسبة 50% لكل شريك).
- حجية اللفظ المطلق: إذا أقر أحد الخصوم بوجود شراكة بعبارات مطلقة، كأن يقول في محضر الجلسة أو في رسالة: (هذا المحل أو هذا المال مشترك بيني وبين فلان)، فإن القضاء اليمني يحمل هذا الإقرار فوراً على المناصفة التامة.
- عبء إثبات التفاوت: بما أن المناصفة هي الأصل، فإن من يدعي خلافها (كأن يزعم أن حصته الثلثان وحصة شريكه الثلث) فعليه وحده يقع عبء تقديم البرهان القاطع لإثبات ادعائه، وإلا حلف من يدعي المناصفة اليمين وصُدِّق بيمينه أمام القاضي [1.2.2، 1.2.5].
- شرط الاستثناء المتصل: لا يُقبل تحديد الحصص بشكل مغاير للمناصفة بناءً على الإقرار إلا إذا كان التحديد موصولاً بالإقرار في نفس اللفظ ومجلس العقد دون فاصل زمني [0.465] (مثل قوله: هذا المشروع مشترك بيننا ثلثه له وثلثاه لي).
ثانياً: وسائل إثبات الشراكة العرفية عند الجحود والإنكار
إذا أنكر أحد الأطراف أصل وجود الشراكة العرفية وادعى أن الطرف الآخر مجرد "عامل بالأجر" أو "أجنبي عن المال"، أتاح قانون الإثبات اليمني للمدعي إثبات الشراكة بكافة وسائل الإثبات الشرعية والقانونية، نظراً لطبيعتها العرفية الواضحة:
1. دفاتر الحسابات والمراسلات التجارية
تُعتبر الدفاتر الحسابية والقيود المكتوبة (ولو كانت غير منتظمة) التي يدونها الشركاء أو المحاسب، وكذا المراسلات المتبادلة (بما فيها الرسائل والاتفاقيات عبر تطبيق الواتساب والإيميل)، بمثابة "مبدأ ثبوت بالكتابة" وقرائن قاطعة تعتمد عليها المحاكم التجارية لإثبات خلطة الأموال ووجود الشراكة الفِعلية.
2. شهادة الشهود والخلطة الظاهرة
يُقبل في إثبات الشراكة العرفية شهادة الشهود والعدول (خاصة التجار في نفس السوق أو الجيران الملاصقين للمشروع) الذين يشهدون بأن الطرفين ظهرا أمام العامة بمظهر الشركاء الفعليين، من حيث إدارة المحل، واقتسام الأرباح الدورية، وتوقيع الفواتير، وتحمل الخسائر المشتركة.
3. اليمين الحاسمة
عند عجز المدعي تماماً عن تقديم البينات المكتوبة أو الشهود، يملك الحق في توجيه "اليمين الحاسمة" إلى الطرف المنكر ليحلف أمام القاضي صراحة بعدم وجود أي شراكة بينهما؛ فإذا حلف المنكر خسر المدعي دعواه، وإذا نكل (رفض الحلف) حُكم بثبوت الشراكة العرفية للمدعي.
ثالثاً: المبادئ المستقرة للمحكمة العليا بشأن الشراكة العرفية
أرست الدوائر المدنية والتجارية بالمحكمة العليا في اليمن مبادئ قضائية صارمة ملزمة للمحاكم الابتدائية والاستئنافية عند نظر هذه القضايا لضمان العدالة ومنع تطويل الخصومات:
- مبدأ حسم النزاع الشامل: قضت المحكمة العليا في مبدأ قضائي حاسم (الطعن المدني رقم 41500) بأن: "الحكم بثبوت شراكة الشخص في الشركة العرفية يجب أن يكون حاسماً للنزاع بكل تفاصيله وجزئياته، كوجود الشراكة من عدمه، وتاريخ نشوئها، ومقدار الأرباح والخسائر، حتى لا يضطر الخصوم لرفع دعاوى موضوعية وحسابية جديدة تعطل تنفيذ الأحكام" [1.3.1، 1.3.2].
- الالتزام بندب خبير محاسبي عدل: توجب المبادئ القضائية على القاضي فور حكمه بثبوت الشراكة العرفية، أن يندب خبيراً محاسبياً معتمداً من وزارة العدل لتصفية الحسابات بين الشركاء، وفحص الدفاتر والفوائد، وتحديد المركز المالي بدقة تامة لضمان حصول كل ذي حق على حقه مستنداً لـ قواعد الإثبات.