recent
جديد المشاركات

من أسباب ضياع الحقوق

من أسباب ضياع الحقوق: الثغرات والأخطاء القانونية التي توجب الحذر

يقول الفقه القضائي المستقر: "إن القانون لا يحمي المغفلين"، والمقصود الحقيقي بهذه العبارة هو أن القانون لا يحمي المتهاونين أو الجاهلين بأحكامه. ففي كثير من الأحيان، يكون الشخص صاحب حق شرعي وقانوني ثابت (كأن يكون مالكاً لأرض أو دائناً بمبلغ مالي)، ولكنه يرتكب أخطاءً إجرائية بسيطة تؤدي في نهاية المطاف إلى ضياع حقه تماماً أمام المحاكم وعجزه عن استرداده.
إن فهم أسباب ضياع الحقوق هو الخطوة الأولى لتحصين المعاملات المالية والعقارية. وفي هذا المقال، نسلط الضوء على أبرز 5 أسباب قانونية وإجرائية تؤدي إلى ضياع الحقوق وفقاً للتشريع اليمني

1. الجهل بالقواعد الآمرة والتصرفات العرفية غير الموثقة

تعتبر العشوائية في توثيق المعاملات السبب الأول لضياع الحقوق في العقارات والبيوع:
  • إهمال التوثيق الرسمي: الاعتماد على العقود العرفية الشفهية أو الأوراق العادية غير المعمدة والمكتوبة بدون شهود عدول (البصائر غير المسجلة)، يفتح الباب لإنكار الخصوم أو تزوير التواقيع.
  • الجهل بالقانون: يفترض المشرع علم الكافة بالقوانين فور نشرها في الجريدة الرسمية، بناءً على المبدأ القضائي المستقر: (لا يُقبل الاعتذار بالجهل بالقانون). فالجهل ببند قانوني لا يعفي صاحبه من تبعات خسارة دعواه.

2. مرور الزمان وسقوط الحق (التقادم ومسألة منع سماع الدعوى)

وضع المشرع اليمني في القانون المدني (المادة 181 وما يليها) مدداً زمنية محددة يجب على صاحب الحق تحريك دعواه خلالها، وإلا سقط حقه في المطالبة قضائياً:
  • التقادم المسقط: إذا سكت الدائن عن صك الدين، أو سكت الوارث عن المطالبة بحقه في التركة، أو سكت المشتري عن عيب خفي في العقار لسنوات طويلة تتجاوز المدد التي حددها القانون (كـ 15 سنة في الحقوق المدنية العامة، أو مدد أقل في المسائل التجارية)؛ فإن المحكمة تقضي بـ "منع سماع الدعوى لمرور الزمان"، ويضيع الحق بسبب تقاعس صاحبه.

3. إهمال المواعيد الإجرائية ومواعيد الطعن القضائية

القانون الإجرائي (قانون المرافعات) هو قانون مواعيد صارمة لا تقبل التراخي، وفوات الميعاد يعني موت القضية شكلاً قبل بحثها موضوعاً:
  • فوات مواعيد الاستئناف والنقض: حدد القانون اليمني مواعيد قاطعة للطعن في الأحكام القضائية (مثل 40 يوماً لاستئناف الأحكام المدنية). فإذا تأخر المحامي أو المتقاضي يوماً واحداً عن تقديم عريضة الاستئناف دون عذر شرعي قاهر، تقرر المحكمة "رفض الاستئناف شكلاً لفوات الميعاد"، ويصبح الحكم الابتدائي الباطل أو الجائر نافذاً وباتاً بقوة القانون.

4. العجز عن تقديم أدلة الإثبات القانونية (محل الإثبات)

كما سلف في قواعد الإثبات، فإن (البينة على من ادعى). القاضي لا يحكم بالنوايا ولا بالعلم الشخصي، بل يحكم بالأدلة المادية المطروحة أمامه في الجلسات:
  • فقدان البينة: قد يكون الشخص صادقاً في دعواه مائة بالمائة، ولكنه يعجز عن تقديم "بصيرة الشراء"، أو يعجز عن إحضار الشهود العدول، أو يفشل في تقديم مستندات إلكترونية مستوفية للشروط التقنية؛ هنا يضيع الحق لعدم إنتاجية الأدلة وعجز المدعي عن إثبات محل دعواه.

5. النزوع إلى الحلول العرفية غير المنضبطة وقبول الصلح الجائر

يلجأ الكثير من المواطنين إلى التحكيم القبلي أو الصلح العرفي هرباً من طول إجراءات المحاكم، ولكن غياب المستشار القانوني في هذه المجالس يؤدي غالباً لضياع الحقوق:
  • التوقيع على مخالصات جائرة: التوقيع على وثائق "الصلح النهائي" أو "التنازل المطلق" دون دراسة أبعادها القانونية، يُعد سنداً قاطعاً يمنع صاحبه من اللجوء للقضاء مستقبلاً؛ فالصلح يرفع النزاع، وإذا وقع الشخص على التنازل طواعية، فلا يجوز له العودة للمطالبة بحقه مجدداً.

خلاصة وتوجيه لحماية الحقوق

إن الحقوق في عالم القانون لا تضيع لأنها غير مشروعة، بل تضيع لأن أصحابها جهلوا كيفية حمايتها وتوثيقها والمطالبة بها في المواعيد المحددة. التوثيق الرسمي الفوري، واستشارة أهل الاختصاص من المحامين عند إبرام أي اتفاق، وتحريك الدعاوى دون تراخٍ، هي الأقنعة الثلاثة التي تحمي أموالك وعقاراتك من الضياع بقوة القانون
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent