recent
جديد المشاركات

جريمة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في القانون اليمني

تُعد جريمة غسل الأموال وتمويل الإرهاب من أخطر الجرائم المنظمة العابرة للحدود التي تهدد الأمن القومي والاقتصادي للدول، لما تحمله من قدرة على تدمير النظم المالية والمصرفية وإشاعة الفساد والاضطرابات الأمنية. ونظراً لالتزامات الجمهورية اليمنية الدولية وتوافقاً مع معايير مجموعة العمل المالي (FATF)، فقد أفرد المشرع اليمني ترسانة تشريعية حازمة لمواجهة هذه الظاهرة من خلال قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (1) لسنة 2010م وتعديلاته بالقانون رقم (17) لسنة 2013م.

في هذه الدراسة القانونية والقضائية المعمقة والموسعة، نقدم تأصيلاً تشريعياً شاملاً لأركان جريمتي غسل الأموال وتمويل الإرهاب في اليمن، ونبين طبيعة العلاقة التبعية بين الجريمة الأصلية وجريمة الغسل، مع استعراض الالتزامات المفروضة على المؤسسات المالية، وصلاحيات اللجنة الوطنية والوحدة المالية، والعقوبات الصارمة المقررة في التشريع اليمني استناداً لأحدث المبادئ القضائية.


المفهوم القانوني والأركان التشريعية لجريمة غسل الأموال

يُعرف غسل الأموال بأنه: "كل سلوك مادي يهدف إلى إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال أو العائدات الناتجة عن جريمة أصلية، لإظهارها بمظهر الأموال المشروعة المستمدة من مصادر قانونية". وتتكون هذه الجريمة في القانون اليمني من ثلاثة أركان موضوعية:

الركن المادي الأنشطة والسلوك الإجرامي

يتسع الركن المادي في التشريع اليمني ليشمل ثلاث مراحل رئيسية متعارف عليها دولياً، وصيغت في القانون كأفعال مجرمة مستقلة:

  • الإيداع أو التوظيف (Placement): إدخال الأموال القذرة الناتجة عن الجريمة إلى النظام المالي الشرعي (مثل إيداع مبالغ ضخمة نقدية في البنوك، أو تحويلها إلى عملات أجنبية).
  • التجميع أو التمويه (Layering): الفصل بين الأموال ومصدرها من خلال عمليات مالية معقدة ومتعددة لتضليل جهات الرقابة (مثل تحويل الأموال بين عدة حسابات أو شراء عقارات وأصول وثمينات وإعادة بيعها).
  • الدمج أو التجفيف (Integration): إضفاء الطابع الشرعي النهائي على الأموال ودفعها في الاقتصاد كاستثمارات مشروعة تماماً (مثل تأسيس شركات تجارية أو فنادق بأموال مغسولة).

الركن المعنوي القصد الجنائي الخاص

جريمة غسل الأموال هي جريمة عمدية تتطلب توافر القصد الجنائي العام (علم الجاني بأن الأموال متحصلة من جريمة، واتجاه إرادته لارتكاب سلوك الغسل)، بالإضافة إلى القصد الجنائي الخاص وهو: نية إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال أو مصدرها أو مكانها أو طريقة التصرف فيها، أو مساعدة أي شخص ارتكب الجريمة الأصلية على الإفلات من العقاب.

ركن الجريمة الأصلية مبدأ التبعية المادية

لا تقوم جريمة غسل الأموال في القانون اليمني إلا إذا كانت الأموال محل الغسل مستمدة من جريمة أخرى سابقة عليها تُسمى الجريمة الأصلية. وقد وسع التعديل القانوني اليمني لعام 2013م من نطاق هذه الجرائم ليشمل كافة الجرائم الجسيمة وغير الجسيمة المعاقب عليها قانوناً، وعلى رأسها: جرائم الفساد واختلاس المال العام، تهريب وتجارة المخدرات، الاتجار بالبشر، تهريب السلاح، والرشوة، وتزوير العملات.


جريمة تمويل الإرهاب واستقلاليتها الموضوعية

يفصل المشرع اليمني بين غسل الأموال وتمويل الإرهاب من حيث الغاية والآلية؛ ففي غسل الأموال يكون مصدر المال غير مشروع والهدف شرعنته، أما في تمويل الإرهاب فقد يكون مصدر المال مشروعاً أو غير مشروع، ولكن الغاية هي توجيهه لخدمة نشاط إرهابي.

وتُعرف جريمة تمويل الإرهاب قانوناً بأنها: "كل جمع أو توفير أو تقديم أو نقل أو تحويل للأموال أو الأصول -بأي وسيلة كانت- بشكل مباشر أو غير مباشر، مع العلم أو القصد بأنها ستستخدم كلياً أو جزئياً في تمويل عملية إرهابية، أو لصالح منظمة إرهابية، أو شخص إرهابي".

الاستقلالية القانونية لجريمة التمويل:

قرر المشرع اليمني حكماً حاسماً يقضي بأن جريمة تمويل الإرهاب تعد جريمة قائمة بذاتها ومستقلة عن الفعل الإرهابي؛ فلا يشترط لمعاقبة الممول أن تكون العملية الإرهابية قد وقعت بالفعل، أو أن تستخدم الأموال في التنفيذ؛ بل يكفي ثبوت تقديم أو جمع الأموال بنية التمويل لتقوم الجريمة كاملة وتستوجب العقوبة الحدية أو التعزيرية المشددة.


التدابير الوقائية والالتزامات المفروضة على المؤسسات المالية والمهن

فرض قانون مكافحة غسل الأموال اليمني التزامات صارمة على قطاع البنوك، والمؤسسات المالية، ومكاتب الصرافة، والمهن غير المالية (مثل المحامين، المحاسبين، وتجار المعادن الثمينة والعقارات)، وجعلها خط الدفاع الأول في مواجهة الجريمة، ومن أهم هذه الالتزامات:

قاعدة "اعرف عميلك" (Customer Due Diligence)

أوجب القانون على كافة البنوك والمنشآت المالية التحقق من هوية العملاء (أشخاص طبيعيين أو اعتباريين) قبل فتح الحسابات أو إجراء أي تعاملات مالية، والتعرف على "المستفيد الحقيقي" من العملية، وحظر القانون تماماً فتح حسابات مجهولة الهوية أو بأسماء مستعارة وصورية.

الالتزام بالإبلاغ عن العمليات المشبوهة (STR)

ألزم القانون هذه المؤسسات بمراقبة حثيثة لكافة المعاملات المالية، وفور اشتباهها في أي عملية أو حركة أموال لا تتناسب مع النشاط الاقتصادي المعتاد للعميل، أو يُشك في ارتباطها بغسل أموال أو تمويل إرهاب، وجب عليها **إخطار وحدة المعلومات المالية فوراً** وخلال المدد القانونية، وحظر القانون على المؤسسة تنبيه العميل أو "تسريب" خبر الإبلاغ إليه (Tip-off).

الاحتفاظ بالسجلات والوثائق

ألزم المشرع اليمني المؤسسات المالية بالاحتفاظ بكافة السجلات، والوثائق، وفواتير العمليات المالية المحلية والدولية، ووثائق التحقق من الهوية لمدة لا تقل عن خمس سنوات من تاريخ انتهاء العملية أو إغلاق الحساب، لتمكين السلطات القضائية والأمنية من تتبع حركة الأموال عند الحاجة.


الهيكل المؤسسي (اللجنة الوطنية ووحدة المعلومات المالية)

أنشأ المشرع اليمني جهازين متخصصين لإدارة ملف المكافحة والتنسيق الوطني والدولي:

  • اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب: وهي لجنة عليا تضم ممثلين عن كافة الوزارات والجهات ذات العلاقة (البنك المركزي، وزارة العدل، النيابة العامة، الأمن، والمالية...)، وتتولى رسم السياسات العامة للدولة، وإصدار اللوائح الإرشادية، وضمان التزام اليمن بالاتفاقيات الدولية.
  • وحدة المعلومات المالية (FIU): وهي وحدة تخصصية مستقلة تقع في إطار البنك المركزي اليمني، وتمثل "عقل" المنظومة؛ حيث تتلقى تقارير العمليات المشبوهة من البنوك والشركات، وتقوم بتحليلها مالياً واستخباراتياً، وإذا وجدت أدلة كافية على الجريمة، تحيل الملف رسمياً إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيق القضائي ورفع الدعوى الجزائية.

العقوبات الجزائية والتدابير الاحترازية في التشريع اليمني

تميز قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب اليمني بتقرير عقوبات رادعة تتناسب مع فداحة الجرم، وتجمع بين العقوبات البدنية والعقوبات المالية العينية، وجاءت كالآتي:

العقوبات المقررة على الأشخاص الطبيعيين

  • عقوبة غسل الأموال: يُعاقب كل من ارتكب جريمة غسل الأموال بالسجن مدة لا تتجاوز عشر سنوات وبغرامة مالية لا تقل عن قيمة الأموال محل الجريمة، دون الإخلال بأي عقوبة أشد تقررها الجريمة الأصلية.
  • عقوبة تمويل الإرهاب: نظراً لارتباط التمويل بإزهاق الأرواح، يُعاقب مرتكبها بالسجن مدة لا تقل عن عشر سنوات وتصل إلى الإعدام إذا أدت العملية الممولة إلى وفاة شخص أو أكثر، مع مصادرة الأموال.

المسؤولية الجنائية للأشخاص الاعتبارية الشركات والبنوك

أقر المشرع اليمني مبدأ المسؤولية الجنائية المستقلة للشركات والبنوك والمؤسسات إذا ارتُكبت الجريمة باسمها أو لحسابها؛ وتُعاقب الشركة بغرامات مالية باهظة تصل إلى خمسة أضعاف الغرامة المقررة للشخص الطبيعي، مع جواز الحكم بـ **إلغاء الترخيص، وإغلاق المنشأة نهائياً، أو تصفيتها وتجميد نشاطها**.

مصادرة الأموال والأصول العقوبة العينية الحاسمة

تُعد المصادرة هي السلاح الأقوى في جرائم الأموال؛ لذا أوجب القانون اليمني على المحكمة الجزائية عند ثبوت الجريمة الحكم بـ **مصادرة الأموال، والعائدات، والأصول، والأدوات المستخدمة في غسل الأموال أو تمويل الإرهاب**، حتى لو اختلطت بأموال مشروعة، حيث يتم فرزها ومصادرة الجزء المعيب لصالح خزينة الدولة، مع عدم الإخلال بحقوق الغير حسني النية.


التعاون القضائي الدولي ومبادئ الاسترداد

بما أن غسل الأموال جريمة عابرة للحدود بطبيعتها، فقد أفرد القانون اليمني باباً كاملاً ينظم **التعاون القضائي الدولي**؛ حيث يحق للنيابة العامة والمحاكم اليمنية تبادل المساعدات القضائية مع الدول الشقيقة والصديقة في مجالات: تسليم المجرمين، تتبع الأموال وتجميدها في الخارج، تنفيذ الأحكام الأجنبية بالمصادرة، استرداد العائدات المهربة، وذلك استناداً للاتفاقيات الثنائية أو الإقليمية أو الدولية المعمول بها ومبدأ المعاملة بالمثل.


خلاصة وتوصيات لتطوير منظومة المكافحة في اليمن

إن تفعيل قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يُعد ضرورة ملحة لحماية النظام المصرفي اليمني وضمان استمرار تدفق التحويلات والتعاملات مع البنوك المراسلة دولياً. ولتعزيز المنظومة، نوصي بالآتي:

  • تكثيف التدريب التخصصي للقضاة وأعضاء النيابة: بناء كفاءات قضائية قادرة على فهم التحليلات المالية الرقمية المعقدة وتتبع العمليات المصرفية الحديثة عبر الإنترنت وعملات التشفير.
  • تحديث الرقابة على قطاع الصرافة: تشديد الرقابة الميدانية على شبكات التحويلات المالية المحلية لمنع استغلال القطاع غير المصرفي في تهريب أو تمرير أموال مشبوهة.
  • تفعيل برامج الحماية للمبلغين: توفير ضمانات قانونية وأمنية كاملة للموظفين في البنوك والمنشآت الذين يتقدمون بتقارير الاشتباه، لحمايتهم من أي تعسف وظيفي أو ترهيب من العصابات المنظمة.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent