معنى يد الثابت في القانون المدني اليمني
قررت المادة (1103) من القانون المدني اليمني على ما نصه:(الثبوت (الحيازة) هو استيلاء الشخص على الشيء ووضع يده عليه منقولاً كان او عقاراً وهو نوعان:-
الاول : حيازة ملك ثبوت يتصرف به الحائز في الشيء الذي يحوزه باي نوع من انواع التصرفات ظاهرا عليه بمظهر المالك وان لم يبين سبب ملكيته له فتكون يده مهما استمرت حيازة ملك ثبوت على الشيء.
الثاني : حيازة انتفاع بإجارة او نحوها يكون الشيء فيها مملوكا لغير حائزه الذي لا يكون له إلا مجرد الانتفاع بالشيء انتفاعا مؤقتا طبقا لسبب انشائه).
فمعنى يد الثابت كناية عن وجود المال في حوزة وسيطرة فعلية للشخص الثابت وتصرفه في المال تصرف المالك له وظهوره على المال بمظهر المالك المتصرف من غير معارضة او مطالبة من الغير ومن غير قرابة او شراكة او إجارة، فيضع الثابت يده بحضور المدعين بملكية المال وعدم معارضتهم لصاحب اليد الحائز، ويشترط لصحة الثبوت اوالحيازة عدة شروط منها انه بشترط في الثابت ان تكون يده صحيحة على العين التي ثبت عليها، أي أن يقوم الشخص بالثبوت على العين فلا ينازعه المالك عليها ولا يطالبه بإخلائها او سداد غلاتها، فقد اشترطت المادة (1104) من القانون المدني اليمني في الثبوت: (3- ان لا تقترن الحيازة باكراه المالك او من يمثله او منازعته).
أركان وشروط حيازة ملك الثبوت في القانون اليمني
بينت المادة (1104) من القانون المدني اليمني شروط تحقق حيازة الملك "الثبوت" بما نصه: (يشترط في حيازة الملك (الثبوت) ما ياتي:-
- القصد بان يكون الحائز للشيء على قصد انه مالك له دون غيره ويعرف القصد بقرائن الحال التي تدل على ذلك بان يتصرف في الشيء المحوز تصرف الملاك.
- ان يجاهر الحائز للشيء بملكيته له اذا ما نازعه فيه منازع وان يتمسك بذلك امام القضاء في مواجهة من ينازعه في ملكيته.
- ان لا تقترن الحيازة باكراه المالك او من يمثله او منازعته.
- عدم الخفاء بان لا تحصل الحيازة خفية اي ان لا يكون فيها لبس كان يكون الحائز خليطا للمالك او ممثلا شرعيا له بالولاية او الوصاية او الوكالة او يكون مخولا حيازة الشيء حيازة انتفاع او نحو ذلك). كما يشترط ان تستمر شروط الثبوت طوال فترة الثبوت (٣٠سنة في الاراضي والعقارات)، فإذا كان الثبوت على هذا النحو وتحققت فيه الشروط القانونية المشار اليها فان الثبوت صحيح، فتكون عندئذ يد الثابت صحيحة، فلا تنزع إلا برضا الثابت او بدليل شرعي وبموجب حكم من القضاء.
الفرق بين وضع اليد على المال وملكية المال
الثبوت او الحيازة، أو وضع اليد على المال هو: سلطة واقعية يمارسها الحائز الثابت على شيء بحيث تتفق في مظهرها الخارجي وفي قصد الحائز مع مزاولة حق الملكية أو أي حق عيني آخر وان لم تستند هذه السلطة إلى حق يعترف به القانون.
ويظهر هذا المعنى في تعريف القانون المدني اليمني للثبوت، اذ نصت المادة(1103) من القانون المدني اليمني على ان :(الثبوت (الحيازة) هو استيلاء الشخص على الشيء ووضع يده عليه منقولا كان او عقارا وهو نوعان:-
الاول : حيازة ملك ثبوت يتصرف به الحائز في الشيء الذي يحوزه باي نوع من انواع التصرفات ظاهرا عليه بمظهر المالك وان لم يبين سبب ملكيته له فتكون يده مهما استمرت حيازة ملك ثبوت على الشيء.
الثاني : حيازة انتفاع بإجارة او نحوها يكون الشيء فيها مملوكا لغير حائزه الذي لا يكون له الا مجرد الانتفاع بالشيء انتفاعا مؤقتا طبقا لسبب انشاءه).
تعريف الحيازة في القانون العراقي
ويظهر هذا المعنى من تعريف القانون المدني العراقي للحيازة فقد نصت المادة( 1145) فقرة (1 ) من القانون المدني العراقي على ان الحيازة ( وضع مادي به يسيطر الشخص بنفسه او بالواسطة سيطرة فعلية على شيء يجوز التعامل فيه أو يستعمل بالفعل حقاً من الحقوق).
الأثر المترتب على تحقق شروط الحيازة
فيتضح من خلال التعريف القانوني للحيازة انها بمعناها القانوني مجرد وضع واقعي ينطوي على مباشرة الحائز سلطة فعلية على الشيء. سواء كانت هذه السلطة مستندة إلى حق أو لا تستند إلى أي حق. وان كان الغالب أن يكون الحائز هو صاحب الحق على الشيء، وذلك حين يكون الشيء في يد من يملكه او من يكون له حق عيني آخر عليه، فإن وجود هذا الحق ليس لازماً لوجود الحيازة فالسارق أو الغاصب أو من يعتقد خلافاً للواقع انه صاحب الحق يعتبر حائزاً ما دام يمارس على الشيء سلطة فعلية، ظاهراً عليه بمظهر المالك أو صاحب حق عيني آخر. ومن هنا يظهر ان الحيازة سلطة فعلية، والملكية سلطة قانونية يظهر انهما ظاهرتان مستقلتان عن بعضهما.
وقد حاول الفقهاء منذ عهد الرومان التقريب بين هاتين الظاهرتين، بحيث جعلوا السلطة القانونية تابعة للسلطة الفعلية حتى أنها لا تكون محمية إلا بسببها، وهذا هو ما حدا بالقانون المدني الفرنسي أن يجعل الحيازة ذات صلة وثيقة بالملكية.
في الفقه الإسلامي
وفي الفقه الاسلامي يعتبر وضع اليد قرينة الملكية ودليلها الظاهر. فمن وضع يده على شيء اعتبر انه يملكه حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك. فإذا انتفت هذه القرينة بثبوت الملك لغير واضع اليد فلا يكون لوضع اليد عندئذ اثر، وهذا هو المقصود من قضاء الحكم محل تعليقنا بعدم نزع يد الثابت الا بدليل شرعي.
في القانون اليمني والمقارن
وقد سارت بعض القوانين الحديثة على هذا المنهج ومن بينها القانون المدني اليمني، فقد نصت المادة (1111) من القانون المدني اليمني على ان: (من كان حائزا لشيء او حق اعتبر مالكا له ما لم يقم الدليل على غير ذلك).
وكذا القانون المدني العراقي، فقد نصت المادة 1157 فقرة 1 منه على انه: "من حاز شيئاً اعتبر مالكاً له حتى يقوم الدليل على العكس".
في حين وقفت تشريعات حديثة اخرى، كالقانون المدني الألماني والسويسري، من الحيازة موقفاً آخر فجعلت للحيازة قيمة اقتصادية اصلية جديرة بالحماية لذاتها.
معنى نزع يد الثابت
نزع يد الثابت تعني استعمال القوة لإخراج المال من حيازة الثابت الى غيره، سواء كان استعمال القوة من قبل المدعي الذي ينازع الثابت على الحق او من قبل الدولة او الغير، فلا يجوز استعمال القوة لنزع يد الثابت الا من قبل السلطة العامة وبموجب حكم قضائي قابل للتنفيذ الجبري، ومن المعلوم ان الحكم القضائي لا يصدر إلا بعد تحقق القضاء من وجود الدليل الشرعي سبب نزع يد الثابت.
سبب عدم جواز نزع يد الثابت إلا بدليل
القانون يحمي الحيازة لذاتها ويرتب عليها آثارها سواء كانت تستند إلى حق للحائز أولا تستند إلى اي حق، وقد يبدو غريباً لأول وهلة، ان يحمي القانون الحيازة ويرتب عليها اثاراً معينة وهي قد لا تستند إلى أي حق شرعي او قانوني يعترف به الشرع و القانون للثابت او الحائز، ولكن في الواقع ان حماية الحيازة التي كفلها القانون للحيازة تستند إلى اعتبارات تكفي لتبريرها.
فهناك اعتبارات تتعلق بحماية الامن والسلم المجتمعي واستقرار النظام فيه وهي تقتضي منع الاعتداء على الاوضاع القائمة ولو كان المعتدى هو في واقع الامر صاحب الحق، فلو ابيح لكل مدع بحق على شيء في حيازة غيره ان ينزع هذا الشيء من تحت يد الحائز عنوة لأدى ذلك إلى الفوضى وتهديد الامن والسلم المجتمعي، ولهذا فقد كفل القانون حماية الحيازة في ذاتها.
هل القانون يحمي يد الثابت حماية وقتية؟
وفي الحقيقة فان القانون يحمي يد الثابت حماية مؤقتة، إذ يستطيع من يدعي خلاف الوضع الظاهر سلوك الطرق القانونية لأثبات حقه. ويلاحظ، من جهة اخرى، ان الغالب، كما تقدم القول، ان تكون الحيازة مستندة إلى حق حيث يكون حائز الشيء مالكاً له او صاحب حق عيني آخر عليه. ومن ثم فإن حماية الحيازة على ضوء ذلك تعتبر في الحقيقة حماية للحق ذاته من خلال الواقع الظاهر. كما ان هذه الحماية غير المباشرة للحق تعتبر وسيلة سهلة ومختصرة، إذ ما على الحائز وهو غالباً صاحب الحق إلا ان يقف موقفاً سلبياً، وعلى من ينازعه في هذا الحق ان يلجأ إلى القضاء وعليه ان يثبت انه هو صاحب الحق وان يقدم الدليل الشرعي انه صاحب الحق وان صاحب اليد الثابت ليس الحق، بيد ان حماية حق الملكية ذاته عن طريق اثبات الملكية غالباً ما ينطوي على صعوبات كبيرة.
ويحترم الفقه الاسلامي اليد الثابتة ويجعل ما عداها خارجاً يقع عليه عبء الاثبات، فوضع اليد يعتبر في الفقه الاسلامي، كما تقدم، دليلاً على الملكية حتى يظهر خلاف ذلك، اي حتى يظهر صاحب الحق الشرعي الذي يقدم الدليل الشرعي على انه صاحب الحق وليس صاحب اليد على الحق.
مفهوم الدليل الذي يبرر نزع يد الثابت في القانون اليمني
نصت المادة (1114) من القانون المدني اليمني على ان: (تسمع دعوى الملك على ذي اليد الثابتة مطلقا ويحكم للمدعي في دعوى الملك اذا اقر له ذو اليد الثابتة او بناءً على مستندات كتابية خالية من شبهة التزوير مستوفية للشروط الشرعية او بشهادة عدول، فاذا لم توجد مستندات مستوفية للشروط او شهادة عدول عمل بالقرائن وتعتبر قرينة اليد الثابتة اذا لم تعارض قرينة اقوى منها مع يمين باليد دليلا كافيا).
فقد تضمن النص القانوني السابق الدليل الشرعي الذي يبرر نزع يد الثابت، والدليل المقصود في النص القانوني السابق هو مجموعة الادلة المعتبرة في الشريعة الاسلامية وقانون الاثبات اليمني، وبيان الادلة المشار اليها في النص القانوني كما ياتي:
اولا : اوجب النص القانوني السابق سماع دعوى المدعي بالحق على الحائز طالما انه تمسك بمجرد قرائن قوية حتى لو كانت مدة الثبوت قد انقضت حفظا للحقوق الشرعية، وفي هذا المعنى نصت المادة (1118) من القانون المدني اليمني على انه: (لا تسمع دعوى الملك من حاضر على ذي اليد الثابتة الذي يتصرف تصرف المالك بلا مطالبة ولا قرابة ولا مصاهرة ولا ظروف غير عادية تسود فيها الفوضى او التغلب ويتعذر فيها الوصول الى الحق وذلك بعد مضي ثلاثين سنة من يوم وضع اليد. والعبرة في اعتبار الشخص غائبا عن البلد هي بوجوده خارجها طوال المدة المقررة ويعتبر حاضرا اذا كان مترددا اليها، ويستثنى من ذلك الميراث والوقف والشراكة فلا تحدد بمدة ويلحق بذلك اذا كان هناك قرائن قوية دالة على صدق الدعوى فتسمع تاكيدا لحفظ الحقوق).
ووفقا لهذا النص فان القرائن القوية تصلح لمنازعة صاحب اليد حتى لو كانت مدة الحيازة او الثبوت قد انقضت.
ثانيا: صرح النص القانوني السابق اي نص المادة (1114) من القانون المدني اليمني صرح بان الاقرار الصادر من صاحب اليد بان ما تحت يده ملك للمدعي بالحق فان هذا الاقرار ينزع يد الثابت سوى أكان هذا الاقرار تاليا لرفع دعوى صاحب الحق او سابقا طالما ان هذا الاقرار ثابت، وقد يكون هذا الإقرار صادرا من صاحب اليد امام المحكمة، وقد يتم اثبات صدور الاقرار خارج المحكمة عن طريق شهادة الشهود، وقد يستفاد هذا الإقرار من اقوال صاحب اليد او من مذكراته المقدمة امام المحكمة، وقد يكون الاقرار صادرا من سلف صاحب اليد، وفي كل الأحوال اذا ثبت الاقرار فان القاضي يحكم بنزع يد صاحب اليد، ويعيد الحق الى نصابه، استنادا الى الاقرار.
ثالثا: ورد في نص المادة (1114) من القانون المدني اليمني السابق ذكره ان المستندات تاتي في المرتبة الثانية بعد الاقرار من صاحب اليد، وانه ينبغي على القاضي اذا لم يتم إثبات إقرار صاحب اليد او اسلافه ينبغي على القاضي ان يكلف المدعي بالحق ان يقدم المستندات الدالة على إقرار اسلاف صاحب اليد بملكية المدعي كمستندات الإجارات الصادرة من اسلاف صاحب اليد فان لم تكن موجودة فيقدم المدعي مستندات ملكية الشىء كالبصائر والفصول واذا ادعى صاحب اليد انها مزورة فيجب عليه إثبات ذلك، لان الاصل في المستندات الصحة، واستنادا الى المستندات فان القاضي يحكم بنزع يد الثابت او الحائز.
رابعا: وفقا لما ورد في نص المادة (1114) من القانون المدني اليمني السا بق ذكرها يمكن للمدعي بالحق إثبات ملكيته للشىء الذي بحوزة صاحب اليد عن طريق شهادة الشهود اذا شهدوا انما بحوزه صاحب اليد ملك للمدعي، واستنادا الى هذه الشهادة يحكم القاضي بنزع حيازة صاحب اليد.
خامسا: وفقا لما ورد في نص المادة (1114) من القانون المدني اليمني السابق ذكرها فانه يمكن للمدعي ان يثبت ملكيته عن طريق القرائن المختلفة بيد ان صاحب اليد يستطيع ان يتمسك في مواجهة المدعي بقرينة الحيازة او الثبوت اذا توفرت شروطه السابق ذكرها، وفي هذه الحالة تكون قرينة وضع اليد مقدمة على القرينة المساوية لها اما اذا كانت قرينة المدعي بالملكية او قرائنه اقوى او اكثر من قرينة وضع اليد فان يستند الى قرائن المدعي إعمالا للمادة (١١١٨) مدني التي ورد فيها )اذا كان هناك قرائن قوية دالة على صدق الدعوى فتسمع تأكيدا لحفظ الحقوق)، سيما ان هذا النص قد ورد في القانون متأخرا على نص المادة (١١١٤).
اليد الثابتة على الشيء قرينة ظاهرة على الملك
نصت المادة (1112) من القانون المدني اليمني على انه: (لا يثبت حق بيد في ملك الغير او في حقه او في حق عام إلا ببينة شرعية، واليد الثابتة على الشيء قرينة ظاهرة على الملك فلا يحكم للمدعي الخارج اذا لم يبين ولا حلف ردا ولا نكل خصمه وانما يقر ذوو اليد على يده).
ومن خلال استقراء النص القانوني السابق تظر النتائج الاتية:
اولا: صرح النص في بدايته ان الحق لا يثبت بمجرد وضع اليد عليه وانما يثبت بالبينة الشرعية لإثباته كالمستندات والاقرار والشهادة وغيرها، لان وضع اليد على مجرد قرينة على ملكية الثابت ذي اليد.
ثانيا: اكد النص ان وضع اليد على الشىء مجرد قرينة ظاهرة تدل على ملكية واضع اليد على المال او الشى، وان القاضي لا يعدل عن هذه القرينة اذا عجز المدعي بالحق غير الحائز عن تقديم البينة الشرعية على ملكيته، لان يد الثابت لا تنزع الا بالدليل او البينة حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
القاعدة العامة في الترجيح بين بينة الثابت وبينة المدعي بالحق
نصت المادة (1113) من القانون المدني اليمني على انه (اذا بين ذو اليد الثابتة وبين الخارج رجحت بينة الخارج الا لمانع شرعي يمنع من ذلك. واذا بين خارجان كان الترجيح بينهما بالتحقيق او النقل, والتحقيق هو ان يثبت ان الشيء نتج عنه، والنقل هو ان يثبت ان الشيء انتقل اليه اما بشراء او نحوه او بابقاء كارث او نحوه، ويرجح ضمان التحقيق على ضمان النقل ويرجح ضمان الشراء ونحوه على ضمان الابقاء. واذا تساوت بينتا الخارجين قسم المدعى فيه بينهما).
فقد تضمن هذا النص قاعدة الترجيح العامة بين بينة الثابت واضع اليد على الحق وبين بينة المدعي بالحق، وصرح هذا النص انه يتم تقديم بينة المدعي بالحق على بينة الثابت واضع اليد، لان البينة مقررة ومطلوبة في الشرع والقانون من المدعي بالحق، لأنه المكلف بتقديم البينة، في حين ان الاصل ان الثابت واضع اليد متمسك بقرينة وضع اليد او الثبوت، واذا ادعى بالحق شخصان وقدما البينة فتقدم بينتهما معا على بينة واضع اليد وتتم قسمة الحق بينهما.
قاعدة الترجيح الخاصة عند تعارض المستند الكتابي الذي يستدل به المدعي بالحق وقرينة الثبوت التي يتمسك بها الثابت واضع اليد
إضافة الى القاعدة العامة في الترجيح بين بينات الثابت واضع اليد وبينات المدعي بالحق المشار اليها في الوجه السابق، فان القانون المدني قد وضع قاعدة خاصة للترجيح عند تعارض المستند الكتابي المقدم من المدعي بالحق وتعارضه مع قرينة الثبوت او وضع اليد على الحق المتنازع عليه بين الطرفين، وفي هذا الشأن نصت المادة (1115) من القانون المدني اليمني على انه (عند التعارض بين المستند الكتابي المقدم من مدعي الملك وبين قرينة الثبوت يتبع ما ياتي:-
- ان كان المستند الكتابي صادرا من احد الحكام المعروفين وصرح فيه بلفظ يفيد الحكم فهو حكم ويعمل بما جاء فيه ما لم يثبت الغائه او تعديله من جهة اعلى لها اختصاص بمراجعته.
- ان كان المستند الكتابي صادرا من كاتب معروف الخط معروفا بالعدالة وكان مشهودا عليه من عدول وقرر فيه الكاتب والشهود معرفتهم بان المتصرف تصرف وهو مالك لما تصرف فيه عمل القاضي بما جاء فيه.
- اذا لم يصرح الكاتب والشهود في المستند بان المتصرف مالك لما تصرف فيه وعليه تعميد مجمل من حاكم، كان المستند قرينة ضعيفة تتساوى مع الثبوت، فيلزم الترجيح بينهما بمرجح.. ويكون للقاضي ان يسال ذا اليد الثابتة عن مستند ثبوته فان قدمه وكان شراء او هبة ونحوهما مكتوبا بخط كاتب معروف بالعدالة ومشهود عليه من شهود عدول ومذكورا فيه ان الكاتب والشهود يعرفون ان المتصرف مالك بما تصرف فيه حكم بمقتضاه. وان كان ميراثا طلب القاضي من ذي اليد تقديم ما يتضمن ذكر نصيبه من تركة مورثه، فان قدمه بحث القاضي في تملك المورث للموضوع المتنازع عليه فان اعياه الحال- وتمسك ذو اليد الثابتة بثبوته. نظر القاضي في ادلة مدعي الملك وادلة مدعي الثبوت مرجحا الاقوى على الاضعف بالقرائن مع مراعاة ما هو منصوص عليه في المادة التالية).
لا تنزع يد الثابت إلا برضا الثابت او بموجب حكم
نصت المادة (1117) من القانون المدني اليمني على انه :(ليس لمدعي الملك ان ينزع يد الثابت على الشيء بدون رضاه الا بحكم قضائي وله ان يلجا الى القضاء، ويجوز للقاضي ان راى ذلك للمصلحة ان يعدل الشيء المتنازع عليه، بان يامر بتسليمه لعدل لحفظه لحين الفصل في دعوى الملك بحكم نافذ، فيسلم الشيء لمن حكم له).
فهذا النص صريح في منع المدعي بالحق ولو كان حقه ثابتا ان يقوم بنزع المال بالقوة او بالحيلة على الثابت واضع اليد، لان هذه الطريقة تفضي الى الفوضى وإقلاق الامن والسكينة العامة حسبما سبق بيانه، وبناء على ذلك فان نزع المال من يد الثابت لا يصح الا بحكم، وعلى هذا الاساس فانه لا يجوز نزع يد الثابت إلا بدليل وبموجب حكم.
خاتمة:
ختاماً، يتضح لنا أن قاعدة "لا تنزع يد الثابت إلا بدليل" ليست مجرد عبارة فقهية، بل هي صمام أمان قانوني وقضائي في النظام القانوني اليمني. إنها تعكس توازناً دقيقاً بين حماية الحقوق الثابتة في الواقع (الحيازة) وبين السعي نحو إحقاق الحقوق المستندة إلى الأدلة الشرعية.
فالقانون، بوضعه هذا المبدأ، يحمي المجتمع من شريعة الغاب، ويغلق الأبواب أمام الفوضى والانتزاع القسري للأموال والحقوق، مُلزماً الجميع – مهما بلغت ثقتهم بملكيتهم – باللجوء إلى القضاء والامتثال لسلطان الدليل. إن الحيازة المستقرة التي ترعاها اليد الثابتة تظل محمية ومصانة، ولا يمكن زعزعتها إلا عبر مسار قانوني واضح، وبحكم قضائي صادر عن بصيرة، وبعد إعمال قواعد الترجيح الشرعية والقانونية.
وبهذا يظل الأمن والسلم المجتمعي هو الغاية الأسمى التي تتغياها هذه القواعد، ليبقى الحق في مأمن من الاعتداء، وتبقى الحيازة في ظل القانون حصناً للمستقرين، لا مبرراً للاستبداد أو التعدي.
المقال مقتبس من كتاب التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الحيازة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م ،ص ١٦١.
