تُعد أركان الجريمة حجر الزاوية في القانون الجنائي، حيث لا يمكن مساءلة الجاني أو توقيع العقوبة عليه إلا بتوافر منظومة متكاملة من الأركان؛ تنقسم بين أركان عامة تشترك فيها كافة الجرائم، وأركان خاصة تنفرد بها كل جريمة على حدة فأركان جريمة السرقة تختلف عن أركان جريمة القتل وعن أركان جريمة الزنا وعن أركان جريمة القذف وهكذا. وفي هذا المقال، نركز تحديداً على تفصيل الأركان العامة للجريمة الجنائية وفقاً لما نص عليه قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لعام 1994م، والتي تمثل الهيكل الثابت للمسؤولية الجنائية الذي لا يتغير بتغير نوع الجريمة، مؤصلين لها في إطار القوانين الوضعية والمبادئ الشرعية، لنوضح كيف تتحد هذه الأركان لتشكل الأساس الذي تقوم عليه العدالة الجنائية.
الأركان العامة للجريمة الجنائية:
أن الأركان العامة للجريمة الجنائية في القوانين الوضعية لا تختلف عنها شرعاً وهي تتحدد في:
١ - الركن الشرعي أو القانوني.
٢ - الركن المادي للجريمة.
٣ - الركن المعنوي.
وسوف نتناولها بشيء من التفصيل مع الوضوح لأهميتها كالتالي:
الركن الشرعي (القانوني) للجريمة:
يعد الركن الشرعي أو القانون الركن الأول للجريمة وهو النص القانوني الذي يحرم الفعل ويضع العقاب له مع عدم وجود سبب تبرير للجريمة وقد أخذ القانون اليمني بهذا الاتجاه ذلك لأن القانون اسبق من الجريمة حيث يحدد الأنموذج القانوني لها وهذا التحديد يقوم به المشرع سلفاً ليتركه بين يدي القاضي لكي يطبقه في كل حالة على حدة حتى إذا ما توافر هذا النص عند تطبيقه للقانون وفق الحالة المعروضة عليه كشف القاضي عن وجود الجريمة والعقاب المقرر لها.
مبدأ المسؤولية الجنائية شخصية:
وقد جاء في نص المادة (٤٧) من الدستور بأن: (المسئولية الجنائية شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي أو قانوني وكل متهم برئ حتى تثبت أدانته بحكم قضائي بات ولا يجوز سن قانون يعاقب على أفعال بأثر رجعي لصدوره).
كما تجسد هذا المبدأ في المادة (٢) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م ونصها:( المسئولية الجزائية شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون..).
وهذه النصوص تعبر عن المشروعية أي قانونية الجرائم والعقوبات والمفهوم الواسع له يتحدد في المراعاة الدقيقة للقوانين والتقيد الحازم لها وللمشروعية في المجال الجنائي لها أهمية خاصة نظراً لما ينطوي عليه هذا المجال من تقييد حريات الإفراد بحدود تتمثل في الجرائم التي يجب الأحجام عن مقارفتها وارتكابها خشية العقاب المقرر لها.
مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون:
ومفهوم الشرعية الجنائية إذن هو أن يعلم كل إنسان في المجتمع ما هو محظور عليه تحت وصف الجرائم وما يتعرض له في التحقيق الجنائي والمحاكمات أمام المحاكم الجنائية من إجراءات تمس الحريات وذلك حتى يعرف حدود حريته في العمل والتصرف كما تعرف الدولة حدود وظيفتها وسلطاتها في مكافحة الجرائم والمخالفات خدمة للمجتمع.
وأصبح واضح تماماً بأن مبدأ القانونية يجب أن يسود وأن يهيمن القانون سواء كان مصدره الدستور أم السلطة التشريعية على التجريم والعقاب مهما كانت درجته وقد أكد الدستور الوطني هذا الجانب بان أشار بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون فهذه العبارة أكدت بأن يجي النص الجنائي أما في صورة القانون أو ما في حكمها وأما بتفويض من القانون للأجهزة التنفيذية والهيئات الإدارية بشكل قرارات أو لوائح.
النتائج اللازمة لتطبيق مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات:
أن عمل القاضي في القضايا الجنائية هو تطبيق النصوص الجنائية على الوقائع المعروضة وأول ما يتحتم على القاضي في الجرائم والمخالفات عند إصدارهم أحكاماً بالإدانة المعتمدة على الأدلة والبينات وأن يعينوا النص أو النصوص الجنائية التي يستندون بها في هذا الحكم أو ذاك فلا يجوز أن يصدر حكماً بالإدانة استناداً إلى العرف أو التوجيهات المركزية أو التعليمات من هذا المسئول أو ذاك أو تحت مبررات مقتضيات المصلحة العامة والدفاع عن المجتمع أو الحد من تلافي ارتكاب مخالفات خاصة
ولو سمحنا بذلك وفق هذه الرغبات فإن ذلك يعد ويخلق أوضاعاً قانونية تخالف المفهوم الصحيح للشرعية أوضاعاً قانونية تخالف المفهوم الصحيح للشرعية ومن شان ذلك تمكين القاضي من التشريع أي إنشاء الجرائم خلافاً لذلك المبدأ لهذا فالشرط الأول على كل قاضي أن يتقيد بالنص المحدد لهذه الجريمة أو المخالفة عند الإدانة.
وفي الشق الثاني من مبدأ قانونية الجرائم فإن القاضي ملزم بما حدده النص الجنائي أو المخالفة من عقاب ووفق هذا الفهم فأنه لا يجوز للقاضي أن يوقع عقاب أخر غير الذي عينه وحدده النص أو الزيادة في العقاب المقرر أو جعله محلا للاجتهاد على أية صورة من الصور الأخرى فمثلاً إذا كانت العقوبة المنصوص عليها هي الغرامة فلا يجوز للقاضي أن يوقع عقوبة الحبس مثلاً أو الحبس مع وقف التنفيذ أو إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي الإعدام أن توقع المحكمة عقوبة الحبس بحد أعلى لا يجاوز خمس عشرة سنة وبحد أدنى لا يقل عن خمس سنوات من هذه النصوص يتضح جلياً أن أول خطوة على القاضي الجنائي بوجه عام هي التثبت من البراءة للبري أو إدانة المجرم والتي يتمثل فيها معنى العدالة الجنائية وفي إطار وظيفته الاجتماعية والإنسانية وفق المفهوم العلمي الحديث للقانون الجنائي.
من أهم النتائج أيضاً القضاة مطالبون بالامتناع عن تطبيق النصوص الجنائية المتضمنة من شأنه أن يجعلها تسري على الماضي لانه أن فعل فإنه يصل إلى التجريم بطريق غير مباشر ما دام سيعاقب أفعالاً كانت مباحة وقت حدوثها وهذا هو التجريم بعينة وقاعدة عدم الرجعية التي هي جزءاً لا يتجزأ من المبدأ تلزم القضاة كما تلزم المشرع نفسه.
عدم جواز التفسير مع وضوح النص المجرم للفعل:
ومقتضى ذلك أن القضاة عليهم تطبيقه كما هو مهما بدت له نتائج هذه التطبيق شاذة لا يسيغها المنطق أو خفيت عليه حكمه الشارع وهذا يتمشى مع القول بأن لا مساغ للاجتهاد في مورد النص.
حالة أن يكون النص غامضاً لعيب في صياغته أو تعارضه أو تضاربه مع نص أخر وفي هذه الحالة يجب السعي إلى تجلية هذا الغموض لمعرفة شروحاته والاجتهادات حوله بما يكشف حقيقة مدلوله.
أن مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات ضمانة لا معدى عنها وهي حماية لحقوق وحريات الأفراد وسلامة أرواحهم وأموالهم وممتلكاتهم ضد كل طغيان محتمل صادر من فاعل في قضية جنائية والمحاكم هي المعنية والمنوط بها تقرير هذه الحماية من خلال إصدار أحكامها العادلة بإجراءات سريعة تتوفر فيها جميع ضمانات الرابطة الإجرائية.
الركن المادي للجريمة:
يعد الركن المادي الركن الثاني للجريمة وهو ركن عام لأنه لا جريمة دون سلوك إنساني وهو مطلوب في أي جريمة دون توقف عند تسميتها هل هي جريمة قتل أم إجهاض أم إيذاء جسماني أم سرقة.
أن هذا الركن المادي هو ما يعبر عنه ماديات الجريمة أو المظهر الخارجي وهو الفعل الجرمي ومن المسلم به أن لا جريمة بدون ركن مادي لانه كما قلنا المظهر الخارجي للجريمة وبه يتحقق الاعتداء على المصلحة المحمية قانوناً وعن طريقه تقع الأعمال التنفيذية للجريمة من أجل هذا فأن التحقق من الركن المادي وتوافره هو الشرط الأساسي للبحث في مدى توفر الجريمة من عدمها فإذا كان الركن المادي متوفراً وتاماً ويترتب عليه نتيجة كانت الجريمة تامة وإذا وقف عند حد معين أو لم تتحقق النتيجة المقصودة كانت الجريمة غير تامة أو شروعاً في ارتكابها.
عناصر الركن المادي في الجريمة التامة:
على أن الركن المادي في الجريمة التامة له عناصر أساسية تتمثل في السلوك الجرمي والنتيجة الجرمية والصلة السببية بينها وهذه العناصر نوضحها في التالي:
السلوك الجرمي:
يعتبر السلوك الجرمي العنصر الأول من عناصر الركن المادي للجريمة حيث لا بد في كل جريمة من سلوك يصدر عن المجرم ويخشى المشرع منه ضرراً ، فما لم يصدر من الفاعل سلوك في صورة من صورة لا يتدخل القانون بالعقاب فالإنسان قبل أن يقدم على الجريمة يفكر فيها ويصمم على ارتكابها وإلى هذا الوقت لا يأتي سلوكاً ممنوعاً ولكن وضعه يختلف عندما تخرج الفكرة إلى حيز الوجود بالقيام بالعمل التنفيذي المكون للجريمة ويتفرع عن هذا العنصر المسائل التالية :
1. السلوك الإيجابي أو الفعل:
ويكون السلوك إيجابياً في صورة فعل إذا استخدم الفاعل فيه أعضاء جسمه كما لو استعمل يديه في ارتكاب جريمة القتل وقد يكون السلوك الإيجابي حركة واحدة كضربه واحدة بعصا غليظة على الرأس أو إطلاق رصاصة على المجني عليه وقد يكون عدة حركات عضلية إرادية تستند إلى قرار واحد كمن يطلق عدة رصاصات على آخر ليقتله أو يستمر في طعنه حتى يموت وهذه الجرائم التي تقع بالسلوك الإيجابي أي الجرائم الإيجابية
والقاعدة أن القانون إذا كان يهتم عادة في الجرائم الإيجابية يبين النتيجة الضارة بالعقاب فإنه لا يعتد بالوسيلة الوحشية التي يلجأ إليها الفاعل للوصول إلى هذه النتيجة فجميع الوسائل لديه سواء إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك فالقانون يتكلم عن القتل والإيذاء الجسيم المفضي إلى الموت والسرقة مثلاً كنتائج لأنواع من السلوك الجرمي ولا يهتم بالوسيلة التي حققت تلك النتائج.
فيستوي في أحداث القتل العمد أن يكون بطلق ناري أو بأداة بطبيعتها قاتلة أم غير قاتلة كعصا رفيعة كما يستوي أن تستخدم فيه حيوان مفترس أو تهيئة الأسباب المؤدية إلى الموت كمن يصنع لخصمه عبوة ناسفة تنفجر عند أول حركة للمجني عليه بل أن الوسائل المعنوية أو ذات الأثر النفسي تصلح أيضاً لتحقق القتل كأحداث الرعب الشديد لمريض بالضغط أو القلب عن طريق الكذب عليه بأن أبنه قد توفي لكي يصاب بنوبة قلبية تؤدي بحياته أو تهديد الجاني للمغدور بشكل مروع ينتج عنه انفعال عصبي يؤدي إلى توقف العضلة القلبية وبالتالي إلى وفاته.
وفي هذا الاتجاه فقد نهج التشريع اليمني على هذا المنوال كما يستفاد ذلك من نص المادة (٩) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م.
2. السلوك السلبي أو الامتناع (جرائم الامتناع):
إذا كان الأصل كما هو ملاحظ من نص المادة (٨،٩) من قانون الجرائم والعقوبات أنه ينهي عن إتيان فعل مجرم بالكف عن القتل أو السرقة مثلاً فأنه في بعض الأحوال يأمر بالقيام بعمل ويعاقب عنه حماية للمواطن ويسمى هذا السلوك السلبي الامتناع أو الجريمة السلبية أو جريمة الامتناع وقد عبر عنه قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م في المادة (١٠،٧) وهي كلها تسميات لمدلول واحد
ومن أمثلة ذلك الامتناع عن أغاثه شخص في حالة الخطر بسبب حادث طارئ أو بسبب صحي بفعل شخصي أو بطلب النجدة دون التعرض للخطر وامتناع الموظف المكلف بالبحث عن الجرائم أو ملاحقتها عن الأخبار عن الجرائم المعلومة منه ففي مثل هذه الحالات وحالات الامتناع الأخرى معاقبة في قانون الجرائم والعقوبات تكون أمام جرائم امتناع لأن النص الجزائي ألزاء الشخص القيام بموجب معين تحت طائلة توقيع الجزاء عليه إذا امتنع عما طلب منه وتتميز جريمة الامتناع بأنها عبارة عن حالة امتناع محددة العناصر في نص من النصوص الجزائية وهي معاقبة لمجرد امتناعاً فقط ودون اشتراط أي نتيجة مادية تترتب عليها أن العقاب متوقف على مجرد هذا الامتناع ودون تطلب حدوث نتيجة كان الوفاة أو الإيذاء الجسيم أو المرض عن هذا الامتناع.
ويلاحظ في صدد جرائم الامتناع أنه لا بد ومن ورود نص تشريعي بالعقاب على حالة الامتناع المبحوثة إذا لا جريمة ولا عقوبة بدون نص سواء بالنسبة للفعل أو عدم الفعل كما أن القياس فيها غير جائز إذ لا يجوز إعطاء حكم في حالة الامتناع ورد النص بها على حالة متشابهة متحدة معها في العلة لكن المشرع لم يخصص لها نصاً.
3. السلوك بالترك أو بالامتناع (الجرائم بالامتناع):
يوجد نوع من السلوك يتوسط بين المظهرين الإيجابي والسلبي وهو الذي يرتكب بالترك أو بالامتناع والذي يعبر عنه بالجريمة الإيجابية التي تقع بالامتناع أو الجريمة بالامتناع وتتميز جرائم الامتناع بأنها إيجابية أي يتطلب القانون فيها مجرد حالة مادية تظهر في العالم الخارجي بسبب الامتناع وليست هي مجرد حالة امتناع سلبية معاقبة لأنها كذلك.
ومثال ذلك حالة الأب الملزم قانوناً بالعناية بأولاده القصر فلا يقدم الطعام لهم ولا الدم ولا الدواء ولا الرعاية اللازمة فيصابون بمرض أو يموتون أو يكونوا عرضه للانحراف كما هو منصوص عليه في المادة (١٥٥) من قانون حقوق الطفل رقم (٤٥) لعام ٢٠٠٢م وحالة الطبيب والممرضة وكل من كان ملزماً قانوناً بالعناية والرعاية بالمرضى فيمتنع عن القيام بما التزم به فتحقق نتيجة مادية ضارة هي الوفاة أو الإيذاء ففي هذين المثالين قد تقع الجريمة الإيجابية الحاصلة بالامتناع أما قصداً أو عن طريق الإهمال
والواقع أن الرأي الغالب في الفقه والاجتهاد يذهب إلى أن الجرم بالامتناع لا يتصور إلا في حالة وجود نص جزائي يساوي بين الفعل وعدم الفعل أو الترك لجهة الركن المادي أو متى كان الامتناع إخلالاً بموجب أو التزام يفرضه القانون.
أن جريمة الامتناع تتميز عن الجريمة الواقعة بالامتناع في صورة النتيجة المترتبة على كل منهما .. فجريمة الامتناع هي حالة سلبية بسيطة تتمثل نتيجتها القانونية بالمساس بالموجب فحسب ودون أن تكون نتيجة مادية بينهما جريمة الامتناع لها نتيجة مادية وهي الأثر الظاهر في العالم الخارجي بينهما ( كإزهاق الروح في جريمة القتل وموت إنسان بالتسبب بالوفاة .. ).
فضلاً عن النتيجة القانونية وهي المساس بالمصلحة المحمية ومن ناحية أخرى فأن جريمة الامتناع تتحدد بالنسبة إلى موجب قانوني مصدره القانون الجزائي بخلاف الامتناع الذي تقع به الجريمة الإيجابية (أي الجريمة بامتناع فإنه يتحدد بالنسبة إلى موجب قانوني ينص عليه قانون آخر.
4. السلوك بفعل إيجابي وامتناع سلبي بذات الوقت:
هذا النوع من الجرائم يتمثل في السلوك الجرمي في فعل إيجابي سلبي بذات الوقت أي أن ركنها المادي يقوم على كل من السلوك الإيجابي والسلبي معاً في وقت واحد .. مثال ذلك أن يتسبب سائق مركبه بحادث مروري ولو مادي إذا اقترن بعدم توقفه على الفور أو امتناعه عن العناية بالمصابين فالسلوك الجرمي الإيجابي والسلبي هنا جزء من الركن المادي وليست مجرد وسيلة من الوسائل.
النتيجة الجرمية:
تعتبر النتيجة الجرمية هي العنصر الثاني من عناصر الركن المادي للجريمة فالفاعل يقوم بعمل واحد وأن تعتبر النتيجة آخر حلقاته ويقصد بالنتيجة الأثر المترتب على السلوك الجرمي والذي يتمثل في الجريمة الإيجابية بالتغيير الذي يحدث في العالم الخارجي على أنه وجب التوضيح أنه ليست كل الجرائم من جرائم النتيجة المادية التي تحدث تغيراً في العالم الخارجي فهناك جرائم يقوم ركنها المادي عن السلوك المجرد بغض النظر عن تحقق نتيجة معينة أو عدم تحققها وعلى أساس ذلك تنقسم الجرائم إلى نوعين:
1. جرائم النتائج المادية أو الجرائم المادية:
وهي التي يشترط لمعاقبته حصول نتيجة جرمية معينة أو إمكانية حصولها (كالشروع فيها) .
ومنها أغلب الجنايات كالقتل والسرقة والاحتيال فتسري عليها قواعد قانون الجرائم والعقوبات من شروع واشتراك جرمي.
2. الجريمة الشكلية بدون نتيجة مادية:
وهي ذلك النوع من الجرائم لا يترتب فيها على السلوك الجرمي نتيجة مادية وتسمى بالجريمة الشكلية أو الجريمة ذات السلوك المجرد وهذه يعاقب عليها بمجرد وقوعها وتحقق أركانها ويصرف النظر عن تحقق نتيجة أو ضرر عنها أو عدم تحقق ذلك.
ومن أمثلة الجرائم الشكلية عرض الرشوة مادة (١٥٤) من قانون العقوبات اليمني تزوير أوراق رسمية مادة (٢١٢) عقوبات يمني. تزوير أوراق خاصة دون استعمالها من المزور مادة (٢١٥) عقوبات إشعال النار قصداً في الأبنية أو المطارات أو القطارات أو البواخر أو الطائرات أو في أماكن أو مزروعات يمكن أن تمتد النار يمكن أن تمتد النار منها إلى ملك الغير مادة ١٣٨، ١٣٧ عقوبات وتوقيع عقد ربوي ٣١٤ أو حيازة ونقل المخدرات ٢٨٨ وحمل الأوسمة بدون حق أو ارتداء اللباس أو الشارت العسكرية بدون حق (١٧٣) إيقاف سيارة في مكان ممنوع أو تجاوز إشارات المرور ومن هذا التوضيح المختصر فإنه يترتب على التمييز بين الجريمة المادية والجريمة الشكلية بعض النتائج القانونية منها.
بعض النتائج القانونية المترتبة على التمييز بين الجريمة المادية والجريمة الشكلية:
في الجريمة الشكلية لا مجال للبحث في العلاقة السببية لأن هذه العلاقة تفترض وجود عنصرين هما السلوك الجرمي والنتيجة المادية والجريمة الشكلية لا يوجد بها إلا عنصر واحد هو السلوك الجرمي.
أما الجريمة المادية فتوجد بها هذه العلاقة حيث أن إقامة الدليل فيها وعلى وجودها العلاقة بين الفعل والنتيجة.
في الجرائم الشكلية لا يتصور فيها جريمة الشروع لعدم وجود نتيجة مادية فيها وهي تتحقق فور ارتكاب السلوك.
أما الجرائم المادية فيتصور فيها صورة الشروع كما هو في حالة الجريمة الموقوفة التي أوقف فيها فعل الجاني وصوره الجريمة الخائبة حيث يتم السلوك الجرمي لكن النتيجة لم تتحقق لظروف خارج عن إرادة الفاعل كفشله في إصابة المجني عليه لعدم إتقان الرماية.
في الجريمة الشكلية لا مجال للعدول الطوعي لأنها تتحقق فور البدء بتنفيذ الفعل ولا تتوقف على أي نتيجة ومن أمثلتها كما أوضحنا حالة من يشعل النار قصداً في بناء ثم رغب في العدول عن فعلة فأسرع بإحضار الماء لإطفائها فجريمتها هنا تكون قد اكتملت لأنها جريمة شكلية تقع بمجرد السلوك الجرمي ويعتبر العدول فيها سبباً مخففاً للعقوبة.
أما الجرائم المادية فيمكن أن يتصور العدول فيها قبل تحقق النتيجة كما هو في حالة القتل أو السرقة.
العلاقة السببية بين السلوك والنتيجة:
تعتبر العلاقة السببية بين السلوك والنتيجة العنصر الثالث من عناصر الركن المادي للجريمة وسنتناول هذا العنصر وفق التفصيل التالي:
معنى السببية:
السببية معناها بصورة عامة هي إسناد أي أمر من أمور الحياة التي تصوره وهي في إطار الركن المادي للجريمة إسناد النتيجة المعاقب عليها إلى السلوك الجرمي وهي عن طريق الربط بينهما فلا يكفي لقيام هذا الركن أن يقع سلوك جرمي من الفاعل وأن تحصل النتيجة بل يلزم أن تسند هذه النتيجة إلى ذلك السلوك الجرمي، أي أن يكون بينهما علاقة سببية تحمل على القول بأن سلوك الفاعل هو الذي تسبب في تلك النتيجة.
وهذه العلاقة لا صعوبة فيها إذا ما نتجت من فاعل لوحدة حتى لو تفاقمت نتائجها فلو قام الجاني بجرح إنسان وطالت معالجة المجني عليه ثم مات فإن الفاعل يظل مسئولاً جنائية عن القتل في حدود نيته طالما أن الوفاة حصلت بسبب الجرح ولم يحدد القانون اليمني مدة معينة لحدوث الوفاة يعاقب بالعقوبة المحددة ينص المادة (١٠) عقوبات.
وينبغي لمزيد من الاستفادة عند التطبيق التوسع في دراسة علاقة السببية من منظور النظريات الفقهية والتشريع المعاصر من حيث تحديد معيارها وسريان تطبيقها خاصة النظريات حول تعادل الأسباب ونظرية السبب الفعال والملائم والنتائج القانونية المترتبة عنها وموقف المشرع اليمني منها والاتجاه السائد فيه بين الأخذ بهذه النظرية أو تلك بما يحقق قدراً أوسع من العدالة المنشودة عند التطبيق القضائي لقد لقى موضوع السببية عناية كبيرة في ألمانيا فصاغ الفقهاء عدة نظريات أهمها.
نظرية السبب الأقوى:
فالجاني يسأل عن نتيجة متى كان نشاطه هو السبب الأقوى أو الأساسي في حدوث النتيجة أما ما عدا ذلك فمجرد عوامل مساعدة ويعيب هذا المعيار أنه متى كان للعوامل المتداخلة أثرها في حدوث النتيجة فإنه يصعب تمييز الأقوى منها والأقرب إلى الفهم أن يقال أنها جميعاً في مستوى واحد.
نظرية التعادل:
ومقتضاها أن جميع العوامل التي تتدخل في حصول النتيجة متعادلة وإنما العامل الأول الذي جعل الأمور تنتهي إلى ما انتهت إليه هو فعل الجاني فهو مسئول عن النتيجة وتطبيق هذه النظرية يؤدي إلى مسألة الفاعل عن النتيجة أياً كانت العوامل التي تدخلت سواء كانت عادية أم نادرة للحصول ، راجعه إلى فعل الطبيعة أم فعل المجني عليه أو أي إنسان آخر فلا يقطع علاقة السببية ضعف المجني عليه أو إهمال الطبيب المعالج أو حصول حريق في المستشفى الذي نقل إليه المصاب فمات حرقاً فالإصابة ما تسلسلت الحوادث على هذا الوجه ...
ولا تقطع علاقة السببية إلا إذا كانت النتيجة واقعة بغض النظر عن فعل ا لجاني فعندئذ يقع عبئها على عامل آخر وهذه النظرية تتناقض مع نفسها فتقر التعادل بين الأسباب ثم تميز من بينها سببه تلقى عليه تبعة النتيجة وتتوسع في علاقة السببية إلى مسألة الفاعل عن العوامل النادرة الحصول في الحياة عادة.
نظرية السبب الملائم:
ولعل أصح النظريات الألمانية هي نظرية السبب الملائم وهي تقترب من النظرية الإيطالية ومقتضاها أنه إذا كان فعل الجاني يصلح في الظروف التي وقع فيها أن يكون سبباً ملائماً لحصول النتيجة وفقاً للمجرى العادي للأمور فإن السببية تكون متوافرة بمعنى أنه لو تدخلت في أحدث النتيجة .عوامل شاذة لا يقع عادة إلا في النادر فإن علاقة السببية تكون منتفية بين فعل الجاني والنتيجة وبناءً عليه لا يسأل الجاني عن الوفاة إذا ما احترق المصاب في المستشفى أو أجهز عليه في الطريق في حادث تصادم وما إلى ذلك ولعل الصحيح هو أن تدخل عوامل أخرى غير سلوك الفاعل لا يقطع علاقة السببية متى كانت هذه العوامل متوقعة أو محتملة وفقاً للسير العادي للأمور أو كان الضرر الذي وقع نتيجة طبيعية لسلوك الفاعل رغم تدخل هذه العوامل.
أما إذا كانت النتيجة لا تنسب إلى سلوك الفاعل وفقاً للمجرى العادي في الحياة بأن كانت مسنده إلى سبب آخر وكانت ترجع إلى عامل شاذ لا يقع عادة فإن رابطة السببية بين سلوك الجاني أو النتيجة التي حصلت تكون منتفية فلا يسأل عنها .. ولكنه يسأل عن سلوكه إذا كون جريمة أخرى وقد أخذ المشرع اليمني بنظرية السببية الملائمة أي بمعيار السبب الملائم أو المناسب
فقد نصت المادة (٧) من القانون رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م بشأن الجرائم والعقوبات بأنه:( لا يسأل شخص عن جريمة يتطلب القانون لتمامها حدوث نتيجة معينة إلا إذا كان سلوكه فعلاً أو امتناعاً هو السبب في وقوع هذه النتيجة وتقوم رابطة السببية متى كان من المحتمل طبقاً لما تجري عليه الأمور في الحياة عادة أن يكون سلوك الجاني سبباً في وقوع عامل يكون كافياً بذاته لأحداث النتيجة وعندئذ تقتصر مسئولية الشخص عن سلوكه إذا كان القانون يجرمه مستقلاً عن النتيجة).
ويلاحظ من هذا النص عدم اشتراط مدة معينة بين سلوك الجاني والنتيجة فتقوم رابطة السببية متى ما تحققت النتيجة حتى بعد مضي مدة طويلة فيسأل الجاني عنها بغير النظر إلى تداخل عوامل أخرى مادامت هذه العوامل متوقعة في الظروف التي وقع فيها الفعل حيث أنه إذا مكث المجني عليه بالمستشفى ثلاثة اشهر ثم خرج منه ليتولاه طبيب أخر خاص ثم توفي بعد خروجه بأيام وكانت وفاته نتيجة لامتصاص العفن الناشئ عن الجروح فأن المحكمة لا تكون قد أخطأت إذا هي حملت المتهم المسئولية عن الوفاة...
كما يستفاد من هذا النص أن انتفاء المسئولية عن المتهم تكون في حالة تداخل عامل آخر قوى بذاته لأحداث النتيجة على المجني عليه وتكون مسئوليته عن سلوكه الخاص إذا كان القانون يجرمه مستقلاً عن النتيجة
تطبيقات القضاء في توضيح العوامل التي تنفي علاقة السببية:
وقد استقر الرأي في تطبيقات القضاء في توضيح العوامل التي تنفي علاقة السببية وأشارت إلى عاملين قرر أن تدخلهما في التسلسل السببي ينفي علاقة السببية بين الفعل الذي صدر عن المتهم والنتيجة الإجرامية وهي:
الحساسية الخاصة بجسم المجني عليه:
إذا كان المجني عليه مصاباً من قبل بحساسية خاصة في جسمه من شأنها أن تحدث نتيجة على نحو لا يتفق مع ما يمكن أن يحدث في جسم شخص عادي فإن علاقة السببية لا تعد متوافرة بين الفعل وهذه النتيجة.
تعمد المجني عليه تسؤى مركز المتهم:
ومن هذه النتائج المستخلصة من علاقة الرابطة السببية يتبين أن العوامل التي لا تنفي علاقة السببية وتدخلها إلى جانب الفعل وإسهامها معه في أحدث النتيجة لا ينفي علاقة السببية وهي على سبيل المثال لا الحصر منها:
مضي فترة من الزمن بين الفعل والنتيجة، الضعف الشيخوخي للمجني عليه المرض السابق للمجني عليه على الفعل سقوط المجني عليه أرضاً بناءً على فعل المتهم وأصابته تأثراً بذلك وإهمال المجني عليه علاج إصاباته وتراخيه في تعاطي العلاج، المرض اللاحق على الفعل، رفض المجني عليه إجراء العملية الجراحية التي تقتضيها حالته.
الركن المعنوي للجريمة (القصد الجنائي):
وهو مجموعة السمات الواضحة للجانب الداخلي (النفسي) من الاعتداء الإجرامي وهي أيضاً معايير قانونية جنائية ويعد الخطأ الأساسية في الركن المعنوي للجريمة فالخطأ هو معيار نفسي اجتماعي قانوني وهو عبارة عن علاقة الشخص النفسية بالجريمة المرتكبة من قبله والنتائج المترتبة عليها.
أولاً: الخطأ العمدي:
ونلاحظ في قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م حسب المواد (١٠، ٩، ٨) الإشارة إلى الخطأ العمدي والخطأ غير العمدي (بإهمال).
فقد نصت المادة (٨) من القانون ( لا يسأل شخص عن جريمة إلا إذا ارتكبها (عمداً) أو بإهمال .. )
أما المادة (٩) تنص على ( يتوافر القصد إذا ارتكب الجاني الفعل بإرادته وعلمه وبينه أحدث النتيجة المعاقب عليها ولا عبرة للقصد بالدافع إلى ارتكاب الجريمة أو الغرض منها إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك .. ويتحقق القصد كذلك إذا توقع الجاني نتيجة إجرامية لفعلة فأقدم عليه قابلاً حدوث هذه النتيجة ..).
أما المادة (١٠) فقد نصت على ( يكون الخطأ غير العمدي متوافراً إذا تصرف الجاني عند ارتكاب الفعل على نحو لا يايته الشخص العادي إذا وجد في ظروفه بأن اتصف فعله بالرعونة أو التفريط أو الإهمال أو عدم مراعاة القوانين واللوائح والقرارات .. ).
ويعد الجاني متصرفاً على هذا النحو إذا لم يتوقع عند ارتكاب الفعل النتيجة التي كان في استطاعة الشخص العادي أن يتوقعها أو توقعها وحسب أن في الإمكان اجتنابها.
ويتضح من هذه النصوص أنه لا يكفي لقيام الجريمة قانوناً أن يقوم الفاعل بارتكاب الفعل المادي فيها وإنما يلزم أيضاً توافر رابطة نفسية بين الفاعل وما ديات الجريمة هذه الناحية النفسية هي الركن المعنوي للجريمة فمعرفة الحالة النفسية التي حدت بإنسان عاقل إلى ارتكاب هذا الفعل يصبح لزاماً على القاضي أن يعيد الحالة النفسية التي كانت تختلج في ذهنية الفاعل أثناء ارتكاب الفعل المادي الظاهر الأمر لكي يستطيع محاسبته معنوياً على الجريمة.
فالجريمة إذن لا تقوم على ثلاثة أركان هي:
أ - ركن قانوني
ب - ركن مادي
ج - ركن معنوي الذي يتحقق بموقف الإرادة من الفعل المادي وهذا الموقف يكون بالقصد الجرمي أو الخطأ غير المقصود وما يميز بينهما اتجاه الإرادة في حالة القصد الجنائي ويكون نحو نتيجة جرمية معينة كما هو الحال إذا انتوى الفاعل قتل إنسان حي معصوم فأطلق على المجني عليه الرصاص واعياً إزهاق روحة أما في حالة الخطأ غير المقصود فيفترض أن الإرادة لم تتجه إلى النتيجة المتحققة كما هو الحال إذا أطلق أيضاً الرصاص على الطيور فأصيب إنسان خطأ فالهدف هنا هو اتجاه نية وإرادة أيضاً هو إصابة الطير ولكن حدثت الإصابة بالشخص خطأ دون اتجاه إرادي تكون الجريمة المرتكبة هنا بطريق الخطأ.
عناصر القصد الجنائي:
ويفهم من ذلك أنه في القصد الجرمي يقوم على عنصرين هما:
عنصر العلم في القصد:
وذلك بأن يعلم الجاني أو يتصور حقيقة الواقعة الجرمية التي نتيجة أرادته إلى تحقيقها ولكن يتوافر العلم يجب أن يحيط الجاني بجميع العناصر الأساسية لقيام الجريمة ففي حالة ارتكاب جريمة القتل يتوجب علم الجاني بان سلوكه موجه لإنسان حي ومن شأن فعله إزهاق روحة.
عنصر الإرادة في القصد:
أما العنصر الثاني في القصد الجرمي هو عنصر الإرادة في القصد ومعناه أن تتجه الإرادة إلى السلوك وإلى النتيجة المترتبة عليها فإذا اتجهت الإدارة للسلوك دون النتيجة تخلف القصد ومثال ذلك كما أشرنا أيضاً الذي اتجهت أرادته إلى إطلاق النار على الطيور فأصيب إنسان غير مستهدف فلا تتوافر في حقه قصد القتل تتمثل الإرادة بشكل عام في نشاط نفسي تتجه إلى تحقيق غرض معين كهدف قريب أساسه الباعث أو الدافع وهدفه البعيد غاية معينة.
وفي هذا المفهوم نصت المادة (٩) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م يقع القصد الجنائي في الحياة العملية في عدة صور أو عدة أنواع أهمها:
صور القصد الجنائي:
١ - القصد المباشر والقصد الاحتمالي.
٢ - القصد العام والقصد الخاص.
٣- القصد المتعدي للنتيجة وغير المتعدي.
٤- القصد المحدد وغير المحدد.
٥- القصد الفوري والقصد العمدي.
ثانياً: الخطأ الجزائي غير المقصود أي الخطأ غير العمدي:
يمثل الخطأ الجزائي غير المقصود أي الخطأ غير العمدي الصورة الثانية للركن المعنوي في بعض الجرائم وإذا كان الأصل في الركن المعنوي في صورة قصد جنائي فإنه في أحوال استثنائية ينص عليها القانون بالخطأ غير العمدي.
تعريف الخطأ غير العمدي:
وقد عرف قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م الخطأ غير العمدي في المادة (١٠) التي نصت ( يكون الخطأ غير العمدي متوافراً إذا تصرف الجاني عند ارتكاب الفعل على نحو لا يايته الشخص العادي إذا وجد في ظروفه بأن اتصف فعله بالرعونة أو التفريط أو الإهمال أو عدم مراعاة القوانين واللوائح والقرارات ويعد الجاني متصرفاً على هذا النحو إذا لم يتوقع عند ارتكاب الفعل النتيجة التي كان في استطاعة الشخص العادي أن يتوقعها وحسب أن في الإمكان اجتنابها).
وبهذا النص فقد عرف المشرع الخطأ منعاً للاجتهاد والتفسير آلا مبرر له كما عرف في المادة (٩) من نفس القانون بالقصد الجنائي الذي يقوم على إرادة النتيجة الجرمية بصورة مباشرة أو احتمالية
كما أن الخطأ يقوم على مباشرة الفاعل لسلوكه دون إرادة النتيجة الضارة ويستوي بعد ذلك أن يكون لم يتوقعها في حين كان بإمكانه ومن واجبه أن يتوقعها أم توقعها واعتقد أن بإمكانه اجتنابها فطالما أن الإرادة لم تتجه إلى النتيجة الضارة بوصفها أكيدة أو ممكنة الوقوع مع القبول بها فإن السلوك يخرج من نطاق القصد الجرمي ليدخل في نطاق الخطأ .. غير أن عدم إرادة النتيجة الحاصلة يلزمه أن يتوافر معه موقف نفسي للجاني مرتبط بالنتيجة غير الإرادية ويتمثل هذا الموقف النفسي في أن يكون تحقق النتيجة راجعاً لإحدى صور الخطأ من الإهمال أو الرعونة أو التفريط أو عدم مراعاة القوانين والقرارات واللوائح أو قلة احترازه.
صور الخطأ غير المقصود:
حدد قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م صور الخطأ غير المقصود في المادة (١٠) وعلى سبيل الحصر لا المثال وهي كما أشرنا سابقاً كتالي::
١. الإهمال:
وهي الصورة الأولى للخطأ غير المقصود الحاصلة سلوك سلبي بالترك أو الامتناع أو الغفلة عدم اتخاذ احتياطات يدعو إليها الحذر ومن شأنها الحيلولة دون وقوع النتيجة الجرمية الضارة.
٢. الرعونة:
وهي تتمثل في خطأ أصحاب الاختصاص من أطباء وصيادلة وممرضات ومهندسين ومقاولين في عدم مراعاة أصول مهنتهم مما يتسببوا في حوادث ضارة للناس.
٣. التفريط:
السلوك الذي يتم عن عدم التبصر بعواقب الفعل الذي أقدم عليه الفاعل.
٤. عدم مراعاة القوانين والأنظمة:
وهو عدم الأخذ بالاعتبار بقوانين الدولة النافذة والقرارات واللوائح المنظمة وإغفالها أو تركها جانباً وكل ما من شأنه مخالفة الإمره التي تقررها هذه القوانين والقرارات واللوائح ولقيام المسئولية حولها لابد من توافر الصلة السببية بين الخطأ والنتيجة.
مقتبس من بحث لفضيلة القاضي د. محفوظ عمر خميس عضو المحكمة العليا اليمنية