يُقبل الكثير من الأشخاص بدافع الشهامة أو صلة القرابة والصداقة على كفالة غيرهم في المعاملات المالية والديون، دون إدراك حقيقي للمسؤولية القانونية والشرعية المترتبة على هذا التصرف. وتُعد "الكفالة" أو "الضمان" في القانون المدني اليمني من العقود الملزمة التي قد ترتب التزامات مالية خطيرة على الكفيل في حال عجز المكفول عن السداد أو الاختفاء.
في هذا المقال، سنوضح بالتفصيل خطورة الكفالة في القانون اليمني، والفرق بين الكفالة الحضورية والكفالة الغرمية، ومتى يتحمل الكفيل دفع الدين كاملاً نيابة عن الأصيل.
متى تتحول الكفالة الحضورية إلى غرمية؟
1. مفهوم الكفالة في القانون المدني اليمني
عَرّف القانون المدني اليمني الكفالة (أو الضمان) بأنها عقد بمقتضاه يضم شخص (الكفيل) ذمته إلى ذمة شخص آخر (الأصيل أو المدين) في تنفيذ التزام عليه للدائن. وتعتبر الكفالة من عقود التبرع والإحسان في الأصل، ولكنها ترتب آثاراً قانونية صارمة بمجرد توقيعها، وتنقسم بشكل أساسي إلى نوعين:
- الكفالة الحضورية (ضمان الوجه): التزام الكفيل بإحضار بدن المكفول (المدين) إلى مجلس القضاء أو الدائن في وقت محدد.
- الكفالة الغرمية (ضمان مال): التزام الكفيل بأداء الدين وتفريغ ذمة المدين مالياً في حال عدم سداده.
2. خطورة الكفالة الحضورية وتحولها إلى كفالة غرمية
يعتقد الكثيرون خطأً أن "الكفالة الحضورية" مجرد إجراء شكلي لا يترتب عليه دفع أموال، طالما أن الكفيل لم يوقع على ضمان مالي (غرمي). ولكن القانون المدني اليمني صريح جداً في هذه المسألة وحاسم حمايةً لحقوق الدائنين.
متى يحكم القاضي على الكفيل الحضوري بدفع الدين؟
إذا عجز الكفيل الحضوري عن إحضار المكفول في الوقت والمكان المعينين بطلب من القاضي أو الدائن، أو إذا اختفى المكفول وهرب إلى مكان مجهول يتعذر الوصول إليه، فإن الكفالة الحضورية تتحول قانوناً وقضاءً إلى كفالة غرمية.
في هذه الحالة، يصدر القاضي حكماً يلزم الكفيل بدفع كامل قيمة الدين من ماله الخاص، ولا يُعفى الكفيل من هذا الالتزام المالي إلا في حالتين فقط:
- إحضار المكفول: أن ينجح في العثور عليه وتسليمه للقضاء.
- وفاء الدين: أن يقوم المكفول نفسه أو شخص آخر بسداد الدين وتبرئة ذمة الكفيل.
3. نصائح قانونية قبل الإقدام على كفالة الآخرين
بسبب الخطورة البالغة لـ "الضمان الحضوري" والمالي، يجب على كل مواطن وباحث قانوني التفطن والتوخي الحذر الشديد قبل التوقيع على أي ورقة كفالة، واتباع الإرشادات التالية:
- تجنب كفالة غير الموثوقين: لا تسارع بالوقوف كفيلًا لأشخاص لا تثق بأمانتهم أو قدرتهم المالية على السداد، أو أشخاص قد يتوارون عن الأنظار عند حلول الأجل.
- قراءة بنود الكفالة بدقة: تأكد من صياغة عقد الكفالة ومضمونه، وهل تم تقييده بشروط معينة أو مدة محددة أم جاءت الكفالة مطلقة.
- فهم التبعات المالية: ضع في حسبانك دائماً عند توقيع "ضمان الوجه" أنك قد تكون المطالب الأول والوحيد بدفع هذا الدين أمام المحكمة في حال اختفاء المدين.
4. السند القانون لعقد الكفالة في القانون اليمني
لكل من يبحث عن التأصيل القانوني الدقيق لأحكام الضمان، فقد نظم المشرع اليمني عقد الكفالة في القانون المدني (رقم 14 لسنة 2002م) ضمن المواد التالية:
▪ تعريف الكفالة ولزومها: نصت المادة (1019) مدني على أن الكفالة هي ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في تنفيذ التزام، وهي عقد ملزم للكفيل بمجرد انعقاده.
▪تحول الكفالة الحضورية إلى غرمية: استناداً إلى المبادئ المستقرة في القانون اليمني والقضاء، فإن كفيل الوجه (الحضوري) يلزم بإحضار المكفول في الأجل المعين، فإذا عجز عن إحضاره دون عذر مقبول، أو غاب المكفول غيبة منقطعة، لزم الكفيل أداء الدين وتحول الضمان إلى ضمان مال (كفالة غرمية)، عملاً بنص المادة (1032) مدني وما يليها من أحكام التضامن والضمان.
▪رجوع الكفيل على المدين: تمنح المادة (1045) مدني الحق للكفيل الذي قام بسداد الدين نيابة عن المكفول، أن يرجع على المدين الأصيل بما أداه عنه من مال، ومطالبته بالتعويض عن الخسائر التي لحقت به جراء هذا الضمان
خلاصة القول: الكفالة في القانون اليمني ليست مجرد خدمة ودية أو موقف عابر، بل هي مسؤولية قانونية كاملة قد تؤدي بالكفيل إلى الغرم المالي وحتى السجن في حال العجز عن إحضار المكفول أو سداد دينه، تطبيقاً للقاعدة الفقهية والقانونية المستقرة: (الزعيم غارم).
