recent
جديد المشاركات

الأصل براءة الذمة في القضاء اليمني

تطبيقات قاعدة "الأصل براءة الذمة" وأحكام المناصفة في القضاء اليمني

تُعتبر القاعدة الفقهية والشرعية الكبرى "الأصل براءة الذمة" أحد الركائز الجوهرية التي يقوم عليها النظام القضائي وحماية الحقوق؛ فالذمم خُلقت في الأصل حرة، بريئة، وغير مشغولة بأي التزامات أو حقوق للغير. وبناءً على هذا الأصل، فإن القول في الخصومات يكون دائماً قول من يتمسك بالبراءة، ومن يدعي خلاف ذلك فعليه يقع عبء إثبات انشغال الذمة بتقديم البرهان القاطع. [1, 2]
وتتفرع عن هذا الأصل ضوابط قضائية عديدة تحكم المعاملات المالية ومنازعات الشركاء، ومن أبرزها أحكام "المناصفة في الشراكة المطلقة والشركات العرفية" عند الإقرار. وفي هذا المقال، سنستعرض شرحاً تفصيلياً لتطبيقات هذه القاعدة والمبادئ المستقرة الصادرة عن المحكمة العليا اليمنية. [1, 2]

1. التكييف القانوني لقاعدة "الأصل براءة الذمة" في اليمن

من الناحية التشريعية والقضائية، تُعد براءة الذمة هي الحالة الطبيعية واليقينية لكل إنسان، ولا يجوز نقل الشخص من حالة البراءة إلى حالة الانشغال أو الإدانة بناءً على الشك أو التخمين. [1]
  • سندها في القانون اليمني: قنّن المشرع اليمني هذا الأصل الشرعي في المادة (4) من قانون الإثبات اليمني والتي نصت صراحة على أن: (الأصلُ براءةُ الذمة).
  • مبدأ المحكمة العليا في توزيع عبء الإثبات: تواترت أحكام الدائرة المدنية بالمحكمة العليا اليمنية على أن عبء الإثبات يقع دائماً على عاتق من يدعي خلاف الظاهر المستقر. فإذا ادعى طرف على آخر وجود دين أو التزام مالي وأنكر المدعى عليه، فإن القضاء اليمني يحكم ببراءة ذمة المنكر فوراً استناداً إلى أصل البراءة، وعلى المدعي تقديم البينة الشرعية لإثبات عكس الأصل، عملاً بالمادة (2) من قانون الإثبات: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر).
    [1, 2]

2. حكم الشراكة المطلقة وأصل المناصفة (الشركة العرفية)

من أهم الأنواع المتفرعة عن "الأصل" في فقه المعاملات والقضاء اليمني، هو أن الأصل في مطلق الشراكة والخلطة العرفية هو التنصيف (المناصفة بنسبة 50% لكل طرف). [1]
إذا أقر شخص بوجود شراكة بعبارات مطلقة دون تحديد الحصص، كأن يقول في وثيقة أو أمام شهود: (هذا الشيء مشترك بيني وبين فلان)، أو (هذا المال لي ولفلان)، أو (هو بيني وبينه)، فإن القضاء يحمل هذا الإقرار على المناصفة التامة بينهما.
القول قول من يدعي المناصفة
بما أن المناصفة هي الأصل الفقهي والقانوني عند إطلاق العبارة، فإن القول في مجلس القضاء يكون قول من يدعيها (لأنه يتمسك بالأصل)، أما من يدعي خلاف المناصفة (كأن يزعم أن حصته الثلثان وحصة شريكه الثلث) فعليه وحده يقع عبء تقديم البرهان والدليل القاطع لإثبات ادعائه، وإلا حلف من يدعي المناصفة اليمين وصُدِّق بيمينه أمام القاضي.

3. المبادئ القضائية اليمنية المنظمة لحسم منازعات الشراكة

تطبيقاً لهذه القواعد، أرست المحكمة العليا اليمنية عدة مبادئ قضائية صارمة للفصل في منازعات "الشركات العرفية" (الشراكة القائمة على الخلطة في الأموال والتكافؤ في الأعمال دون عقد مكتوب): [1, 2]
  • مبدأ حسم النزاع الشامل: قضت الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في مبدأ قضائي شهير (الطعن رقم 41500) بأن: "الحكم بثبوت شراكة الشخص في الشركة العرفية يجب أن يكون حاسماً للنزاع بكل تفاصيله، كوجود الشراكة من عدمه، وتاريخ نشوئها، ومقدار الأرباح، حتى لا يضطر الخصوم لرفع دعاوى موضوعية جديدة تعطل تنفيذ الأحكام".
  • شرط الاتصال في الإقرار (الاستثناء من المناصفة): يستقر الفقه والقضاء اليمني—وفقاً لما جاء في كتاب (رد المحتار، كتاب الإقرار)—على أنه يُستثنى من حكم المناصفة حالة واحدة؛ وهي أن يقوم المُقِر بتبيان وتحديد حصص الشراكة بشكل مغاير للمناصفة بشرط أن يكون ذلك موصولاً بإقراره دون فاصل زمني [0.465].
    • مثال مقرب: إذا قال المقر: (هذا المحل العقاري مشترك بيني وبين فلان، ثلثاه لي وثلثه له)؛ هنا يُصدق المقر ويُعمل بكلامه لأن الاستثناء جاء متصلاً باللفظ الموصول، ويزول أصل المناصفة ليحل محله النص الصريح المحدد للحصص وفقاً للمادة (198) مدني المنظمة لأحكام الإقرار. [1]

المراجع الفقهية والأكاديمية للمقال:

  1. شرح القواعد الفقهية، تأليف: الشيخ أحمد الزرقا (الطبعة الثانية)، مرجع تأصيل قواعد براءة الذمة وأصول الأحكام.
  2. رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)، كتاب الإقرار، صفحة (465)، في تنظيم أحكام الشراكة المطلقة [0.465].
  3. أحكام الدائرة المدنية بالمحكمة العليا اليمنية، الطعن المدني رقم (41500) بشأن آثار وإثبات الشراكة العرفية. [1].
google-playkhamsatmostaqltradent