recent
جديد المشاركات

الأصل براءة الذمة في القانون والقضاء اليمني

قاعدة الأصل براءة الذمة وتطبيقاتها في القانون والقضاء اليمني


تُعتبر القاعدة الفقهية والشرعية الكبرى "الأصل براءة الذمة" أحد الركائز الجوهرية التي يقوم عليها النظام القضائي وحماية الحقوق؛ فالذمم خُلقت في الأصل حرة، بريئة، وغير مشغولة بأي التزامات أو حقوق للغير. وبناءً على هذا الأصل، فإن القول في الخصومات يكون دائماً قول من يتمسك بالبراءة، ومن يدعي خلاف ذلك فعليه يقع عبء إثبات انشغال الذمة بتقديم البرهان القاطع.
وتتفرع عن هذا الأصل ضوابط قضائية عديدة تحكم المعاملات المالية ومنازعات الشركاء، ومن أبرزها أحكام "المناصفة في الشراكة المطلقة والشركات العرفية" عند الإقرار. وفي هذا المقال، سنستعرض شرحاً تفصيلياً لتطبيقات هذه القاعدة والمبادئ المستقرة الصادرة عن المحكمة العليا اليمنية.

1. التكييف القانوني لقاعدة "الأصل براءة الذمة" في اليمن

من الناحية التشريعية والقضائية، تُعد براءة الذمة هي الحالة الطبيعية واليقينية لكل إنسان، ولا يجوز نقل الشخص من حالة البراءة إلى حالة الانشغال أو الإدانة بناءً على الشك أو التخمين.

سند القاعدة في القانون اليمني:

قنّن المشرع اليمني هذا الأصل الشرعي في المواد (1, 2 , 3) من قانون الإثبات اليمني وتنص المادة (٢) من قانون الإثبات اليمني بأن:(على الدائن إثبات الحق وعلى المدين إثبات التخلص منه وتكون البينة على المدعي واليمين على من انكر).
كما تنص المادة (٣) من قانون الإثبات اليمني بأن: (المدعي هو من معه أخفى الأمرين وهو من يدعي خلاف الظاهر والمدعى عليه هو من معه اظهر الأمرين.).
كما تجد هذه القاعدة "الأصل براءة الذمة" سندها في القانون المدني اليمني في المادة (11) وتنص صراحة بما لفظه: (....والأصل براءة الذمة حتى يثبت غيرها. ).

لمحة عن المباديء العامة في الإثبات أمام القضاء:

وتعتبر المباديء العامة في الإثبات مبادىء أساسية يتعين على كل مشتغل بالقانون أن يعلمها، قبل أن يتناول القضية سواء أكان قاضيًا أم متقاضيًا، وقبل بيان تلك المباديء يجب فهم معنى القضاء المدني، وذلك لكون كل نوع من أنواع القضاء له منهجه وقواعده في الإثبات؛ فالإثبات أمام القضاء الجنائي يكون عبر أدلة وقرائن تختلف عن الإثبات أمام القضاء المدني، وكذلك القضاء الإداري. 
فبينما يكون القاضي المدني محكومًا بمبدأ الإثبات المقيد، أي محكوم بأدلة وقرائن مُحددة، نجد أن السائد في الإثبات الجنائي هو مذهب الإثبات الحر، وهو ما يعبر عنه بمقولة (حرية القاضي الجنائي في الإثبات) . ولذلك فمفهوم القضاء المدني ينصرف إلى: "ما ليس جنائيًا ولا إداريًا" فيشمل القضايا الحقوقية، والتجارية، والعمالية، والأحوال الشخصية، وكل ما ليس جنائيًا ولا إداريًا.

بيان المباديء العامة في الإثبات المدني وشروطها:

أولاً: محل الإثبات:

وهو إما التصرف القانوني، كالبيع أو الإجارة، أو الواقعة المادية (كالوفاة المنشئة للإرث)، والعمل غير المشروع (المنشيء للحق في التعويض)، أي الواقعة المنشئة للحق أو المصلحة أو المركز القانوني، فمحل الإثبات لا يرد على الحق أو المصلحة بل على الواقعة المنشئة، أو النافية، ولهذه الواقعة شروط لكي تصلح محلًا للإثبات، وهي:
1) أن تكون متعلقة بالحق موضوع الدعوى.
2) أن تكون محل نزاع، فليس من جدوى من محاولة إثبات واقعة ليست متنازعًا عليها.
3) أن تكون واقعة محددة، أي ليست واقعة مطلقة .. ويستوي في ذلك أن تكون إيجابية أم سلبية، فقد تكون إيجابية مثل الإثراء بلا سبب أو الزواج أو الطلاق؛ وقد تكون سلبية مثل براءة الذمة من الالتزام.
4) أن تكون الواقعة منتجة في الإثبات، أي لها أثر في ثبوت الحق أو نفيه، وليس من طائل من بذل جهد في إثبات واقعة معينة لن يتغير وجه الرأي في الدعوى بثبوتها أو عدم ثبوتها.
5) أن تكون جائزة القبول عقلًا و قانونًا ... وهذه المسألة فيها تفاصيل كثيرة لا يتسع لها المقال.

ثانياً: عبء الإثبات:

من المسلم به أن عبء الإثبات يكون على الخصوم وليس على القاضي، فالقاضي – المدني بالمفهوم السابق بيانه – ليس مكلفًا قانونًا بالبحث عن الأدلة، ولا بتنبيه الخصوم أو أحدهما لما يجب عليه تقديمه من أدلة؛ فلو فعل ذلك يكون قد أخل بمبدأ الحياد المفترض في القاضي على سبيل اللزوم والدوام. 
ويتفرع عن هذه القاعدة قاعدة أخرى، هي أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه الشخصي، إذ يَفرض عليه القانون ألا يقضي إلا بناءً على أدلة قُدمت إليه في الخصومة بإجراءات صحيحة، حتى ولو كان يعلم حقيقة الواقعة خارج مجلس القضاء .. كما أنه يجب عليه أن يذكر الأدلة التي استقى منها حكمه في بيان واضح جلي، ومؤدى وأثر كل دليل منها في تكوين اقتناعه، وإلا كان حكمه معيبًا بالقصور.

توزع عبء بين الخصوم:

ويتوزع عبء الإثبات على الخصوم، فالقاعدة العامة في هذا الصدد هي أن عبء الإثبات على المدعي. والمدعي ليس هو – كما يتبادر إلى الأذهان –  من رفع الدعوى بل هو من يدعي تجاه خصمه بواقعة أو بحق أو مصلحة أو مركز، ويكون على الطرف الآخر الحق في نفيه، ويكون عبء الإثبات بصفة عامة على من يدعي خلاف الظاهر أو خلاف الأصل. 
فطلب الخصم تمكينه من إثبات أو نفي دفاع جوهري حق له، يجب على المحكمة إجابته إليه، فإن امتنعت عن إجابته كان حكمها معيبًا.

ثالثاً: الحق في الإثبات:

ومعناه أن الإثبات أمام القضاء حق للخصوم، لا يجوز حرمانهم منه، فكلما توافرت الشروط السابق ذكرها في الواقعة محل الإثبات فإن القاضي لا يملك أن يمنع مدعيها من إقامة الدليل عليها بل عليه بحثها بعناية، وفوق ذلك تمكينه من إقامة الدليل عليها، وإن القول بغير ذلك إخلال بحق الدفاع.
ويقابل هذا الحق حق آخر هو حق الخصم في مناقشة أدلة خصمه والرد عليها، ومن ثم يجب أن يعلم بها، فلا تقدم في غيبته بدون إعلامه بالجلسة التي قدمت فيها ، وهذا ما يُعبر عنه الفقه بمبدأ المواجهة أو التواجهية، ومعناه أن المفاجأة الإجرائية محظورة. 
ويكون من حق الخصم نفي الواقعة أو الوقائع التي يريد الآخر إثباتها، سواءً بنفيها هي ذاتها أو إثبات واقعة يكون النجاح في إثباتها بحكم المنطق نفيًا للواقعة الأخرى. 
ويتفرع عن الحق في الإثبات على النحو السالف بيانه حقوق أخرى فرعية هي:
1) لا يجوز للشخص أن يصطنع دليلًا لنفسه بنفسه. 
2)  لا يجوز إلزام الشخص أن يقدم دليلًا ضد نفسه. وعلة هذا المبدأ هي أنه طالما كان الإثبات حقًا للخصم فلا يجوز إجباره على استعماله، فله في كل الأحوال النزول عنه، ويستثنى من هذه القاعدة – قاعدة عدم إجبار الخصم على تقديم دليل– حال إذا كان المستند مشتركًا بين الخصمين.
3) وسائل الإثبات ليست من النظام العام – حسب الرأي الراجح في الفقه – ومعناها أنه يجوز للخصوم الإتفاق على وسائل معينة للإثبات، بمعنى يجوز للخصوم التنازل عن الإثبات بالكتابة في وقائع نص القانون على إثباتها بالكتابة.

مبدأ المحكمة العليا في توزيع عبء الإثبات:

تواترت أحكام الدائرة المدنية بالمحكمة العليا اليمنية على أن عبء الإثبات يقع دائماً على عاتق من يدعي خلاف الظاهر المستقر.
فإذا ادعى طرف على آخر وجود دين أو التزام مالي وأنكر المدعى عليه، فإن القضاء اليمني يحكم ببراءة ذمة المنكر فوراً استناداً إلى أصل البراءة، وعلى المدعي تقديم البينة الشرعية لإثبات عكس الأصل، عملاً بالمادة (2) من قانون الإثبات اليمني: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر).

2. حكم الإدعاء بالشراكة المطلقة وأصل المناصفة في الشركة العرفية.

من أهم الأنواع المتفرعة عن "الأصل" في فقه المعاملات والقضاء اليمني، هو أن الأصل في مطلق الشراكة والخلطة العرفية هو التنصيف (المناصفة بنسبة 50% لكل طرف).
إذا أقر شخص بوجود شراكة بعبارات مطلقة دون تحديد الحصص، كأن يقول في وثيقة أو أمام شهود: (هذا الشيء مشترك بيني وبين فلان)، أو (هذا المال لي ولفلان)، أو (هو بيني وبينه)، فإن القضاء يحمل هذا الإقرار على المناصفة التامة بينهما.

القول قول من يدعي المناصفة

بما أن المناصفة هي الأصل الفقهي والقانوني عند إطلاق العبارة، فإن القول في مجلس القضاء يكون قول من يدعيها (لأنه يتمسك بالأصل)، أما من يدعي خلاف المناصفة (كأن يزعم أن حصته الثلثان وحصة شريكه الثلث) فعليه وحده يقع عبء تقديم البرهان والدليل القاطع لإثبات ادعائه، وإلا حلف من يدعي المناصفة اليمين وصُدِّق بيمينه أمام القاضي.

3. المبادئ القضائية اليمنية المنظمة لحسم منازعات الشراكة

تطبيقاً لهذه القواعد، أرست المحكمة العليا اليمنية عدة مبادئ قضائية صارمة للفصل في منازعات "الشركات العرفية" (الشراكة القائمة على الخلطة في الأموال والتكافؤ في الأعمال دون عقد مكتوب).

مبدأ حسم النزاع الشامل:

قضت الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في مبدأ قضائي شهير (الطعن رقم 41500) بأن: "الحكم بثبوت شراكة الشخص في الشركة العرفية يجب أن يكون حاسماً للنزاع بكل تفاصيله، كوجود الشراكة من عدمه، وتاريخ نشوئها، ومقدار الأرباح، حتى لا يضطر الخصوم لرفع دعاوى موضوعية جديدة تعطل تنفيذ الأحكام".

شرط الاتصال في الإقرار (الاستثناء من المناصفة):

يستقر الفقه والقضاء اليمني—وفقاً لما جاء في كتاب (رد المحتار، كتاب الإقرار)—على أنه يُستثنى من حكم المناصفة حالة واحدة؛ وهي أن يقوم المُقِر بتبيان وتحديد حصص الشراكة بشكل مغاير للمناصفة بشرط أن يكون ذلك موصولاً بإقراره دون فاصل زمني [0.465].مثال مقرب: إذا قال المقر: (هذا المحل العقاري مشترك بيني وبين فلان، ثلثاه لي وثلثه له)؛ هنا يُصدق المقر ويُعمل بكلامه لأن الاستثناء جاء متصلاً باللفظ الموصول، ويزول أصل المناصفة ليحل محله النص الصريح المحدد للحصص وفقاً للمادة (198) مدني المنظمة لأحكام الإقرار.

مراجع المقال:

شرح القواعد الفقهية، تأليف: الشيخ أحمد الزرقا (الطبعة الثانية)، مرجع تأصيل قواعد براءة الذمة وأصول الأحكام.
رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)، كتاب الإقرار، صفحة (465)، في تنظيم أحكام الشراكة المطلقة [0.465].
أحكام الدائرة المدنية بالمحكمة العليا اليمنية، الطعن المدني رقم (41500) بشأن آثار وإثبات الشراكة العرفية.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

google-playkhamsatmostaqltradent