recent
جديد المشاركات

بطلان أعمال الخبير في القانون اليمني

تُعتبر "الخبرة القضائية" من أهم وسائل الإثبات المساعدة التي يلجأ إليها القضاة للفصل في المسائل الفنية والتقنية المعقدة التي تخرج عن نطاق تخصصهم العقلي والقانوني؛ كفحص البصائر العقارية، وتحديد مساحات الأراضي، وتدقيق الحسابات المالية والشركات. ونظراً للأثر البالغ لتقرير الخبير في توجيه عقيدة المحكمة وإصدار الأحكام، فإن إجراءات عمل الخبير تحاط بضوابط قانونية صارمة، ويترتب على مخالفتها بطلان أعماله.

ومع ذلك، فإن هذا البطلان محكوم بقواعد إجرائية دقيقة تميز بين ما هو متعلق بالنظام العام وما هو مقرر لمصلحة الخصوم. وفي هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل الطبيعة القانونية لبطلان أعمال الخبير، ومواعيد إبداء الاعتراض عليها في القانون اليمني، استهداءً بالقواعد الراسخة المستقرة في قضاء محكمة النقض المصرية.

أولاً: طبيعة بطلان أعمال الخبير (بطلان نسبي لا يتعلق بالنظام العام)

أرست محكمة النقض المصرية مبدأً قضائياً حاسماً في الطعن رقم 3313 لسنة 89 ق (جلسة 23/ 2/ 2020م) قضت فيه بأن:
«بطلان أعمال الخبير هو بطلان نسبي تحكم به المحكمة بناءً على طلب من له مصلحة من الخصوم، إذ أنه ليس متعلقاً بالنظام العام...».

المدلول الفني للمبدأ:

معنى أن البطلان "نسبي وليس متعلقاً بالنظام العام" أنه لا يجوز للمحكمة أن تقضي ببطلان تقرير الخبير أو أعماله من تلقاء نفسها دون طلب من الخصوم. كما يترتب على ذلك أن الخصم الذي شُرعت هذه الإجراءات لحمايته (كالحق في حضور جلسات الخبرة أو تبلغ بمواعيد المعاينة) يملك كامل الحرية في التنازل عن هذا البطلان صراحة أو ضمناً إذا وجد أن التقرير يخدم مصلحته

ثانياً: المواعيد الصارمة لإبداء الاعتراض على الخبير وعمله

حددت محكمة النقض المصرية التوقيتات القانونية الدقيقة والملزمة للخصوم لإيقاع اعتراضاتهم ودفوعهم بشكل تتابعي يحمي استقرار الإجراءات، وقسمتها إلى ثلاث مراحل متلاحقة:
  1. أثناء مباشرة الخبير لعمله: يتعين على الخصم المعتدّ أن يبدي اعتراضه على شخص الخبير (طلب رده) أو على طريقة إجرائه للمعاينة فوراً وأثناء مباشرة الخبير لمهمته على أرض الواقع.
  2. أمام محكمة الموضوع (الابتدائية أو الاستئناف): إذا فات الخصم إبداء الدفع أثناء عمل الخبير، يتوجب عليه حتماً وصراحة إبداؤه وتقديمه كتابة في مذكرة الدفوع أمام محكمة الموضوع في الوقت المناسب (أي فور إيداع التقرير في قلم كتاب المحكمة وقبل الدخول في مناقشة الموضوع).
  3. أمام محكمة النقض (سقوط الحق): إذا أغفل الخصم إبداء الدفع بالبطلان أمام محكمة الموضوع، فلا يجديه نفعاً الطعن به لأول مرة أمام محكمة النقض؛ لأن المحكمة العليا ستعتبره "سبباً جديداً" لم يسبق عرضه على محكمة الموضوع، وبالتالي تقضي برفضه وسقوط الحق فيه نتيجة التنازل الضمني.

ثالثاً: موقف وتطبيقات القانون والقضاء اليمني في بطلان الخبرة

يتطابق المشرع اليمني والقضاء المستقر تماماً مع هذا التأصيل الإجرائي الصارم، وينعكس ذلك في التشريعات المحلية كالتالي:

1. السند في قانون الإثبات وقانون المرافعات اليمني

نظم المشرع اليمني أحكام الخبرة القضائية في المواد من (163) إلى (178) من قانون الإثبات اليمني رقم (21) لسنة 1992م وتعديلاته.
  • وتعتبر القواعد الحاكمة لبطلان إجراءات الخبرة في اليمن (مثل عدم دعوة الخصوم لحضور المعاينة) قائمة على قاعدة "البطلان النسبي" المقررة في القواعد العامة لـ قانون المرافعات اليمني؛ فالأصل أن الدفوع الشكلية غير المتعلقة بالنظام العام تسقط إذا لم تبدَ في تتابعها الإجرائي وقبل التكلم في الموضوع، عملاً بالآثار المستقرة بـ المادة (182) مرافعات يمني.

2. ميعاد رد الخبير في القضاء اليمني

وضعت المادة (166) من قانون الإثبات اليمني ميعاداً صارماً لطلب رد الخبير (الاعتراض على شخصه)؛ حيث نصت على أن طلب الرد يُقدم خلال أسبوع واحد من تاريخ صدور قرار تعيينه إذا كان صادراً بحضور الخصم، أو من تاريخ تبليغه بالقرار إذا صدر في غيبته. فإذا مضى الأسبوع ودخل الخبير في مباشرة عمله، سقط حق الخصم في طلب الرد وتعتبر أعمال الخبير صحيحة ونافذة من حيث الصفة.

3. توجه المحكمة العليا اليمنية في مناقشة التقرير

تستقر الدائرة المدنية بالمحكمة العليا اليمنية في مبادئها على أن تقديم الخصم لمذكرات موضوعية تناقش مضمون تقرير الخبير (مثل مناقشة الحسابات أو المساحات) دون أن يدفع في مقدمة مذكرته ببطلان الإجراءات الشكلية للخبرة، يُعد إقراراً ضمنياً بصحة الإجراءات وتنازلاً عن البطلان النسبي، مما يمنع الخصم من التمسك بهذا البطلان في المراحل اللاحقة من التقاضي أو اعتماده كسبب للطعن بالنقض.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent