recent
جديد المشاركات

عيوب الرضا في القانون اليمني

يُعد "الغلط" من أهم عيوب الرضا في القانون المدني اليمني، ويقصد به توهم العاقد غير الواقع واقعاً مما يدفعه للتعاقد بسبب ذلك، حيث يقع غالباً في السعر أو الوصف أو جوهر العين المبيعة. وبموجب أحكام القانون المدني اليمني رقم (14) لسنة 2002م، يتبنى المشرع توجهاً متوازناً يقضي بأن الغلط المؤثر يعيب الرضا ويمنح المتضرر حق طلب فسخ العقد، شريطة أن يكون الغلط جوهرياً واضحاً تكشف عنه قرينة قاطعة أو دليل معتبر، حمايةً لاستقرار المعاملات ومنعاً للاستغلال.

عيوب الرضا في القانون اليمني: "الغلط" كسبب لفسخ العقود والمعاملات

يقوم أصل التعاقد والالتزام في القانون المدني اليمني على مبدأ "سلطان الإرادة" والرضا التام بين أطراف العقد. ولكي ينتج العقد آثاره القانونية المستقرة، يجب أن يكون هذا الرضا حراً، سليماً، وخالياً من أي شائبة أو عيب ينحرف بالإرادة الحقيقية للمتعاقد. ومن بين شتى عيوب الرضا (كالإكراه والغبن والتدليس)، برز "الغلط" كأكثر العيوب إثارة للجدل الفقهي والقضائي حول مدى تأثيره على صحة العقود ولزومها.
في هذا المقال الشامل، سنحلل مفهوم الغلط كأحد عيوب الرضا في القانون اليمني، ونستعرض معايير الغلط الواضح المؤثر في السعر والوصف، والتوازن التشريعي المقر لحماية العقود.

1. المفهوم القانوني للغلط في التشريع المدني اليمني

عَرّف الفقه والقانون المدني اليمني الغلط بأنه: حالة نفسية أو وهم يقوم في ذهن العاقد، يصور له غير الواقع واقعاً، ويدفعه هذا التوهم إلى إبرام عقد لم يكن ليرتضيه أو يقبل به لو علم الحقيقة.
  • طبيعته القانونية: يتميز الغلط عن عيب "التدليس" في أن الغلط ينشأ تلقائياً في نفس العاقد دون تدخل أو خديعة متعمدة من الطرف الآخر. فالغلط هو وهم ذاتي، بينما التدليس هو خديعة خارجية مصطنعة.
  • التوجه المتوازن للمشرع اليمني: تبنى المشرع اليمني في مواد نظرية العقد توجهاً فقهياً بالغ التوازن؛ إذ لم يقرر بطلان العقد بمجرد أي غلط عارض يثيره المتعاقد (لأن ذلك يهدد استقرار البيوع)، وفي نفس الوقت لم يهدر إرادة المتعاقد المغلوطة، بل جعل الغلط الجوهري الواضح سبباً يمنح المتضرر حق طلب "فسخ العقد" قضائياً.

2. صور الغلط المؤثر في المعاملات (السعر والوصف)

يقع الغلط عادة في بيئة التعاملات اليومية باليمن في صور مادية وملموسة تؤثر مباشرة على القيمة الاقتصادية للعقد، ومن أهمها:
  • أولاً: الغلط في الوصف (جوهر الشيء): يتحقق عندما يقع الغلط في صفة جوهرية للعين يتأثر بها رضا العاقد وتحدد غايته من الشراء؛ كأن يشتري شخص قطعة أرض بناءً على وصف يتوهم فيه أنها تقع على شارع رئيسي عام، ثم يتبين يقيناً أنها أرض داخلية مغلقة، أو يشتري واجهة زجاجية لعقاره يتوهم أنها مقاومة للرصاص والحرارة ثم يتبين عكس ذلك.
  • ثانياً: الغلط في السعر (القيمة المالية): يقع عندما يبرم العاقد تصرفاً مالياً تحت وهم وسوء تقدير جسيم لثمن العين الحقيقي مقارنة بسعر السوق؛ كأن يبيع شخص بصيرة أرض موروثة بسعر زهيد جداً بناءً على غلط واضح في مساحتها أو موقعها أو قيمتها الجارية، مما يصيب إرادته بعيب حاد يلحق به غبناً فاحشاً.

3. معيار المحققين وقانون المرافعات لإعمال الغلط

استقر رأي المحققين من فقهاء الشريعة الإسلامية والقضاء المدني في اليمن على أن الغلط الواضح لا يؤثر في صحة العقد ونفاذه إلا إذا انكشف مراد العاقد الصحيح بدليل أو قرينة قاطعة.
ولكي تحكم المحكمة الابتدائية بفسخ العقد للغلط، يجب توافر الشروط القضائية التالية:
  1. أن يكون الغلط جوهرياً: أي أن يكون هو الدافع الأساسي والوحيد للتعاقد، بحيث لو علم العاقد الحقيقة لامتنع عن توقيع العقد قطعاً.
  2. اتصال الغلط بالطرف الآخر: يجب أن يكون الطرف الآخر في العقد قد وقع في نفس الغلط، أو كان يعلم به، أو كان من السهل عليه جداً أن يتبينه؛ وذلك لمنع المتعاقد السيئ النية من التذرع بالغلط الفردي للتنصل من التزاماته.
  3. وجود القرائن والأدلة القاطعة: لا يلتفت القضاء اليمني للادعاءات الشفهية المرسلة بالغلط الباطني، بل يجب على مدعي الغلط تقديم براهين مادية؛ مثل المراسلات المتبادلة (واتساب أو إيميل)، أو المخططات الهندسية المرفقة، أو الشروط المكتوبة الصريحة التي تكشف يقيناً عن مراد العاقد الحقيقي وتثبت وقوعه في الوهم وقت التوقيع.

4. الآثار المترتبة على ثبوت الغلط في المحاكم اليمنية

إذا نجح المدعي في إثبات وقوعه في غلط جوهري واضح تتوفر فيه الشروط السابقة، تقضي المحكمة بـ "فسخ العقد":
  • الأثر الرجعي للفسخ: عملاً بـ المادة (225) مدني يمني، يترتب على الفسخ للغلط إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد؛ فيرد البائع الثمن المشترى، ويرد المشتري العين المبيعة.
  • سقوط دعوى الفسخ بالتقادم: لا تظل دعوى الفسخ لعيوب الرضا مفتوحة للأبد؛ بل تسقط بالتقادم إذا لم يرفعها المتضرر خلال المدة القانونية المحددة من تاريخ كشف الغلط والعلم بالحقيقة يقيناً، حماية لاستقرار الملكية وحقوق الجوار.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent