قاعدة "الضرر يُدفع بقدر الإمكان" هي المرتكز الشرعي والقانوني الذي يُلزم الأفراد والدولة باتخاذ التدابير الوقائية قبل وقوع الخطر، وتفعيل الإجراءات العلاجية والتعويضية لرفعه بعد وقوعه. وبموجب أحكام القانون المدني اليمني وقانون الجرائم والعقوبات، تتسع تطبيقات هذه القاعدة لتشمل منظومة الدفاع الشرعي (دفع الصائل)، والمسؤولية التقصيرية عن التعويض، والالتزامات الصحية للأفراد في مواجهة الأوبئة والجوائح العامة.
تطبيقات قاعدة "الضرر يُدفع بقدر الإمكان" في القانون والقضاء اليمني
تُعتبر القاعدة الفقهية والشرعية الكلية "الضرر يُدفع بقدر الإمكان" إحدى الركائز الجوهرية المتفرعة عن أم القواعد (لا ضرر ولا ضرار). وتتميز هذه القاعدة بطبيعتها الديناميكية؛ إذ إنها لا تنتظر وقوع الكارثة لتبحث عن علاج، بل تفرض التزاماً تبادلياً مستمراً يمر بمرحلتين حاسمتين: مرحلة الدفع والوقاية قبل وقوع الحادثة، ومرحلة الرفع والتعويض بعد وقوع البلاء.
في هذا المقال الشامل، سنقوم بتأصيل هذه القاعدة الفقهية، واستعراض انعكاساتها وتطبيقاتها العملية في نصوص القانون المدني وقانون العقوبات واللوائح الصحية في اليمن.
1. الفلسفة الثنائية للقاعدة: مرحلة الدفع ومرحلة الرفع
قسّم فقهاء التشريع الإسلامي والقانوني التزامات هذه القاعدة إلى توقيتين زمنيين متكاملين لحماية الأنفس والأموال:
- المرحلة الأولى (قبل وقوع الحادثة - الدفع والوقاية): تقتضي اتخاذ كافة الوسائل الممكنة والاحتياطات المادية لمنع حدوث المفسدة أو الأذى واعتراض سبيله قبل أن ينزل بالمجتمع أو الأفراد.
- المرحلة الثانية (بعد وقوع الحادثة - الرفع والجبر): إذا غلب القدر ووقع الضرر رغماً عن الاحتياطات، ينتقل التكليف الشرعي والقانوني فوراً إلى وجوب رفع هذا الضرر، وإزالة آثاره المستمرة، وجبر خاطر المتضرر عبر التعويض المالي العادل.
2. التطبيقات الجزائية: دفع الصائل (الدفاع الشرعي)
تتجلى مرحلة "الدفع قبل الوقوع" بأبهى صورها في واقع القانون الجنائي اليمني من خلال تنظيم نظرية "دفع الصائل" أو ما يُعرف قانوناً بـ "حق الدفاع الشرعي عن النفس والمال".
- الواقع التطبيقي في اليمن: إذا تعرض مواطن لهجوم مفاجئ من قِبل "صائل" (معتدٍ) يهدد حياته أو عرضه أو ماله، أو يهدد غيره، فإن الشريعة والقانون يمنحانه الحق في استخدام القوة المناسبة لدفع هذا الاعتداء ومنع وقوع الجريمة قبل اكتمالها.
- السند القانوني: صاغ المشرع اليمني هذا الحق في المادة (26) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني، والتي اعتبرت الفعل المرتكب دفاعاً شرعياً سبباً من أسباب الإباحة التي تنفي الجريمة وتمنع العقوبة، لأن الجاني كان يتحرك تحت واجب دفع الضرر قبل وقوعه الأبدي.
3. التطبيقات المدنية: المسؤولية التقصيرية والتعويض عن الاعتداء
تُمثل هذه الجزئية مرحلة "الرفع بعد الوقوع"؛ فالحقوق في القانون المدني اليمني مصونة، والاعتداء عليها يولد التزاماً فورياً بوجوب الإزالة والتعويض.
- الواقع التطبيقي في اليمن: إذا قام شخص بإحداث ضرر مادي أو معنوي بحق غيره (كإتلاف سيارة، أو هدم جدار، أو التسبب في إصابة جسدية نتيجة إهمال)، فإن الضرر قد وقع فعلياً ولا يمكن إعادة الزمن إلى الوراء، وهنا يأمر القضاء بـ "الرفع" عن طريق المال.
- السند القانوني: قنّن المشرع اليمني هذا الأصل في المادة (4) من القانون المدني والتي نصت حاسمة: (الضرر يجب أن يزال). ويتم الرفع عبر إلزام الفاعل غير المشروع بدفع "أرش الجروح" أو "التعويض المالي العادل" لجبر الخسارة المادية وإعادة توازن المراكز القانونية.
4. التطبيقات الوقائية والصحية: الأوبئة والمسؤولية الأسرية
تمتد ظلال قاعدة (الضرر يدفع بقدر الإمكان) لترتب التزامات قانونية وصحية صارمة على مستوى الأفراد والأسرة أثناء الجوائح والأزمات الوبائية (مثل أزمة كورونا المستجد أو الأوبئة الموسمية).
- واجب الدفع والوقاية داخل الأسرة: يفرض القانون والشريعة على رب الأسرة (الأب) التزاماً وقائياً حتمياً باتخاذ كافة التدابير والتعليمات الطبية اللازمة لمنع تسلل الوباء إلى بيته وحماية أطفاله وزوجته (كالحجر المنزلي، والنظافة، ومنع الاختلاط الخطير).
- واجب الرفع والتبليغ عند الإصابة: إذا قُدّر البلاء وتسلل الفيروس أو المرض إلى أحد أفراد البيت، ينتقل التزام الأب فوراً إلى مرحلة "الرفع"؛ ويتمثل ذلك قانوناً في وجوب التبليغ الفوري للجهات الصحية الرسمية، واتباع بروتوكولات العزل والتعليمات الطبية لمنع اتساع دائرة الضرر وانتقال العدوى للمجتمع، إعمالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).