recent
جديد المشاركات

القواعد الفقهية وتطبيقاتها في القانون اليمني

القواعد الفقهية وتطبيقاتها في القانون اليمني: التآخي بين الشريعة والتشريع

تُعد "القواعد الفقهية والقانونية" بمثابة الضوابط الكلية والأصول الجامعة التي تختزل آلاف الأحكام الفرعية في عبارات وجيزة وموجزة ومحكمة. ونظراً لأن الدستور اليمني يؤكد في مادته الثالثة أن الشريعة الإسلامية هي مصدر جميع التشريعات، فقد جاء القانون المدني اليمني وقانون الجرائم والعقوبات متطابقين ومتأصلين بالكامل بناءً على القواعد الفقهية الكبرى التي صاغها فقهاء الإسلام وجرى العمل بها في المحاكم اليمنية كقواعد قانونية آمرة.
في هذا المقال، سنستعرض أبرز القواعد الفقهية والقانونية المشتركة، مع تبيان تطبيقاتها الصريحة في نصوص ومواد القوانين النافذة بالجمهورية اليمنية [1.1.2، 1.1.5]

1. قاعدة: "الأمور بمقاصدها" وتطبيقاتها اليمنية

تُعبر هذه القاعدة الكبرى عن أن الأحكام والآثار المترتبة على تصرفات الإنسان—سواء كانت عقوداً أو جنايات—تتبع النية والهدف المستتر في وجدانه.
  • تطبيقها في القانون المدني اليمني: نصت المادة (214) مدني صراحة على معيار تفسير العقود: (العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني). فلا ينظر القاضي إلى المسميات الظاهرية للعقد بل إلى النية الحقيقية للمتعاقدين.
  • تطبيقها في القانون الجنائي اليمني: تظهر بوضوح عند تفريق القاضي الجزائي بين جرائم "القتل العمد" وجرائم "الخطأ"؛ فالأولى توجب القصاص لانصراف المقصد والنية نحو إزهاق الروح، بينما الثانية توجب الدية لانتفاء النية الجنائية بالكامل.

2. قاعدة: "اليقين لا يزول بالشك" وتطبيقاتها اليمنية

تُعد هذه القاعدة حجر الزاوية في استقرار المعاملات وحماية براءة الإنسان؛ إذ لا يجوز تغيير مركز قانوني مستقر أو إدانة شخص بناءً على الظن والتردد والتخمين.
  • تطبيقها في قانون الإثبات اليمني: يظل الأصل في ذمة المدين البراءة حتى يثبت الدائن العكس بيقين؛ فالشك في سداد الدين لا يلغي يقين المديونية الأصلية حتى يقدم المدين سند تبرئة الذمة.
  • تطبيقها في قانون الإجراءات الجزائية: تترجم هذه القاعدة في قضاء الجنايات بمبدأ "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، ومبدأ "تفسير الشك لمصلحة المتهم". فإذا تشكك القاضي في صحة الدليل، يلتزم بالحكم بالبراءة؛ لأن اليقين (وهو براءة المتهم الأصلية) لا يزول بشكوك الاتهام.

3. قاعدة: "العادة محكّمة" وتطبيقاتها اليمنية

تؤصل هذه القاعدة لاعتبار الأعراف المنضبطة والتقاليد المستقرة بين الناس بمثابة نصوص قانونية يُلجأ إليها للحكم وفصل النزاعات عند غياب النص التشريعي الصريح.
  • تطبيقها في القانون المدني اليمني: نصت المادة (20) مدني صراحة على أن: (العرف والعادة مرجع من مراجع الأحكام عند عدم النص).
  • تطبيقاتها العملية: تستعين المحاكم اليمنية بالأعراف والأسلاف في تقدير أجور "المشاقاة" في الأراضي الزراعية، وتقدير عيوب البناء في مقاولات التشييد، وضبط نزاعات الحدود والمساقي التي تختلف أحكامها العرفية من جهة إلى أخرى في ريف اليمن.

4. قاعدة: "الضرر يُزال" وتطبيقاتها اليمنية

تُمثل هذه القاعدة الأساس التشريعي الكامل لقوانين المسؤولية التقصيرية والتعويض؛ إذ يحظر الشرع والقانون الإضرار بالغير، ويوجب رفع الضرر وجبره حال وقوعه.
  • تطبيقها في القانون المدني اليمني: تقابلها صراحة المادة (208) مدني التي تنص على أن: (كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض).
  • منع الضرر وقفه: تمنح هذه القاعدة للمواطن الحق في رفع دعاوى "منع محدث الضرر" أو "توقيف الاستحداثات" أمام القضاء المستعجل لإيقاف هدم الجدران، أو فتح المطلات على الجيران، أو بسط الطرق، إعمالاً لقاعدة: (الضرر يُدفع بقدر الإمكان).

5. قاعدة: "الغرم بالغنم" (الخراج بالضمان)

تقرر هذه القاعدة القانونية الموزونة التوازن المالي في العقود؛ فمن يستفيد من منافع شيء وعوائده، يجب عليه بالمقابل أن يتحمل تكاليف صيانته وخسائره وهلاكه.
  • تطبيقها في قانون الشركات وعقود الشراكة اليمنية: يُبطل القانون اليمني صراحة ما يُعرف في الفقه بـ "شرط المحاباة" أو العقد الذي يشترط فيه أحد الشركاء الربح دون تحمل الخسارة؛ فالتوزيع في الغنم (الأرباح) يجب أن يتطابق مع التوزيع في الغرم (الخسائر المادية) بحسب حصة كل طرف في رأس المال.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent