recent
جديد المشاركات

الدية والتعويض في القانون اليمني

عند وقوع جناية عمدية أو غير عمدية تؤدي إلى إزهاق الروح أو إحداث إصابات وجروح بدنية (أرواش)، يلزم القانون الجاني بدفع "الدية" أو "الأرش" كعقوبة مالية مقدرة شرعاً وقانوناً. ومع ذلك، غالباً ما يطالب المجني عليه أو أولياء دمه بـ "تعويض مدني إضافي" جبرًا للأضرار المادية والمعنوية الأخرى التي لحقت بهم جراء الجريمة (مثل تكاليف العلاج الباهظة، أو فقدان مصدر دخل الأسرة).

في هذا المقال، سنوضح التكييف القانوني للدية والتعويض، ونبين مدى جواز الجمع بينهما في المحاكم اليمنية.

1. التكييف القانوني للدية والتعويض في التشريع اليمني

للفصل في مسألة التداخل، يجب أولاً فهم الطبيعة القانونية لكل منهما وفقاً للقانون اليمني:
  • الدية والأرش: ينظمها قانون الجرائم والعقوبات اليمني، وهي عقوبة جنائية مالية ذات أصل شرعي مقدرة بمبالغ وأوزان محددة (مثل دية النفس أو أرواش الجروح المعينة). وتُدفع كعقوبة أصلية في جرائم الخطأ وشبه العمد، أو كبديل عند سقوط القصاص في جرائم العمد.
  • التعويض المدني: ينظمه القانون المدني اليمني (المادة 208 وما يليها) تحت مظلة "المسؤولية التقصيرية" عن الفعل الضار، ويقوم على مبدأ أن "كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض". والتعويض هنا غير مقدر بنص، بل يخضع لتقدير القاضي بناءً على حجم الضرر الفعلي المباشر (المادي والمعنوي).

2. موقف القضاء اليمني من الجمع بين الدية والتعويض

استقر قضاء المحكمة العليا في الجمهورية اليمنية على وضع قواعد حاسمة تمنع الازدواجية والتداخل غير العادل، وتتلخص في المبادئ التالية:

أولاً: الأصل.. لا يجوز الجمع بين الدية والتعويض عن "ذات الضرر"

ترى المحكمة العليا أن الدية أو الأرش المقدر شرعاً وقانوناً يتضمن في جوهره جبر الضرر الأساسي الناشئ عن الإصابة أو الوفاة. وبناءً عليه، لا يحق للمجني عليه المطالبة بدية النفس أو أرش الجرح، ثم المطالبة بتعويض مدني مستقل عن "ذات العجز أو الألم النفسي" الناتج عن ذات الإصابة؛ لأن ذلك يُعد إثراءً بلا سبب وازدواجية في التعويض عن ضرر واحد.

ثانياً: الاستثناء.. جواز المطالبة بالتعويض عن "الأضرار المتميزة المستقلة"

يجيز القانون والقضاء اليمني للمجني عليه أو ورثته المطالبة بتعويض مدني إضافي إلى جانب الدية أو الأرش، بشرط أن يكون التعويض مطالباً به لجبر أضرار متميزة ومستقلة لم تغطها الدية الشاملة، ومن أبرز أمثلتها:
  1. الخسائر المادية الفعلية السابقة للوفاة: مثل تكاليف العمليات الجراحية، قيمة الأدوية، وأجور المستشفى التي تكبدها المجني عليه قبل وفاته.
  2. فقدان الكسب المستقبلي المترتب على فوات المنفعة: إذا تسببت الجريمة في تدمير منشأة تجارية أو تفويت صفقة مالية محققة للمجني عليه مستقلة عن جسده.
  3. الأضرار المادية التي تلحق بالغير: كالأضرار التي تصيب أفراد أسرة المتوفى شخصياً نتيجة فقدان عائلهم الوحيد، وتأثر وضعهم المعيشي بشكل مباشر جراء الجريمة.

3. معيار القاضي في تصفية التداخل بين الحقين

عندما تنظر المحكمة الجزائية أو المدنية في اليمن دعوى الحق الشخصي المرفوعة تتبعاً للدعوى الجزائية، يلتزم القاضي بالآتي:
  • خصم التعجيل المالي: إذا قام الجاني بدفع مبالغ مالية تحت مسمى "مصاريف علاج وأسعاف" أثناء فترة القضية، فإن القاضي يخصم هذه المبالغ من قيمة الأرش أو الدية النهائية المحكوم بها لضمان عدم التداخل.
  • التحقق من يقين الضرر الإضافي: لا يحكم القاضي بالتعويض فوق الدية إلا إذا قدم المدعي بالحق المدني فواتير رسمية، أو أدلة قاطعة تثبت وقوع ضرر مالي فعلي زائد ومستقل تماماً عن الفعل المادي المغطى شرعاً بالدية.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent