تُمثل القضايا الجنائية الكبرى—وعلى رأسها جرائم القتل العمد—الميدان الأكثر تعقيداً في المنظومة القضائية؛ إذ يتوقف مصير المتهم فيها بين القصاص إعداماً أو التدابير الحمائية المخففة للأحداث. ونظراً للطبيعة الفنية والمجهرية لهذه الجرائم، لم يعد القضاء الجنائي قادراً على الفصل في الدعاوى بالاعتماد على البينات الشفوية واعترافات الأطراف فحسب؛ بل غدا "الدليل الفني" المتمثل في تقارير الطب الشرعي ومعاينات الأدلة الجنائية الحجر الزاوية الذي تبني عليه النيابة العامة والمحاكم عقيدتها القضائية ويقينها الإجرائي.
وتسفر الممارسة الميدانية أمام المحاكم الجنائية في اليمن عن إشكالات تطبيقية بالغة الحساسية، لاسيما عند حدوث تعارض ظاهري أو باطني بين تقرير الطبيب الشرعي الخاص بتقدير عمر المتهم، وبين المستندات الثبوتية الرسمية التي تمنحه صفة "الحدث" وتدرجه في مسار قانون رعاية الأحداث. وفي هذه الدراسة القانونية والتطبيقية (المستوحاة من أوراق قضية واقعية)، نفند بالتأصيل والتحليل الفني آليات مناقشة تقارير الطب الشرعي، والمعايير العلمية لتحديد السن العظمي، والمدلول القانوني لمحل الإثبات عند تعارض الأدلة الرسمية مع التقارير الطبية خلوّاً من الأسماء تحقيقاً للفائدة العلمية.
1. حجية تقارير الطب الشرعي والأدلة الجنائية في مسار المعاينة
تخضع التقارير الفنية الجنائية لقواعد جرد صارمة تُكسبها قوة تضامنية مطلقة متى اتسقت مع الاعترافات القضائية:
أ. فحص المسار الأفقي للمقذوف والآثار الحيوية
أثبتت الممارسة القضائية أن فحص مسرح الجريمة ومطابقة التقارير الفنية المصورة (الكتابية والتشريحية) هما الأساس لكشف كذب أو صدق المتهمين. ففي القضية محل الدراسة، جاء تقرير الإدارة العامة للأدلة الجنائية وتقرير الطب الشرعي متطابقين تماماً مع اعتراف المتهم؛ حيث أثبت التقرير الفني المكتوب أن المجني عليه أصيب بطلقة نارية نافذة في الرأس، مدخلها يقع على "الصدغ الأيمن" (فوق الأذن اليمين) ومخرجها يقع على "الصدغ الأيسر" بقطر تهشيمي بلغ 7 سم في عظام الجمجمة. كما أكد تقرير الأدلة الجنائية وجود آثار احتراق بارزة على حواف مدخل المقذوف، مما يؤكد من الناحية العلمية الجنائية أن الإطلاق تم من مسافة قريبة لا تزيد عن نصف متر.
ب. مطابقة اعتراف المتهم لقرائن "تطاير الدماء"
تتكامل الأدلة الفنية عندما تطابق الحركة المادية للجناة؛ فاعتراف المتهم أمام النيابة العامة بأنه كان واقفاً خارج السيارة في الجهة اليمنى موجهاً سلاحه (المسدس) لرأس المجني عليه الجالس في المقعد الأمامي للسائق، جاء متطابقاً 100% مع تقرير المعاينة الفنية. إذ أثبتت التقارير وجود تناثر غزير للدماء على الكرسي الأمامي وتطاير رذاذ الدم على سقف السيارة على هيئة نقاط صغيرة يتجه مسارها الهندسي من جهة الراكب الأيمن (جهة السائق) من اليمين إلى اليسار وبمسار أفقي منضبط. هذا التطابق المادي الفني يمنع الجهالة ويقفل باب المناورة الإجرائية، ويجعل من هذه التقارير أدلة إثبات قطعية الوجود بموجب المادة (323/ب، د) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني التي تصنف تقارير الخبراء والمستندات الرسمية المرتبطة بالواقعة كأدلة إثبات معتبرة.
2. الأهمية القانونية والتشريعية لتقدير سن المتهم في الجنايات
يرتبط تحديد العمر بالمسؤولية الجنائية وبنوع العقوبة المطبقة بحق الجاني:
أ. حد المسؤولية الجزائية التامة (المادة 31 عقوبات)
يضع القانون اليمني فصلاً حاسماً بين البالغ والحدث؛ فنصت المادة (31) من قانون الجرائم والعقوبات صراحة على عدم اعتبار الشخص حديث السن (الحدث) مسؤولاً مسؤولية جزائية تامة إذا لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره وقت ارتكاب الفعل الجرمي. هذا التحديد يمنع تطبيق عقوبة الإعدام (القصاص) بحقه، ويستبدلها بالتدابير الإصلاحية أو عقوبات مخففة، صوناً للقاعدة الفقهية الكبرى: «الضرر يُزال» وحمايةً للاحداث.
ب. إلزامية طلب الخبير لبيان السن (المادة 208 إجرءات)
أقر المشرع اليمني، بموجب المادة 208 من قانون الإجراءات الجزائية، إلزامية الاستعانة بتقرير الطبيب الشرعي لتحديد سن المتهم في حال خلوّ الأوراق من المستندات الرسمية، نظراً للآثار الموضوعية الخطيرة المترتبة على ذلك.